تم التحديث: ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ 15:00:27

قداسة الكتابة في زمن الابتزاز الثقافي
تُعد الحرب في أحد أخطر وجوهها، امتحانا للمعنى. فعندما تضطرب المدن، وتتصدع الذاكرة، ويتحول الخوف إلى نظام يومي للحياة، تصبح اللغة نفسها ساحة صراع حقيقي. فالكلمات التي كانت تبدو آمنة في أوقات السلم تغدو فجأة محملة بالاتهام، والشهادة تتحول إلى اصطفاف، والصمت يُقرأ باعتباره تواطؤاً، بينما يصبح الكلام، في بعض السياقات، مخاطرة لا يعرف الكاتب حدودها.
في مثل هذا المناخ، تواجه الكتابة الجادة امتحاناً يتجاوز الصناعة الأدبية إلى جوهر الضمير. فالكاتب لا يكتب في فراغ، ولا يعيش خارج زمنه، غير أن انغماسه في زمن مضطرب لا يمنح أحداً حق مصادرة حريته. الكتابة التي تستحق اسمها هي تلك التي تحتفظ بمسافة نقدية من الجميع، وتقاوم إغراء التحول إلى منشور سياسي، أو بيان تعبوي، أو شهادة مصممة سلفاً لإرضاء جمهور معين.
الحرب، بطبيعتها، لا تحتمل المناطق الرمادية. إنها تفضل العالم مقسوماً إلى معسكرين، والوقائع مرتبة في صفوف واضحة، والضمائر جاهزة للإدانة أو التبرئة.
أما الأدب الحقيقي فيقيم غالباً في المنطقة التي تخشاها الدعاية، حيث يسكن منطقة السؤال، يعيد تركيب التجربة الإنسانية من شظاياها، ويترك للقارئ حق الشك، ويمنح الضحية صوتها دون أن يحولها إلى رمز دعائي، وينظر إلى الجلاد بوصفه إنساناً مسؤولاً عن أفعاله، لا شخصية كرتونية تسهّل عملية الكراهية.
من هنا تبدأ محنة الكاتب الحر. فحين تتراجع المؤسسات المستقلة، ويتقدم خطاب الاصطفاف، تصبح الحرية نفسها عبئاً على صاحبها. وقد لا يأتي الضغط في صورة أمر صريح. يكفي أحياناً أن يعرف الكاتب أن نصاً معيناً سيغلق أمامه باباً، وأن جملة واحدة قد تكلفه فرصة نشر، وأن موقفاً نقدياً قد يحرمه من دعوة أو ترجمة أو حضور ثقافي. هكذا ينشأ نوع أخطر من الرقابة، لأن الكاتب يتعلم مع الوقت كيف يستبق العقوبة، وكيف يحذف الجملة قبل أن يُطلب منه حذفها.
وهذه هي إحدى أكثر آليات الابتزاز الثقافي نعومة وخطورة. لا أحد يقول للكاتب: غيّر موقفك. قد يقال له: اجعل النص أكثر قابلية للقراءة. وقد يُطلب منه تخفيف النبرة، أو إعادة ترتيب الوقائع، أو تجنب موضوع حساس، أو تعديل شخصية، أو حذف مقطع «قد يسبب سوء فهم». وفي الظاهر تبدو المسألة تحريراً فنياً. غير أن الفارق بين التحرير والترويض يكمن في سؤال بسيط: هل يساعد التدخل النص على أن يصبح أكثر صدقاً وجمالاً، أم يجعله أكثر ملاءمة لشبكة المصالح المحيطة به؟
في سوق النشر، تتخذ هذه المعضلة أشكالاً أكثر تعقيداً. فالكتاب لم يعد يعيش دائماً داخل علاقة مباشرة بين مؤلف وقارئ؛ ثمة ناشر، ومحرر، ووكيل، ومنصة، وحملة ترويج، ووسائل إعلام، ومهرجانات، ومؤسسات تمويل، وشبكات توزيع. كل حلقة من هذه السلسلة قد تكون ضرورية لوصول الكتاب إلى قارئه، غير أن اجتماعها قد يصنع سلطة غير مرئية على النص. وحين يضع الكاتب في ذهنه، قبل الكتابة، توقعات السوق، وشروط المنصة، واحتمالات الجائزة، ومزاج الجمهور، فإنه يخاطر بتحويل الإبداع إلى عملية تفاوض طويلة مع أطراف لم تقرأ الصفحة الأولى بعد.
الأكثر التباساً هو سوق الجوائز. فالجائزة في أصلها وعد بالاعتراف بقيمة أدبية، وإشارة إلى نص استطاع أن يضيف شيئاً إلى التجربة الإنسانية. غير أن بعض منظومات الجوائز الحديثة أخذت تتحول إلى صناعة متكاملة للسمعة. هنا لا يعود الكتاب وحده في المشهد؛ تحيط به الحملات، والحوارات، والصور، والمنصات الإعلامية، والعلاقات العامة، وشبكات الترجمة والتوزيع. وفي بعض الحالات تصبح الجائزة نفسها جزءاً من استراتيجية تسويق واسعة، فيتداخل الحكم الأدبي مع هندسة الحضور.
