تم التحديث: ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٦ 16:50:27

الاقتصاد السوداني: تضارب السياسات وقفزة الدولار إلى 10 آلاف جنيه
مواطنون
دخل الاقتصاد السوداني مرحلة جديدة من التدهور الحاد، بعدما سجل سعر الدولار في السوق الموازية مستوى غير مسبوق بلغ نحو 10 آلاف جنيه سوداني للدولار الواحد، في انهيار يعكس عمق الاختلالات النقدية والمالية والإنتاجية التي تعاني منها البلاد منذ اندلاع الحرب. وبحسب بيانات حديثة، فقد تراجع الجنيه بنحو 60% أمام الدولار منذ بداية الحرب، فيما انتقل سعر الدولار في السوق الموازية من نحو 8 آلاف جنيه إلى 10 آلاف خلال فترة قصيرة، بينما ظل السعر الرسمي عند مستويات بعيدة بصورة كبيرة عن واقع السوق.
لا يمكن قراءة هذا الانهيار باعتباره مجرد حركة مؤقتة في سوق العملات؛ فالقفزة الحالية هي نتيجة تراكم طويل لمجموعة من العوامل، في مقدمتها الحرب، وانكماش الإنتاج، وتراجع الصادرات، وفقدان الدولة جزءاً كبيراً من موارد النقد الأجنبي، واتساع السوق الموازية، فضلاً عن تضارب السياسات الاقتصادية وتعدد مراكز اتخاذ القرار.
قرار الاستيراد يكشف أزمة السياسة الاقتصادية
في هذا السياق، جاءت التوجيهات الأخيرة لرئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، عقب استدعائه وزيري المالية والتجارة، برفع القيود السابقة عن استيراد السلع الغذائية، والسماح بدخول الخضر والفاكهة والدقيق والأرز والبقوليات وزيوت الطعام دون رسوم جمركية، مع فتح الاستيراد أمام الشركات والأفراد دون قيود.
هذا القرار يأتي في الاتجاه المعاكس تقريباً للسياسة التي اتبعتها الحكومة خلال الأشهر الماضية، عندما اتجهت إلى تقييد استيراد عشرات السلع بهدف تقليل الطلب على العملات الأجنبية وحماية احتياطيات النقد الأجنبي ودعم الإنتاج المحلي. وكان رئيس الوزراء كامل إدريس قد أعلن في أبريل إجراءات لتنظيم الاستيراد وتحقيق التوازن بين الواردات والصادرات، مع التأكيد على استمرار انسياب السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج.
كما شملت القيود التي أُعلنت في وقت سابق سلعاً غذائية واستهلاكية وصناعية، في محاولة للحد من فاتورة الاستيراد والضغط على سوق النقد الأجنبي. غير أن هذه السياسة واجهت انتقادات من المستوردين الذين رأوا أن الحظر أدى إلى تشوهات في السوق، وارتفاع الأسعار، وتراجع إيرادات الدولة.
المشكلة هنا ليست في مبدأ السماح باستيراد الغذاء؛ فزيادة المعروض يمكن أن تكون ضرورية لكبح التضخم وتأمين الأسواق. المشكلة تكمن في غياب سياسة اقتصادية متماسكة وثابتة: قرار يقيد الاستيراد اليوم، ثم قرار يفتح الباب على مصراعيه غداً، من دون أن تكون هناك استراتيجية واضحة لإدارة النقد الأجنبي أو حماية الإنتاج المحلي أو تحديد أولويات الاستيراد.
بين حظر الاستيراد وفتحه: من يدير الاقتصاد؟
إن التناقض بين القرارين يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة إدارة الاقتصاد في ظل الحرب: هل توجد سياسة اقتصادية موحدة للحكومة، أم أن القرارات تصدر بصورة متفرقة استجابة لضغوط السوق والأزمة المعيشية؟
فالحكومة أعلنت أن تقليص الاستيراد يستهدف تخفيف الضغط على الدولار، لكن فتح استيراد الغذاء بلا رسوم ومن دون قيود، في وقت يعاني فيه السودان من نقص شديد في النقد الأجنبي، يعني بالضرورة زيادة الطلب المحتمل على العملات الأجنبية ما لم يقابله ارتفاع مماثل في الصادرات أو تدفقات النقد الأجنبي.
وقد حذرت الجهات الرسمية نفسها في وقت سابق من أن استقرار سعر الصرف يرتبط بالإصلاح الكلي، وتنظيم قطاع الذهب، وزيادة الصادرات، وضمان توريد حصائل الصادر، وتحفيز الإنتاج المحلي وتقليل فاتورة الواردات.
