تم النشر بتاريخ: ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦ 22:31:59
تم التحديث: ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦ 23:03:02

الشريط الحدودي بالقلابات.. مواطنون بين مخاطر الاختطاف وكلفة البحث عن الرزق

<p>مجاهد نصرالدين</p>

مجاهد نصرالدين

على الشريط الحدودي بين السودان وإثيوبيا، بمنطقة القلابات في ولاية القضارف، لا تنتهي رحلة بعض العاملين مع البضائع والمحاصيل عند الأسواق ومناطق الإنتاج بل قد تمتد إلى مخاوف الاختطاف وإطلاق النار. هناك، حيث تشكل الزراعة والتجارة وترحيل البضائع مصادر أساسية للدخل، يجد مواطنون أنفسهم أمام معادلة قاسية إما مواصلة العمل لتأمين احتياجات أسرهم أو الابتعاد عن مناطق تلاحقها المخاطر الأمنية.

وخلال الأشهر الأخيرة، عادت حوادث الاختطاف والاعتداءات المسلحة إلى واجهة مخاوف السكان، وسط إفادات محلية عن تورط مجموعات مسلحة تعرف باسم (الشفتة الإثيوبية) في حوادث استهدفت مواطنين سودانيين داخل المناطق الحدودية بعضها انتهى بإطلاق سراح المحتجزين، لكنه ترك وراءه أسئلة بشأن سلامة العاملين وقدرة الجهات المختصة على توفير الحماية.

عندما تصبح رحلة العمل مخاطرة
بالنسبة إلى محمد أحمد علي من منطقة عصار التابعة لمحلية القلابات الغربية ، وهو سائق يعمل في ترحيل البضائع بمنطقة القلابات فإن المخاوف الأمنية ليست امراً طارئاً على حياة العاملين في الشريط الحدودي، بل ترتبط بحوادث يقول إنها تتكرر منذ سنوات.

ويشير محمد إلى أن بعض حوادث الاختطاف تنتهي بمطالبات مالية مقابل إطلاق سراح المحتجزين، ما يضع الأسر أمام أعباء إضافية، لا تقتصر على خسارة مصدر الدخل، وإنما تمتد إلى البحث عن الأموال وتأمين عودة ذويهم سالمين.

ولا تقتصر هذه المخاطر على المزارعين الذين يعملون بالقرب من الحدود إذ تشمل ايضاً سائقي المركبات والتجار والعاملين في نقل البضائع، ممن تفرض عليهم طبيعة أعمالهم التنقل بين مناطق الإنتاج والأسواق والتجمعات الحدودية.

وفي منطقة تعتمد فيها قطاعات واسعة من السكان على الحركة اليومية لكسب الرزق لا تبدو المخاطر الأمنية مسألة فردية فأي تهديد لحركة العاملين قد ينعكس على نقل السلع وتكاليفها، ويضعف النشاط التجاري ويضاعف الأعباء المعيشية على الأسر.

جبل دولار.. إطلاق نار واختطاف
وفي إفادته عن طبيعة المخاطر التي تواجه العاملين، يتحدث محمد أحمد علي عن تعرضهم لإطلاق نار في منتصف سبتمبر 2026، أثناء محاولة تعديهم في خور بالقرب من جبل دولار، مشيراً إلى أن الحادثة ارتبطت بمجموعات من الشفتة الإثيوبية، وفق روايته.

ولم تتوقف الوقائع عند مخاطر إطلاق النار ففي ذات اليوم شهدت منطقة جبل دولار حادثة اختطاف مواطنين اثنين من أبناء قرية عصار بمحلية القلابات الغربية، هما مصطفى عبد القادر والنور الرضى بحسب إفادات وتقارير إعلامية محلية.

واثارت الحادثة قلقاً واسعاً وسط الأهالي الذين وجهوا في 28 سبتمبر مناشدة إلى والي ولاية القضارف وقائد الفرقة الثانية مشاة، طالبوا فيها بالتدخل وتأمين الحدود وحماية المواطنين والمزارعين.

