تم النشر بتاريخ: ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ 17:52:47
تم التحديث: ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٦ 17:57:21

``ذاكرة مواربة``.. عام على سقوط الفاشر وندوب الإبادة الجماعية

مواطنون
بعد عام على سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في أيدي قوات الدعم السريع، تعود المدينة إلى الواجهة من بوابة الفن والذاكرة، في محاولة لاستعادة ما جرى خلال الأيام الأخيرة من الحصار، وتوثيق شهادات الناجين والضحايا، وإبقاء واحدة من أكثر صفحات الحرب السودانية دموية حاضرة في الذاكرة العامة.

وتستضيف منظمة «عديلة» في العاصمة الأوغندية كمبالا، الأحد والاثنين 25 و26 أكتوبر 2026، معرض «ذاكرة مواربة»، الذي تنظمه مبادرة تخليد وإحياء ذكرى الإبادة الجماعية في الفاشر، وهي مبادرة تضم صحفيين وناشطين وفنانين سودانيين في أوغندا.

ويجمع البرنامج بين معرض فني، وجلسات نقاش وندوات، إلى جانب عروض وثائقية، في فعالية تهدف إلى إحياء ذكرى الضحايا وفتح مساحة للنقاش حول ما حدث في المدينة، التي تحولت خلال الحرب إلى واحدة من أبرز بؤر الصراع الإنساني والعسكري في السودان.

مدينة تحت الحصار
قبل سقوطها، عاشت الفاشر أكثر من 18 شهراً تحت حصار خانق فرضته قوات الدعم السريع وحلفاؤها، فيما كانت القوات المسلحة السودانية وحركات مسلحة متحالفة معها تسيطر على المدينة.

وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن الحصار بدأ بصورة فعالة منذ مايو 2024، وترافق مع قصف مدفعي وهجمات بالطائرات المسيّرة ومحاولات متكررة للتوغل داخل المدينة، الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع الإنسانية، وتراجع وصول الغذاء والدواء والمساعدات، وازدياد أعداد النازحين.

وكانت الفاشر، قبل الحرب، مدينة يقطنها أكثر من مليون شخص، كما كانت تستضيف مئات الآلاف من النازحين، خصوصاً في مخيمات أبو شوك والسلام وزمزم. ومع امتداد الحرب إلى دارفور، أصبحت المدينة ملاذاً لآلاف الفارين من مناطق أخرى، قبل أن تجد نفسها محاصرة من جديد.

وفي الأشهر التي سبقت سقوطها، تفاقمت أزمة الغذاء، وفرض الحصار قيوداً شديدة على حركة السكان ودخول الإمدادات، بينما تعرضت الأسواق والمنشآت الصحية ومناطق سكنية للقصف. ووصلت الأوضاع الإنسانية إلى مستويات كارثية، فيما تحدثت منظمات حقوقية عن اضطرار بعض السكان إلى تناول أعلاف الحيوانات في ظل نقص الغذاء.

الهجوم الأخير
في ليلة 24 أكتوبر 2025، بدأت قوات الدعم السريع هجومها النهائي على المدينة المحاصرة، بعد أشهر من المعارك والقصف ومحاولات تطويقها.

وبحلول 26 أكتوبر، كانت قوات الدعم السريع قد سيطرت على مواقع عسكرية رئيسية، بينها قاعدة الفرقة السادسة مشاة، فيما وثقت جهات مستقلة مشاهد لاحتجاز مدنيين وفارين، وعمليات قتل في مناطق مختلفة من المدينة ومحيطها.

وأعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على الفاشر، بينما تحدثت تقارير لاحقة عن فرار عشرات الآلاف من السكان باتجاه مناطق أكثر أمناً، خصوصاً طويلة ومناطق أخرى في شمال دارفور. لكن سقوط المدينة لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية مرحلة جديدة من الانتهاكات.

أيام من القتل والفرار
في تقرير صدر في فبراير/شباط 2026، قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إن الهجوم النهائي على الفاشر شهد انتهاكات واسعة النطاق ترقى إلى جرائم حرب، وقد ترقى بعض الأفعال إلى جرائم ضد الإنسانية.

ووفق التقرير، قُتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم، بينهم ما لا يقل عن 4,400 شخص داخل الفاشر وأكثر من 1,600 على طرق الفرار من المدينة، مع تأكيد الأمم المتحدة أن الحصيلة الفعلية خلال أسبوع الهجوم قد تكون أعلى من ذلك.

