تم النشر بتاريخ: ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦ 00:02:59
تم التحديث: ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٦ 00:08:24

كيف ساهمت الصحافة السودانية في إطالة أمد الصراع؟

<p>الأصمعي باشري </p>

الأصمعي باشري 

لم تكن الصحافة السودانية مجرد شاهد على الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، فقد تحولت بعض مؤسساتها ومنصاتها، بدرجات متفاوتة، إلى جزء من البيئة السياسية والإعلامية التي ساهمت في إطالة أمد الصراع، وتعميق الاستقطاب، وإضعاف فرص الوصول إلى السلام.

ومع ذلك، فإن الحديث عن مسؤولية الصحافة لا يعني تحميل الصحفيين وحدهم مسؤولية الحرب، أو تجاهل الظروف التي يعملون فيها. فالحرب السودانية اندلعت نتيجة صراع سياسي وعسكري معقد، وكانت المؤسسات الإعلامية نفسها ضحية للانهيار الأمني، والاستهداف، والتهجير، والرقابة، وانقطاع الموارد. لكن هذه الظروف لا تلغي ضرورة مساءلة الخطاب الإعلامي عن دوره في إنتاج الحرب وإعادة تدويرها.

لقد كشفت الحرب عن أزمة عميقة في بنية الصحافة السودانية، وعن هشاشة استقلال المؤسسات الإعلامية أمام مراكز النفوذ السياسي والعسكري، وعن تراجع قدرتها على ممارسة دورها الرقابي في لحظة كان المجتمع السوداني أكثر حاجة إلى المعلومات المستقلة والتحليل الموضوعي.

من نقل الأخبار إلى التعبئة العسكرية
منذ الأيام الأولى للحرب، انقسم المجال الإعلامي السوداني إلى منصات تتبنى رواية الجيش، وأخرى تقترب من رواية الدعم السريع، فيما حاولت مؤسسات محدودة الحفاظ على مسافة مهنية من الطرفين.

لم يقتصر هذا الانقسام على نقل الأخبار، لكنه امتد إلى طريقة تفسير الحرب نفسها. فقد جرى تقديم الصراع في بعض المنابر باعتباره معركة وجودية بين الخير والشر، أو مواجهة بين الوطنية والخيانة، أو حرباً ضد مؤامرة خارجية.

أدى هذا الخطاب إلى تضييق مساحة النقاش حول الأسباب السياسية للحرب، ومسؤولية الأطراف العسكرية، ومصالح القوى التي تستفيد من استمرارها. وعندما تتحول المؤسسة الصحفية إلى امتداد للرواية العسكرية، فإنها تفقد قدرتها على مساءلة الطرف الذي تتبنى خطابه، وتصبح الأخبار جزءاً من معركة السيطرة على الوعي العام.

هنا ساهمت بعض المؤسسات الإعلامية في تحويل الانتصارات العسكرية إلى معيار لتقييم مستقبل البلاد، بينما جرى التعامل مع المبادرات السياسية باعتبارها محاولات لإضعاف أحد الطرفين أو منح خصمه فرصة لاستعادة قوته.

هذا النمط من التغطية لا يكتفي بتقديم المعلومات، فقد شارك في تشكيل المزاج العام، ومنح الحرب شرعية اجتماعية تتجاوز طبيعتها العسكرية. فحين يصبح الانتصار العسكري هو الطريق الوحيد المقبول لإنهاء الصراع، تتراجع فرص التفكير في التسوية السياسية، وتتحول الدعوات إلى وقف القتال.

خطاب الكراهية والتضليل وتغييب الضحايا
ساهمت بعض المنصات الإعلامية في إعادة إنتاج خطاب الكراهية، خصوصاً عندما جرى استخدام الانتماءات القبلية والجهوية والإثنية لتفسير الصراع.

وفي بعض الحالات، تجاوز الخطاب توصيف الانتهاكات الفردية أو العسكرية إلى تحميل جماعات اجتماعية كاملة مسؤولية أفعال أطراف مسلحة. وهنا تكمن خطورة الإعلام؛ إذ تتحول الجريمة من فعل يرتكبه أفراد أو تشكيلات عسكرية إلى اتهام جماعي يستهدف الهوية.

هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بتبرير العنف، بل يخلق بيئة اجتماعية يصبح فيها الانتقام مقبولاً، وتُختزل فرص التعايش في موقف سياسي أو عسكري واحد.

وقد ساعدت منصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءاً من المشهد الصحفي السوداني، على انتشار هذا الخطاب بسرعة، خاصة في ظل غياب التحقق المستقل من الصور والمقاطع والادعاءات المتداولة.

كما أصبحت الحرب مجالاً واسعاً للتضليل الإعلامي، من خلال نشر أخبار غير مكتملة، وتضخيم الانتصارات العسكرية، وتداول مقاطع قديمة باعتبارها أحداثاً جديدة، واستخدام صور الضحايا لتوجيه الاتهامات السياسية.

وتكمن المشكلة في أن بعض المؤسسات الإعلامية أعادت نشر هذه المواد دون التحقق الكافي من مصادرها، أو دون تقديم سياق يوضح ظروف وقوع الأحداث.