وبعد أيام من الاحتجاز، عاد المواطنان إلى قريتهما في الثالث من أكتوبر، وسط استقبال واحتفالات من الأهالي، في مشهد عكس حجم الارتياح لعودتهما، لكنه أعاد في الوقت ذاته طرح التساؤلات حول الظروف التي سمحت بوقوع الحادثة، والضمانات اللازمة لمنع تكرارها.

تجار في دائرة الخطر
وفي 25 أكتوبر 2026، وقعت حادثة أخرى على الشريط الحدودي، إذ اقتيد عدد من التجار، قبل إطلاق سراحهم لاحقاً عقب تدخل قوات سودانية تعمل في المنطقة، وفق معلومات نقلها شهود من المنطقة.

وتكشف هذه الواقعة أن دائرة المخاطر لا تقتصر على سكان القرى الحدودية أو المزارعين وإنما تمتد إلى العاملين في النشاط التجاري وحركة البضائع، الذين تشكل تنقلاتهم جزءاً أساسياً من الاقتصاد المحلي.

كما تثير الحادثة تساؤلات بشأن ملابسات اقتياد التجار، والجهة المسؤولة عنه، وطبيعة التدخل الذي أفضى إلى إطلاق سراحهم، ومدى وجود ترتيبات أمنية كافية لحماية العاملين في تلك المناطق.

الخطر لا يتوقف عند حدود الحادثة
تكتسب منطقة القلابات أهمية اقتصادية واجتماعية باعتبارها إحدى المناطق التي ترتبط فيها حياة السكان بالأنشطة الزراعية والتجارية والحركة عبر الحدود. ولذلك، فإن أي اضطراب أمني لا يتوقف أثره عند الأشخاص الذين يتعرضون للحوادث، بل قد يمتد إلى مجمل النشاط الاقتصادي.

فتراجع حركة التجار أو إحجام السائقين عن الوصول إلى بعض مناطق الإنتاج، قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الترحيل، وتعطيل نقل المحاصيل والبضائع، ويضع المنتجين والتجار أمام خيارات أكثر كلفة.

وفي المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والتجارة الحدودية، تصبح سلامة الطرق ومناطق العمل جزءاً من شروط الاستقرار المعيشي. فالأمن هنا ليس مجرد مسألة عسكرية أو حدودية، بل يرتبط مباشرة بقدرة المواطنين على الإنتاج والحصول على الدخل وتوفير احتياجات أسرهم.

مسؤولية الحماية.. من الاستجابة إلى الوقاية
تضع هذه الحوادث الجهات المختصة أمام مسؤولية تتجاوز التعامل مع الوقائع بعد حدوثها، إلى ضرورة بناء ترتيبات وقائية تضمن حماية المدنيين والعاملين في المناطق الحدودية.

وتشمل هذه المسؤولية تعزيز الوجود الأمني في المناطق التي تشهد مخاطر متكررة، وتأمين مسارات الحركة ومناطق الإنتاج، وتفعيل آليات البلاغ والاستجابة السريعة، إلى جانب التحقيق في حوادث الاختطاف وإطلاق النار وتحديد المسؤوليات القانونية بشأنها.

لكن السؤال الذي يظل مطروحاً أمام السلطات المحلية والأمنية هو: كيف يمكن حماية المواطنين الذين يعتمدون على العمل في المناطق الحدودية، دون أن يتحول الخوف إلى سبب إضافي لفقدان مصادر رزقهم؟
وهكذا يجد سكان الشريط الحدودي أنفسهم بين ضرورة المعيشة ومخاطر الطريق، في انتظار إجراءات حماية تجعل ممارسة الزراعة والتجارة والتنقل حقاً امناً لا مغامرة يومية قد تنتهي بالاختطاف أو إطلاق النار.

معرض الصور