تم النشر بتاريخ: ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ 14:50:53
تم التحديث: ٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ 14:54:28

أزمة الخبز في السودان.. من الغلاء إلى شبح المجاعة

مواطنون
عاد الخبز إلى واجهة الأزمة المعيشية في السودان، مع تسجيل زيادة جديدة في أسعار الدقيق، وفق إفادات متداولة من السوق، دفعت عدداً من المخابز في العاصمة والولايات إلى التوقف، فيما واصلت مخابز أخرى العمل بطاقة محدودة وسط ازدحام وصفوف طويلة أمام الأفران.

وبحسب الإفادات، لجأت بعض المخابز إلى تقليص حجم الرغيفة وبيعها بنحو 500 جنيه، في مؤشر جديد على اتساع الفجوة بين تكلفة إنتاج الخبز والقدرة الشرائية للمواطنين.

ولا تبدو أزمة الخبز مجرد أزمة سلعة منفردة؛ فالخبز يمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة غذائية تعرضت منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 لاضطرابات واسعة، شملت الإنتاج الزراعي، والنقل، والأسواق، والوقود، وسلاسل الإمداد، إضافة إلى نزوح الملايين وتراجع النشاط الاقتصادي.

تحذيرات دولية من مجاعة تقترب
تأتي التطورات الجديدة في وقت تحذر فيه المنظمات الدولية من أن السودان يواجه واحدة من أخطر أزمات الغذاء في العالم.

وفي أحدث تحذير صادر عن التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) في أكتوبر 2026، أشير إلى تنامي خطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان، مع ارتباط التدهور باستمرار القتال والنزوح والجفاف ونقص تمويل الاستجابة الإنسانية.

وكانت منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، وبرنامج الأغذية العالمي (WFP)، ومنظمة اليونيسف قد حذرت في مايو 2026 من أن نحو 19.5 مليون سوداني، أي قرابة 41% من السكان، يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو 135 ألف شخص في مستوى «الكارثة»، مع وجود مناطق معرضة لخطر المجاعة.

وتشير التقديرات نفسها إلى أن نحو 825 ألف طفل دون الخامسة قد يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد خلال عام 2026، في ظل تراجع الوصول إلى العلاج والخدمات الأساسية.

وبحسب خبراء فإن الحرب لا تدمر الغذاء فقط، لكن هناك ارتباط بين الحرب وأزمة الغذاء في السودان لا يقتصر على المناطق التي تشهد المعارك بصورة مباشرة. فالقتال يضرب سلسلة الغذاء في مراحل متعددة: من المزرعة إلى السوق، ومن المطاحن إلى المخابز.

فالنزوح يحرم ملايين الأسر من مصادر دخلها، وتدمير الأسواق والبنية التحتية الزراعية يضعف الإنتاج، بينما يؤدي انعدام الأمن على الطرق إلى زيادة تكلفة نقل الحبوب والدقيق والوقود.

وفي مايو الماضي، قالت FAO وWFP واليونيسف إن تدمير الأسواق والمنشآت الصحية وشبكات المياه والأصول الزراعية أدى إلى تقييد إنتاج الغذاء والوصول إلى الخدمات الأساسية، كما أشارت إلى أن القيود الأمنية والهجمات على طرق الإمداد والقيود على حركة الأشخاص والبضائع تعرقل وصول المساعدات الإنسانية.

وبذلك تصبح زيادة سعر جوال الدقيق انعكاساً لسلسلة أوسع من الاختلالات، وليس بالضرورة نتيجة لارتفاع سعر القمح وحده.

الخبز كمؤشر على عمق الأزمة
في السودان، لطالما كان سعر الرغيفة وحجمها مؤشراً سريعاً على قدرة الأسر على تحمل الأزمة الاقتصادية.
فعندما تتوقف المخابز بسبب ارتفاع التكلفة، أو تضطر إلى تقليل حجم الرغيفة، أو ترفع سعرها، فإن التأثير لا يتوقف عند المستهلك المباشر؛ إذ تصبح الأسر الفقيرة مضطرة إلى تقليل عدد الوجبات أو استبدال الغذاء ببدائل أقل تكلفة، في وقت تتزايد فيه أصلاً مستويات سوء التغذية.

وهنا تتقاطع أزمة الخبز مع تحذيرات المنظمات الدولية من المجاعة: المجاعة لا تبدأ بالضرورة من غياب الغذاء في الأسواق، وإنما يمكن أن تبدأ من فقدان الناس القدرة على الوصول إليه وشرائه.

من أزمة أسعار إلى أزمة بقاء
وتقول الجهات الدولية إن استمرار الحرب هو العامل الرئيسي في تفاقم أزمة الجوع السودانية.

وفي بيان أوروبي صدر في 23 أكتوبر 2026، وُصفت الحرب بأنها المحرك الرئيسي لأزمة الجوع في السودان، بسبب النزوح وتدمير البنية التحتية واضطراب الرعاية الصحية وإنتاج الغذاء وسلاسل الإمداد والأسواق، مع تفاقم الوضع نتيجة عرقلة وصول المساعدات والجفاف.

كما دعا البيان أطراف الحرب إلى إزالة العوائق أمام المساعدات الإنسانية وحماية البنية التحتية المدنية، بما في ذلك أنظمة الزراعة والغذاء، باعتبارها ضرورية لتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان.

وهذا يعني أن الحديث عن المجاعة في السودان لا يمكن فصله عن المسار العسكري للحرب. فكلما طال أمد القتال، اتسعت رقعة النزوح، وتراجعت قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم، وتعطلت الأسواق وطرق النقل، وأصبح إيصال الغذاء أكثر صعوبة وكلفة.

صفوف الخبز.. إنذار مبكر جديد
ومع أن الزيادة الحالية في سعر الدقيق تحتاج إلى بيانات من المطاحن والتجار والجهات الرسمية لتحديد أسبابها المباشرة وحجمها بدقة، فإن انعكاسها على المخابز يحمل دلالة اقتصادية وإنسانية مهمة.

فعودة الصفوف أمام المخابز، وتقلص حجم الرغيفة، وارتفاع سعرها إلى 500 جنيه في بعض المناطق، كلها مؤشرات على أن الأزمة الغذائية لم تعد محصورة في المناطق التي تشهد أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وإنما يمكن أن تنتقل آثارها تدريجياً إلى المدن والأسواق الأكثر اكتظاظاً.

وبينما تحذر المنظمات الدولية من أن استمرار الحرب قد يدفع مناطق جديدة نحو المجاعة، يواجه المواطن السوداني الأزمة في تفاصيل حياته اليومية: سعر جوال الدقيق، توفر الخبز، طول الصف أمام المخبز، وحجم الرغيفة التي يستطيع شراءها.

في النهاية، تبدو أزمة الدقيق والخبز جزءاً من صورة أكبر: حرب مستمرة تستنزف الإنتاج والدخل والأسواق، وأزمة إنسانية تعاني نقص التمويل، ومخاطر مناخية تزيد الضغط على الزراعة، فيما تتراجع قدرة ملايين السودانيين على شراء الغذاء.

ولذلك فإن وقف الحرب وتأمين طرق التجارة والمساعدات وحماية الإنتاج الزراعي والأسواق لا يمثل فقط مدخلاً سياسياً لإنهاء النزاع، بل أصبح شرطاً مباشراً لمنع تحول أزمة الغذاء إلى مجاعة أوسع.

معرض الصور