تم النشر بتاريخ: ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ 16:35:31
تم التحديث: ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ 16:38:20

دارفور.. الجوع من كارثة موسمية إلى أزمة مرتبطة بالحرب

مواطنون
في دارفور، لم يعد الجوع أزمة مرتبطة بموسم جفاف عابر، بل أصبح جزءاً من تاريخ طويل من الصدمات التي تداخل فيها المناخ مع الفقر والنزاعات والنزوح وتدمير سبل العيش. وبعد أكثر من أربعة عقود على واحدة من أسوأ مجاعات الإقليم، تعود مخاطر المجاعة إلى الواجهة في ظل الحرب الحالية، فيما يواجه ملايين المدنيين تقلصاً في المساعدات الإنسانية وتراجعاً في قدرتهم على تأمين الغذاء.

وتشير دراسات تاريخية إلى أن دارفور شهدت أزمات غذائية كبرى قبل اندلاع الحرب الحالية بوقت طويل. فقد سجلت المجتمعات المحلية مجاعة عامي 1972 و1973، ثم أزمة أكثر شدة خلال الفترة 1982-1984، ارتبطت بالجفاف الممتد وتراجع الإنتاج الزراعي والرعوي. وتصف شهادات جمعتها دراسات ميدانية هاتين الفترتين بأنهما من أكثر الكوارث رسوخاً في الذاكرة الجماعية لسكان الإقليم.

ولم يكن نقص الأمطار وحده كافياً لتفسير حجم الكارثة. ففي ثمانينيات القرن الماضي تزامن الجفاف مع أمراض أصابت الماشية وتدهور الأصول وارتفاع حركة النزوح، ما أدى إلى خسائر واسعة بين المجتمعات الزراعية والرعوية. وتشير قاعدة بيانات تاريخية للمجاعات إلى أن مجاعة 1984-1985 في دارفور وكردفان تسببت في مئات الآلاف من الوفيات وفق تقديرات تاريخية متفاوتة.

وتكشف تجربة تلك السنوات درساً مهماً. الجفاف قد يكون شرارة للأزمة، لكنه لا يفسر وحده تحول نقص الغذاء إلى مجاعة. فعندما تفقد الأسر مواشيها ومحاصيلها ومدخراتها، يصبح أي اضطراب في الأسواق أو الأمن أو المساعدات أكثر قدرة على دفعها نحو الجوع.

وفي السنوات اللاحقة، استمرت دارفور في التعرض لدورات من الجفاف والفيضانات والآفات والنزاعات المحلية. ومع اندلاع التمرد المسلح عام 2003، تغيرت طبيعة أزمة الغذاء بصورة جوهرية. فقد أدى النزاع إلى نزوح واسع، وتعطيل الزراعة والرعي والأسواق، وفقدان الأسر مصادر دخلها وأصولها. وأصبحت إمكانية الوصول إلى الأرض والأسواق والمساعدات عاملاً حاسماً في تحديد قدرة السكان على الحصول على الغذاء.

ثم جاءت الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 لتعيد إنتاج هذه العوامل على نطاق أوسع. ففي شمال دارفور، أدى القتال والنزوح والقيود المفروضة على حركة الإغاثة إلى تدهور سريع في الأمن الغذائي، خصوصاً داخل مخيمات النازحين.

وفي أغسطس 2024، أعلنت لجنة مراجعة المجاعة التابعة للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي تأكيد المجاعة في معسكر زمزم للنازحين بولاية شمال دارفور، حيث كان يعيش أكثر من 400 ألف نازح وفق تقديرات برنامج الأغذية العالمي. وكان ذلك أول إعلان عن مجاعة في السودان منذ سنوات، وأحد أكثر المؤشرات خطورة على حجم التداعيات الإنسانية للحرب.

وبحلول ديسمبر 2024، اتسعت دائرة المناطق المصنفة في ظروف المجاعة لتشمل معسكري أبو شوك والسلام في شمال دارفور، إلى جانب مناطق أخرى في السودان. وقالت وكالات الأمم المتحدة إن النزاع والنزوح وتقييد الوصول الإنساني كانت العوامل الرئيسية وراء الأزمة، مع تعطّل الأسواق وارتفاع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات لا تستطيع غالبية الأسر تحملها.

وفي 2026، لم تختفِ مخاطر المجاعة مع تغير بعض التصنيفات. فقد أظهرت أحدث تقديرات الأمن الغذائي أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينما يواجه نحو 135 ألف شخص ظروفاً كارثية في مناطق عدة، بينها مناطق في دارفور. كما تواجه 14 منطقة في شمال وجنوب دارفور وكردفان مخاطر المجاعة إذا استمر تدهور الأمن والوصول إلى الغذاء والخدمات الأساسية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتراجع فيه القدرة على تمويل الاستجابة الإنسانية. ويعني تقليص المساعدات بالنسبة للنازحين فقدان مصدر غذاء أساسي، وليس مجرد انخفاض في حجم الدعم. ففي بيئة فقدت فيها الأسر الأرض والمواشي والدخل، قد يؤدي خفض الحصص الغذائية إلى اللجوء إلى استراتيجيات قاسية للبقاء، بينها تقليل عدد الوجبات، بيع الممتلكات أو إخراج الأطفال من المدارس.

وتظهر التجربة التاريخية لدارفور أن المجاعة تصبح أكثر فتكاً عندما تتراكم الصدمات. فالجفاف يضعف الإنتاج، والحرب تعطل الأسواق والزراعة، والنزوح يستنزف الأصول، وارتفاع الأسعار يقلل القدرة على شراء الغذاء، بينما يؤدي نقص التمويل إلى تقليص شبكة الإنقاذ الإنسانية.

لهذا، فإن خطر الجوع في دارفور عام 2026 لا يمكن قراءته باعتباره أزمة مناخية فقط، ولا باعتباره نتيجة مباشرة لعامل واحد. إنه حصيلة تراكم طويل من الجفاف والفقر والنزوح والنزاعات وانهيار سبل العيش، تفاقمت بصورة حادة مع الحرب الحالية.

وبينما يستمر القتال وتبقى حركة المساعدات مقيدة في مناطق عديدة، تواجه دارفور اختباراً جديداً لذاكرتها التاريخية. فالمجاعات السابقة أظهرت كلفة التأخر في الاستجابة، بينما تؤكد الأزمة الراهنة أن منع المجاعة يبدأ قبل بلوغ عتبتها الرسمية، عبر وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح ممرات الإغاثة، وتمويل المساعدات، وإعادة بناء قدرة الأسر على إنتاج الغذاء وكسب الدخل.

وفي إقليم خبر المجاعة من قبل، قد يكون الوقت هو العامل الأكثر حسماً؛ فكلما تأخرت الاستجابة، تقلصت الخيارات المتاحة أمام الأسر، واتسعت المسافة بين أزمة غذاء يمكن احتواؤها وكارثة إنسانية يصعب عكس مسارها.

معرض الصور