ومع تكرار المعلومات المضللة، يتراجع اعتماد الجمهور على الصحافة بوصفها مصدراً مستقلاً للمعرفة، ويصبح أكثر استعداداً لتصديق الرواية التي تتوافق مع موقفه السياسي أو الاجتماعي.

وفي الوقت نفسه، ركز جانب من التغطية الصحفية على تحركات القوات، والسيطرة على المدن، والعمليات العسكرية، والتصريحات السياسية، بينما تراجع الاهتمام بالآثار الاجتماعية والإنسانية للحرب.

أصبح المواطن السوداني في كثير من التغطيات رقماً في حصيلة النزوح، أو صورة عابرة في تقرير عن القصف، أو شاهداً على تقدم عسكري. لكن الحرب ليست مجرد جغرافيا تتغير السيطرة عليها، فهي بطبيعة الحال انهيار للحياة اليومية، وتدمير للمؤسسات، وفقدان للأمان، وتفكك للعلاقات الاجتماعية.

إن تغييب هذه الأبعاد يساهم في تطبيع الحرب، ويجعل استمرارها يبدو أمراً اعتيادياً، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بمصير المدنيين، وحقوقهم، وسبل حمايتهم.

إضعاف الصحافة المستقلة وإغلاق أفق السلام
الحرب لم تكن مجرد اختبار لخطاب الصحافة، كانت أيضاً عملية تدمير واسعة للبنية الإعلامية السودانية. ففيها تعرض الصحفيون للقتل والاعتقال والتهديد، وأُغلقت مؤسسات إعلامية، وفقدت غرف الأخبار مقومات العمل، واضطر كثير من الصحفيين إلى النزوح خارج البلاد أو الانتقال إلى مناطق أكثر أمناً.

كما أدى الاستقطاب السياسي إلى تضييق مساحة العمل المستقل، وفرض ضغوط على الصحفيين من أطراف مختلفة.

وفي ظل هذه الظروف، أصبح الوصول إلى المعلومات أكثر صعوبة، وتراجعت القدرة على إجراء التحقيقات المستقلة، ومراجعة الادعاءات العسكرية، وتوثيق الانتهاكات.

إن إضعاف الصحافة المستقلة لا يخدم طرفاً عسكرياً واحداً فقط، بل يخلق بيئة يستطيع فيها جميع الأطراف الإفلات من المساءلة.

وفي هذا السياق، ساهم الخطاب الإعلامي المتشدد في تقديم الحرب باعتبارها معركة لا يمكن إنهاؤها إلا بانتصار عسكري كامل.

وفي بعض المنابر، جرى التعامل مع المبادرات السياسية، والوساطات، والدعوات إلى وقف إطلاق النار باعتبارها تنازلات أو مؤامرات، دون مناقشة جدواها أو شروط نجاحها.

هذا الخطاب يضعف فرص التفاوض، ويعزز الاعتقاد بأن السلام لا يمكن أن يتحقق إلا بعد هزيمة الطرف الآخر. كما أن تكرار لغة الثأر والانتقام، وتخوين المطالبين بوقف الحرب، يساهم في إغلاق المجال العام أمام التفكير في حلول سياسية.

لكن المسؤولية هنا ليست متساوية. هناك فرق بين الصحفي الذي يعمل تحت تهديد السلاح، والمؤسسة التي تتبنى خطاباً عسكرياً بصورة منظمة، والمنصة التي تنشر معلومات مضللة لتحقيق أهداف سياسية.

كما أن الصحفيين الذين وثقوا الانتهاكات، وكشفوا جرائم الحرب، وقدموا شهادات الضحايا، وسعوا إلى حماية المدنيين، كانوا جزءاً من مقاومة الحرب، وليس من استمرارها.

لذلك، فإن المساءلة المهنية يجب أن تميز بين الصحافة المستقلة، والصحافة الموجهة، والدعاية العسكرية، والمحتوى الرقمي الذي يتخفى في صورة أخبار. ولا يجوز أن تتحول مساءلة الإعلام إلى وسيلة جديدة لتقييد حرية التعبير أو معاقبة الصحفيين بسبب مواقفهم السياسية.

إن استعادة الدور المهني للصحافة تبدأ بفك ارتباط المؤسسات الإعلامية بمراكز النفوذ العسكري، وتعزيز التحقق المستقل، ومساءلة خطاب الكراهية، وإعادة الاعتبار للضحايا بوصفهم أصحاب حقوق، لا مجرد أرقام في نشرات الأخبار.

فالصحافة لا تنهي الحرب بمجرد إعلان موقف ضدها، بل بمقاومة الآليات الإعلامية التي تجعلها قابلة للاستمرار، التضليل، والتحريض، والتخوين، وتطبيع العنف، وإغلاق المجال أمام السلام.

وفي السودان، لا تقتصر معركة استعادة الصحافة على إعادة تشغيل المؤسسات المتوقفة، إذ تشمل أيضاً استعادة استقلالها عن أطراف الحرب، وإعادة بناء الثقة بينها وبين المجتمع، حتى لا تصبح الذاكرة الإعلامية للحرب امتداداً لمعركة السلاح.

معرض الصور