تم التحديث: ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦ 22:59:51

المصدر: راديو تمازج
رحيل جوزيف لاقو يستحضر مسيرة من الحكم الذاتي إلى الاستقلال
مواطنون
أثار رحيل السياسي والعسكري المخضرم جوزيف لاقو يانقا، احد ابرز قادة الحركة الجنوبية في السودان، موجة من التعازي واستعادة المحطات التاريخية التي أسهمت في تشكيل جنوب السودان، بدءا من التمرد المسلح ضد الحكومات المركزية، مرورا باتفاقية أديس ابابا عام 1972، وصولا إلى استقلال جنوب السودان عام 2011.
وتوفي لاقو في جوبا، الثلاثاء 27 أكتوبر، عن عمر ناهز 94 عاماً، بعد مسيرة سياسية وعسكرية ودبلوماسية امتدت لأكثر من ستة عقود، شغل خلالها مواقع قيادية في الحركة الجنوبية والحكومة السودانية، قبل أن يعمل مستشاراً للرئيس سلفاكير ميارديت بعد استقلال الجنوب.
وأعلن رئيس جنوب السودان سلفاكير الحداد الوطني على الراحل، وأمر بتنكيس الأعلام في المؤسسات الحكومية والبعثات الدبلوماسية حتى موعد دفنه، ووعد بالمشاركة شخصياً في مراسم جنازته الرسمية.
ووصف كير، في بيان نقلته إذاعة «راديو تمازج»، لاقو بأنه بطل للتحرير وشخصية وطنية كرست حياتها لقضية شعب جنوب السودان، مشيدا بأدواره العسكرية والسياسية والدبلوماسية، وبأنه عاش حتى شهد قيام الدولة التي ناضل من أجلها.
كما أشاد النائب الأول السابق لرئيس جنوب السودان، رياك مشار، المحتجز على ذمة محاكمته، بالراحل، معتبراً أنه قدم السلام، وحق تقرير المصير على طموحاته الشخصية.
وقال مشار في رسالة تعزية اوردتها «راديو تمازج» الاربعاء إن لاقو «لم يكن قائدا أنانيا أو جشعا للسلطة»، مشيرا إلى استعداده للتخلي عن القيادة لمصلحة آخرين، ووصفه بأنه شخصية ستظل حاضرة في ذاكرة الجنوب لدورها في خدمة شعبه.
ولد جوزيف لاقو في 21 نوفمبر 1931 بمنطقة موموكوي في شرق الاستوائية، وتلقى تدريبا عسكريا قبل أن ينشق عن الجيش السوداني عام 1963 وينضم إلى التمرد الجنوبي الذي اندلع عام 1955.
وفي عام 1968، تولى قيادة حركة تحرير جنوب السودان وجناحها العسكري المعروف باسم «أنيانيا»، وأسهم في توحيد فصائل التمرد، قبل أن يقود المفاوضات مع حكومة جعفر نميري التي أفضت إلى اتفاقية أديس ابابا عام 1972.
أنهت الاتفاقية الحرب الأهلية الأولى بين الشمال والجنوب، ومنحت الإقليم الجنوبي حكما ذاتيا استمر نحو عقد، قبل أن يلغي نميري ترتيباته عام 1983، مما ساهم في اندلاع الحرب الأهلية الثانية.
وبعد الاتفاق، عاد لاقو إلى الجيش السوداني وترقى إلى رتبة فريق، وشغل رئاسة المجلس التنفيذي العالي للإقليم الجنوبي بين عامي 1978 و1979، ثم منصب النائب الثاني لرئيس السودان بين عامي 1982 و1985.
كما تولى مهام دبلوماسية، بينها منصب المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة بين عامي 1990 و1992، وعمل سفيراً متجولاً في فترات أخرى. وبعد استقلال جنوب السودان، شغل منصب مستشار خاص للرئيس سلفاكير قبل اعتزاله العمل العام.
وأعادت وفاة لاقو النقاش حول اختلاف المشروعات السياسية التي قادتها أجيال الحركة الجنوبية. ففي مقال رأي نشرته «راديو تمازج» الجمعة، تناول الكاتب عمر الحاج المسارات التي مثلها جوزيف لاقو وجون قرنق وسلفاكير ميارديت.
ورأى الكاتب أن لاقو مثّل مرحلة انتزاع الحكم الذاتي من خلال الجمع بين العمل العسكري والتفاوض، بينما طرح جون قرنق، مؤسس الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1983، مشروع «السودان الجديد» لإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة والمساواة، متجاوزاً المطالب الإقليمية للجنوب.
أما سلفاكير، الذي تولى قيادة الحركة الشعبية عقب وفاة قرنق عام 2005، فقاد المرحلة الانتقالية التي انتهت باستفتاء تقرير المصير وإعلان استقلال جنوب السودان في 9 يوليو 2011.
لكن الدولة الجديدة واجهت تحديات بناء المؤسسات وتوحيد القوات وإدارة الموارد، قبل أن تنزلق إلى حرب داخلية عام 2013، أعقبتها اتفاقية السلام المنشطة عام 2018، وسط استمرار التوترات السياسية والأمنية.
ويخلص مقال الحاج إلى أن التحرير والسلام والاستقلال لا تكتمل قيمتها بمجرد تحقيقها، بل بقدرة القيادات على تحويل مكاسبها إلى مؤسسات عادلة ومستقرة.
وبرحيل لاقو، يفقد جنوب السودان أحد أبرز شهود مراحل نضاله السياسي والعسكري، فيما يبقى إرث اتفاقية أديس أبابا، وتجربة الحكم الذاتي، والتحول إلى الاستقلال، حاضراً في النقاش بشأن مستقبل الدولة وتحديات السلام وبناء المؤسسات.
--
استند هذا التقرير إلى خبرين نشرهما موقع «راديو تمازج» يومي 28 و29 أكتوبر 2026، تناولا وفاة جوزيف لاقو والتعازي التي قُدمت في رحيله، إلى جانب مقال رأي للكاتب عمر الحاج نشره الموقع نفسه في 30 أكتوبر، تناول فيه الإرث السياسي لكل من جوزيف لاقو وجون قرنق وسلفاكير ميارديت.

