تم التحديث: ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ 14:43:18

المصدر: تنسيقية لجان مقاومة عطبرة
``عطبرة`` تحت ضغط الغلاء.. احتجاجات تعيد إلى الأذهان شرارة ثورة ديسمبر
مواطنون
خرج مواطنون في مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، اليوم، في احتجاجات عبّروا خلالها عن رفضهم لارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية، في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة تزيد من معاناة الأسر السودانية، مع استمرار الحرب وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الخدمات الأساسية.
وتأتي الاحتجاجات وسط شكاوى متزايدة من غلاء السلع الاستهلاكية، وتدهور خدمات المواصلات وارتفاع تكلفتها، إلى جانب زيادة الرسوم الدراسية التي باتت تمثل عبئاً إضافياً على الأسر، وتهدد قدرة بعضها على مواصلة تعليم أبنائها.
وقالت تنسيقية لجان مقاومة عطبرة، في بيان، إن تردي الأوضاع المعيشية يرتبط باستمرار الحرب وتداعيات انقلاب 25 أكتوبر، معتبرة أن المواطنين يتحملون الأعباء الاقتصادية والسياسية للأزمة المستمرة. ودعت طرفي النزاع إلى الوقف الفوري للحرب، وتغليب مصلحة الشعب السوداني، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، والعمل على التوصل إلى حل سياسي مدني يحقق الحرية والسلام والعدالة.
وأكدت التنسيقية دعمها حق المواطنين في التعبير السلمي عن رفضهم لغلاء الأسعار وتدهور الظروف المعيشية، مشددة على مشروعية المطالب المتعلقة بالحياة الكريمة والسلام والعدالة.
المواصلات والتعليم.. أعباء إضافية على الأسر
تتجاوز الأزمة المعيشية في عطبرة ارتفاع أسعار الغذاء إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتزايد تكاليف التنقل وتوفير الاحتياجات المدرسية، في وقت تتراجع فيه قدرة الأسر على مواجهة النفقات الأساسية.
وتشكل المواصلات أحد أبرز أوجه المعاناة اليومية، مع ارتفاع التعرفة ونقص وسائل النقل المتاحة، الأمر الذي يضاعف الأعباء على العاملين والطلاب، ويزيد تكلفة الوصول إلى أماكن العمل والأسواق والمؤسسات التعليمية. كما ينعكس ارتفاع تكلفة النقل على حركة النشاط التجاري، ويضيف أعباء جديدة إلى أسعار السلع والخدمات.
وفي 25 أكتوبر الجاري، أوردت تقارير صحفية زيادة تعرفة المواصلات بين عطبرة والدامر إلى سبعة آلاف جنيه للراكب، وسط شكاوى مرتبطة بنقص الوقود واضطراب الإمدادات. ويعكس ارتفاع تكاليف التنقل جانباً من الضغوط التي تواجه المواطنين في الولاية، خصوصاً أصحاب الدخول المحدودة الذين يضطرون إلى تخصيص جزء متزايد من دخولهم لتغطية نفقات الحركة اليومية.
ولا يقل قطاع التعليم تأثراً بالأزمة، إذ تتزامن الرسوم الدراسية مع ارتفاع تكاليف الترحيل والزي المدرسي والكتب والأدوات التعليمية. وتضع هذه النفقات الأسر أمام خيارات صعبة، بين الوفاء بمتطلبات المعيشة الأساسية والمحافظة على انتظام أبنائها في الدراسة، وسط مخاوف من اتساع الفجوة التعليمية بين الأسر بحسب قدرتها المالية.
وتتضاعف هذه الضغوط في ظل تراجع فرص العمل واستمرار الحرب، التي أضعفت مصادر الدخل وأثرت في النشاط الاقتصادي في مختلف أنحاء البلاد.
إضراب تجار السوق.. الغلاء والجبايات في واجهة الاحتجاج
وسبق أن شهدت أسواق عطبرة تحركات احتجاجية للتجار على خلفية الرسوم والضرائب والجبايات المحلية، في مشهد يعكس اتساع دائرة المتضررين من الأزمة الاقتصادية لتشمل أصحاب الأعمال والمستهلكين على حد سواء.
وخلال أغسطس وسبتمبر الماضيين، شهدت المدينة إغلاق متاجر وإضراباً في السوق احتجاجاً على الرسوم المفروضة على الأنشطة التجارية، وسط مطالب بمراجعتها وتخفيف الأعباء المالية على التجار.
وتكشف هذه التحركات عن أزمة مركبة؛ فالتجار يواجهون ارتفاع تكاليف التشغيل والرسوم وتراجع القدرة الشرائية، بينما يتحمل المستهلكون تبعات ارتفاع الأسعار وضعف الدخول. وفي ظل هذا الواقع، تصبح الأسواق ساحة تتقاطع فيها المطالب الاقتصادية مع المطالب المتعلقة بالسياسات العامة وإدارة الموارد المحلية.
ويثير استمرار الاحتقان تساؤلات بشأن قدرة السلطات على احتواء الأزمة من خلال مراجعة الجبايات، وتحسين الخدمات، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، خصوصاً في ظل تراجع النشاط الاقتصادي واتساع الاحتياجات المعيشية.
عطبرة وذاكرة ثورة ديسمبر
تحمل احتجاجات عطبرة دلالات تتجاوز مطالبها المباشرة، بالنظر إلى الموقع الذي احتلته المدينة في انطلاق ثورة ديسمبر 2018، عندما خرج المواطنون في 19 ديسمبر احتجاجاً على ارتفاع أسعار الخبز وتدهور الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتسع الاحتجاجات إلى مدن سودانية أخرى وتتحول إلى حراك سياسي واسع ضد نظام عمر البشير.
وكانت الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار الخبز ونقص الوقود من أبرز العوامل التي فجرت الغضب الشعبي آنذاك، فيما تحولت المطالب المعيشية إلى مدخل لحراك أوسع طالب بالحرية والسلام والعدالة والتغيير السياسي.
وبعد نحو ثمانية أعوام، تعود الأوضاع الاقتصادية إلى واجهة الاحتجاج في المدينة نفسها، لكن في سياق أكثر تعقيداً، تفرضه الحرب المستمرة منذ 15 أبريل 2023، وما صاحبها من تدهور اقتصادي، وتعطل قطاعات الإنتاج، واضطراب الأسواق والخدمات، واتساع دائرة الفقر والاحتياجات الإنسانية.
ولا يعني تشابه دوافع الاحتجاج تكرار المسار السياسي الذي شهدته البلاد في 2018، لكنه يسلط الضوء على استمرار ارتباط الاستقرار الاجتماعي بقدرة المواطنين على توفير احتياجاتهم الأساسية، وعلى مخاطر تجاهل المطالب المعيشية في ظل استمرار الحرب.
وتضع الاحتجاجات الحالية السلطات أمام تحديات تتعلق بمعالجة الغلاء، وتحسين خدمات النقل، ومراجعة الرسوم التي تثقل كاهل التجار والأسر، وضمان قدرة الأطفال على مواصلة التعليم، إلى جانب ضرورة توفير بيئة تسمح بالتعبير السلمي عن المطالب.
وفي ظل اتساع الأزمة، تظل دعوات تنسيقية لجان مقاومة عطبرة إلى وقف الحرب وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والتوصل إلى حل سياسي مدني جزءاً من المشهد الذي تتداخل فيه المطالب الاقتصادية مع تطلعات السودانيين إلى السلام والعدالة والحياة الكريمة.