وتحدث التقرير عن عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية وعنف جنسي واختطاف وتعذيب واحتجاز ونهب واختفاء قسري، إضافة إلى استخدام الأطفال في القتال. كما وثقت الأمم المتحدة استهداف مدنيين على أساس عرقي أو بسبب الاشتباه في انتمائهم أو تعاطفهم مع القوات المسلحة السودانية أو الحركات المسلحة المتحالفة معها.

ومن بين الوقائع التي وثقتها الأمم المتحدة مقتل نحو 500 شخص في محيط داخلية الرشيد بجامعة الفاشر في 26 أكتوبر، بعد إطلاق النار على مجموعة من المدنيين كانوا يحتمون بالموقع. كما وثقت شهادات عن عمليات إعدام لرجال وصبية، ولا سيما من أبناء المجموعات غير العربية، وعن اعتداءات جنسية واسعة النطاق.

وفي الأيام التالية، ظهرت تقارير عن قتل مدنيين داخل المدينة وفي أثناء محاولتهم الفرار، فيما قالت الأمم المتحدة إن مئات الأشخاص تعرضوا للاحتجاز، وإن آلاف الأشخاص ظلوا في عداد المفقودين.

تحذيرات سبقت الكارثة
لم يكن سقوط الفاشر وما أعقبه من فظائع مفاجئاً للمراقبين الدوليين. ففي الثاني من أكتوبر 2025، أي قبل الهجوم النهائي بأسابيع قليلة، حذرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من خطر وقوع هجمات واسعة النطاق ذات دوافع عرقية، وقالت إن المدينة كانت قد أمضت أكثر من 500 يوم تحت الحصار والقتال المتواصل.

وفي نوفمبر، دعا مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات التي وقعت في الفاشر ومحيطها، مشيراً إلى تقارير عن عمليات قتل على أساس عرقي، وإعدامات ميدانية وتعذيب وعنف جنسي واسع النطاق.

وفي فبراير 2026، خلصت الأمم المتحدة إلى أن حجم وطبيعة الانتهاكات خلال الهجوم النهائي تشير إلى نمط منظم ومستمر، وربطت ما حدث في الفاشر بانتهاكات سبق توثيقها في مناطق أخرى من دارفور، بما في ذلك الجنينة وأردمتا ومخيم زمزم.

الذاكرة في مواجهة النسيان
بعد عام، لا يأتي معرض «ذاكرة مواربة» بوصفه فعالية فنية فقط، وإنما كمساحة لاستعادة ذاكرة مدينة شهدت واحدة من أكثر مراحل الحرب السودانية قسوة.

ويحاول منظمو الفعالية، من خلال الأعمال الفنية والنقاشات والعروض الوثائقية، منح الضحايا والناجين مساحة لسرد ما حدث بعيداً عن الأرقام المجردة، وربط الذاكرة الفردية بالتوثيق الجماعي للأحداث.

وتقول فكرة المعرض، كما يوحي عنوانه، إن الذاكرة قد تكون مواربة ومثقلة بالصدمات، لكنها لا تختفي. فخلف أرقام القتلى والنازحين والمفقودين توجد قصص لأسر تفككت، وبيوت أُفرغت، وناجين حملوا معهم شهادات عن أيام الحصار والهروب والقتل.

وتفتح الفعالية أبوابها أمام أبناء وبنات الجالية السودانية في أوغندا، من صحفيين وطلاب وناشطين ومنظمات مجتمع مدني، إلى جانب الضيوف الأوغنديين والدوليين، للمشاركة في استعادة هذه الذاكرة.

ففي الفاشر، لم يكن سقوط مدينة عسكرية فحسب؛ كان سقوطاً لمئات الآلاف من المدنيين في واحدة من أكثر حلقات الحرب السودانية مأساوية. وبعد مرور عام، يبقى السؤال مفتوحاً حول مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وما إذا كانت الذاكرة قادرة على أن تكون بداية لطريق العدالة، لا مجرد سجل آخر لضحايا الحرب.
المعرض يقام الأحد والاثنين 25 ـ 26 أكتوبر/ 2026، من الساعة العاشرة صباحاً حتى السادسة مساءً، في منظمة عديلة بالعاصمة الأوغندية كمبالا.

معرض الصور