ليس الخطر في أن تُروَّج الكتب؛ فالأدب يحتاج إلى قارئ، والقارئ يحتاج إلى وسائط تقوده إلى الكتب. الخطر يبدأ حين تصبح الدعاية بديلاً عن القيمة، وحين يتحول الاحتفاء إلى صناعة إجماع مصطنع. عندها يمكن لكتاب متوسط أن يحتل مساحة واسعة من المشهد، فيما يبقى كتاب عميق في الظل لأنه لم يجد المؤسسة القادرة على تقديمه، أو لأنه لم يدخل الشبكة المناسبة، أو لأن صاحبه لم يتقن لعبة العلاقات الثقافية.
والأشد قسوة أن الكاتب قد يجد نفسه مضطراً إلى ممارسة هذه اللعبة كي يعيش. فالجوع لا يصنع استقلالاً، والحاجة قد تدفع الإنسان إلى قبول شروط كان سيرفضها في ظروف أخرى. لهذا فإن الحديث عن حرية الكاتب لا ينبغي أن يتحول إلى وعظ أخلاقي مجرد؛ فاستقلال المبدع يحتاج إلى بيئة ثقافية تتيح له النشر والعمل والحضور دون أن تجعل رزقه مرهوناً بمدى قابليته للتطويع.
في زمن الحرب تحديداً، تصبح المسألة أكثر حساسية. فكل مؤسسة ثقافية تستطيع، عن قصد أو غير قصد، أن تصبح جزءاً من ماكينة سردية أكبر منها. وكل منصة قد تختار ما يناسب صورتها، وكل جائزة قد تساهم في تكريس رواية بعينها، وكل حملة إعلامية قد تمنح حدثاً أدبياً معنى يتجاوز النص ذاته. وفي المقابل، يظل الكاتب أمام مسؤولية دقيقة: أن يدرك أنه ليس مادة خاماً لأي مشروع دعائي، وأن تجربته ليست ملكاً لمن يوفر لها المنصة.
الكتابة الجادة تحتاج إلى مقاومة مزدوجة: مقاومة السلطة التي تريد إخضاعها، ومقاومة السوق التي تريد تدجينها. وفي الحالتين، لا تكفي الشجاعة وحدها. يحتاج الكاتب إلى وعي نقدي يجعله قادراً على اكتشاف الفخاخ قبل الوقوع فيها، وإلى معرفة بقواعد المجال الثقافي، وإلى قدرة على التمييز بين الدعم الحقيقي والمقايضة المقنعة في هيئة احتفاء.
قد تبدو هذه المعركة صغيرة أمام اتساع الحرب. غير أن الثقافة تبدأ من التفاصيل التي تبدو صغيرة. فحين تُشوَّه كلمة، أو تُحذف شهادة، أو يُدفع نص إلى الواجهة لأنه يخدم صورة معينة، أو يُقصى نص لأنه يرفضها، يحدث شيء يتجاوز مصير كتاب واحد. تتشكل تدريجياً ذاكرة منحازة، ويُعاد ترتيب ما يستحق أن يبقى وما ينبغي أن يُنسى.
لهذا فإن قداسة الكتابة ليست قداسة للنص بوصفه شيئاً مقدساً لا يُمس، وإنما هي قداسة للحرية التي تمنحه شرعيته. النص الجاد قابل للنقد، وقابل للمراجعة، وقابل للرفض. ما لا ينبغي أن يكون قابلاً للمساومة هو حق الكاتب في أن يكتب ما يراه، وأن يتحمل مسؤولية ما كتب، دون أن تتحول حاجته إلى النشر أو الاعتراف إلى باب خلفي لمصادرة صوته.
وفي النهاية، لا يبقى من زمن الحرب ما تقوله الدعاية عن نفسها، وإنما ما تستطيع الذاكرة الإنسانية أن تحتفظ به من شهادات صادقة. قد تسقط الجوائز من الذاكرة، وقد تتبدل خرائط النشر، وقد تنطفئ أضواء المنصات التي صنعت أسماء كثيرة. أما النص الذي قاوم الإغراء، ورفض الابتزاز، وحفظ للغة استقلالها، فقد يجد قارئه بعد سنوات، حين تهدأ الجلبة ويصبح السؤال أكثر قسوة: من كتب ما حدث لأنه كان يريد الحقيقة، ومن كتب لأن أحداً كان ينتظر منه رواية بعينها؟
عند تلك اللحظة فقط، تستعيد الكتابة قدسيتها. لا لأنها انتصرت في السوق، ولا لأنها حازت جائزة، ولا لأنها صارت حديث المنصات، وإنما لأنها استطاعت أن تنجو من الحرب دون أن تحمل الحرب في داخلها.


