تم النشر بتاريخ: ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ 18:02:45
تم التحديث: ٢٧ أكتوبر ٢٠٢٦ 18:10:38

مأوى الكرامة في الدمازين، ولاية النيل الأزرق - مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين

النيل الأزرق بين اتساع المواجهات واتساع دائرة النزوح والانتهاكات

مواطنون
تشهد ولاية النيل الأزرق تحولاً متسارعاً في طبيعة الصراع المسلح في السودان، مع انتقال المواجهات إلى مناطق جديدة واتساع رقعتها الجغرافية، ما جعل الولاية واحدة من أبرز بؤر المخاطر الأمنية والإنسانية في البلاد. ويأتي هذا التصعيد في سياق أوسع بانتقال مركز ثقل العمليات العسكرية خلال عام 2026 نحو إقليمي كردفان والنيل الأزرق، بعد تراجع حدة القتال في بعض مناطق الوسط والخرطوم. وتشير تقديرات حديثة إلى أن النيل الأزرق شهدت ارتفاعاً حاداً في مستوى العنف خلال الربع الأول من العام، بينما أصبحت احتمالات امتداد القتال نحو مناطق جديدة، بينها الدمازين والممرات الاستراتيجية المحيطة بها، مصدر قلق متزايد.

ولا تقتصر تداعيات التصعيد على الخسائر المباشرة في الأرواح والممتلكات، بل تمتد إلى تقويض شروط الحياة المدنية. فالهجمات والاشتباكات تعطل الأسواق وطرق الحركة والخدمات الصحية والتعليمية، وتدفع السكان إلى مغادرة مناطقهم بصورة متكررة. وتؤكد تقارير الحماية أن تصاعد القتال منذ أواخر مارس أدى إلى تدهور واضح في أوضاع المدنيين، خصوصاً داخل مواقع النزوح التي تعاني الاكتظاظ وضعف المأوى ونقص المياه وخدمات الصرف الصحي، وهي ظروف تزيد مخاطر العنف والاستغلال، ولا سيما بالنسبة للنساء والأطفال.

ويكشف مسار النزوح عن حجم التحول الذي أحدثته المواجهات. فقد قدرت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 99,277 شخصاً، أي قرابة 19,500 أسرة، بين 11 يناير و23 أغسطس 2026 داخل ولاية النيل الأزرق، بزيادة قدرها 66% مقارنة بالتحديث السابق. وتأتي محليات قيسان والكرمك وباو في مقدمة مناطق المنشأ، بينما استقبلت الدمازين العدد الأكبر من النازحين. اللافت أن 58% من النازحين لجأوا إلى مواقع تجمع غير رسمية، و33% إلى أسر مضيفة، فيما استُخدمت المدارس والمباني العامة لإيواء البقية. وتشكل النساء نحو 56% من إجمالي النازحين، ويقل عمر ما يقارب نصفهم عن 18 عاماً.

وتعني هذه الأرقام أن النزوح لم يعد مجرد نتيجة مؤقتة للعمليات العسكرية، بل أصبح عاملاً يعيد تشكيل الخريطة الاجتماعية والاقتصادية للولاية. فالمجتمعات المضيفة، التي تعاني أصلاً محدودية الموارد والخدمات، تتحمل أعباء إضافية في الغذاء والمياه والصحة والسكن. وفي المقابل، يصل النازحون إلى مناطق الاستقبال بعد فقدان مصادر الدخل والأصول الزراعية، ما يرفع مستويات الاعتماد على المساعدات ويزيد مخاطر الفقر وسوء التغذية والاستغلال.

وتبدو فجوة الاستجابة الإنسانية أكثر خطورة في ظل هذا التسارع. فقد حذرت جهات الحماية من أن ضعف المأوى والمياه والصرف الصحي والتنسيق داخل مواقع النزوح، إلى جانب اقتراب موسم الأمطار، قد يجعل الأزمة أكثر حدة. وعلى المستوى الأوسع، لا تزال الاستجابة الإنسانية في السودان تعاني نقصاً حاداً في التمويل؛ إذ لم يتجاوز التمويل المتاح لنداء صندوق الأمم المتحدة للسكان البالغ 129.2 مليون دولار سوى 37% حتى أغسطس، الأمر الذي يحد من القدرة على استمرار خدمات الصحة الإنجابية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي.

وتتحمل النساء والفتيات الجزء الأكبر من المخاطر الناجمة عن تداخل الحرب والنزوح والفقر. ففي مواقع النزوح غير الآمنة تتزايد مخاطر التحرش والعنف الجنسي، بينما يؤدي انهيار الخدمات الصحية إلى تعريض النساء الحوامل والناجيات من العنف لمخاطر إضافية. وفي النيل الأزرق تحديداً، اضطرت قابلات وعاملات صحيات إلى تقديم خدمات الولادة والرعاية الطارئة في ظروف بالغة الصعوبة، في وقت أدى فيه القتال وتضرر البنية التحتية والفيضانات إلى جعل الوصول إلى الرعاية الأساسية شبه مستحيل في بعض المناطق.

وفي مقابل اتساع الاحتياجات، يبرز الدور المتزايد للأجسام النسوية والفضاء المدني بوصفهما خط دفاع مجتمعياً مهماً. فالمنظمات التي تقودها النساء وغرف الطوارئ والمبادرات المحلية لا تقدم المساعدات فقط، بل تضطلع أيضاً بالرصد المجتمعي، وحماية النساء، والإحالة إلى الخدمات، وتوثيق الانتهاكات، ودعم التماسك الاجتماعي. وتؤكد دراسات حديثة أن هذه المنظمات تمتلك ثقة مجتمعية وقدرة وصول يصعب على المنظمات الدولية الوصول إليها، لكنها تواجه في المقابل نقصاً شديداً في التمويل وقيوداً أمنية وإدارية؛ إذ أفادت أكثر من 91% من المنظمات النسوية التي شملها مسح سابق بأنها اضطرت إلى تعليق أنشطة أو تسريح موظفين بسبب نقص الموارد.

ويكتسب الحفاظ على الفضاء المدني في النيل الأزرق أهمية مضاعفة، لأن استمرار المبادرات المحلية لا يمثل بديلاً عن الدولة أو المنظمات الإنسانية الدولية، وإنما يشكل حلقة وصل ضرورية بين الاحتياجات الفعلية للسكان والاستجابة الرسمية والدولية. كما أن مبادرات المجتمع المدني في الولاية بدأت تربط بين الإغاثة وبناء السلام الاجتماعي، مستفيدة من التنوع الثقافي والإثني للمنطقة.

وعليه، فإن التعامل مع أزمة النيل الأزرق لا ينبغي أن يقتصر على زيادة المساعدات بعد كل موجة نزوح، بل يتطلب استراتيجية متكاملة تقوم على حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ودعم الخدمات الأساسية في مناطق النزوح والاستقبال، وتمويل الأجسام المحلية والنسوية بصورة مباشرة ومرنة، وحماية العاملين المدنيين من التضييق والتهديد.

فالمعادلة الحالية تشير إلى أن استمرار القتال سيولّد نزوحاً جديداً، والنزوح سيزيد الضغط على الخدمات، بينما يؤدي نقص التمويل إلى إضعاف قدرة المجتمع المحلي على الاستجابة. وكسر هذه الحلقة يتطلب، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى وقف القتال، إعادة الاعتبار للفضاء المدني وللقيادة النسوية باعتبارهما جزءاً أساسياً من حماية السكان وبناء القدرة على الصمود والسلام في النيل الأزرق.

معرض الصور