وبالتالي، فإن فتح الاستيراد دون معالجة أصل أزمة النقد الأجنبي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية: مزيد من الطلب على الدولار، ومزيد من الضغط على الجنيه، ثم ارتفاع جديد في أسعار السلع المستوردة والمحلية على حد سواء.
الدولار الجمركي: ضريبة غير مباشرة على المواطن
التطور الأكثر خطورة يتمثل في الارتفاع المتكرر للدولار الجمركي. فقد رفعت السلطات سعره عدة مرات خلال عام 2026، وكان آخر تعديل منشور في أكتوبر قد رفعه بنسبة 29.5% إلى أكثر من 5,600 جنيه، بالتزامن مع وصول الدولار في السوق الموازية إلى مستويات قياسية.
وقبل ذلك، ارتفع الدولار الجمركي من 3,960 إلى 4,346 جنيهاً في سبتمبر، بزيادة بلغت 9%، في رابع تعديل خلال العام.
وبالنظر إلى سلسلة الزيادات المتتابعة، فإن الاتجاه العام واضح: الدولة تحاول ملاحقة انهيار قيمة الجنيه من خلال رفع سعر الدولار الذي تُحتسب على أساسه الرسوم الجمركية. لكن المشكلة أن هذه السياسة، وإن كانت ترفع الإيرادات الاسمية للخزانة، فإنها ترفع في الوقت ذاته تكلفة السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج وقطع الغيار وكل ما يعتمد على الخارج.
وهنا تظهر المفارقة: الحكومة ترفع الدولار الجمركي لزيادة الإيرادات، ثم تعفي بعض السلع الغذائية من الرسوم لتخفيف الغلاء، وفي الوقت ذاته تفتح باب الاستيراد. إنها مجموعة إجراءات متعارضة ما لم تكن جزءاً من برنامج اقتصادي متكامل ومعلن.
المواطن يدفع فاتورة الانهيار
أخطر آثار هذه السياسات لا تظهر في بيانات وزارة المالية أو الجمارك، وإنما في الأسواق وفي القدرة الشرائية للمواطن.
انهيار الجنيه من نحو 600 جنيه للدولار قبل الحرب إلى نحو 10 آلاف جنيه حالياً يعني أن العملة فقدت الجزء الأكبر من قيمتها، بينما لم ترتفع الدخول بالوتيرة نفسها. وقد أظهرت تقارير حديثة أن أسعار السلع الأساسية ارتفعت بصورة حادة، وأن بعض التجار شهدوا تراجعاً كبيراً في حجم المبيعات بسبب عجز المواطنين عن تحمل الأسعار الجديدة.
كما أن ارتفاع الدولار لا يؤثر فقط في السلع المستوردة مباشرة؛ بل ينتقل إلى المنتجات المحلية عبر تكلفة الوقود، والنقل، وقطع الغيار، والمواد الخام، والتعبئة، والخدمات. ولذلك يصبح التضخم حلقة متصلة: انخفاض الجنيه يرفع تكلفة الاستيراد، وارتفاع تكلفة الاستيراد يرفع الأسعار، وارتفاع الأسعار يزيد الطلب على الدولار للتحوط، فيضعف الجنيه مجدداً.
اقتصاد الحرب وتآكل الموارد
لا يمكن فصل الانهيار النقدي عن الحرب نفسها. فقد أدت الحرب إلى تعطيل قطاعات واسعة من الزراعة والصناعة والتجارة، وإلى انقسام جغرافي واقتصادي لمصادر الإنتاج والصادرات. وتشير تقارير إلى أن جزءاً كبيراً من موارد الذهب والماشية والمحاصيل النقدية أصبح خارج السيطرة الاقتصادية المباشرة للسلطات المركزية، بينما تراجعت قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات وتوفير النقد الأجنبي.
كما أن تهريب الذهب، الذي يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان، يحرم الجهاز المصرفي الرسمي من مورد حيوي كان يمكن استخدامه لدعم العملة وتمويل الواردات الأساسية.
الخلاصة، المشكلة ليست الدولار وحده
إن بلوغ الدولار حاجز عشرة آلاف جنيه ليس مجرد رقم قياسي في سوق الصرف؛ إنه مؤشر على أزمة ثقة عميقة في الاقتصاد والسياسة النقدية والمالية معاً.
أما استدعاء رئيس مجلس السيادة لوزيري المالية والتجارة وإلغاء القيود السابقة على استيراد الغذاء، فيكشف بوضوح عن تضارب في أدوات إدارة الأزمة. ولا يمكن الجزم من ذلك وحده بوجود تضارب مصالح، لكن من الناحية الاقتصادية يكشف القرار عن ضعف التنسيق بين مؤسسات الدولة وعن انتقال السياسة من محاولة تقليص الطلب على الدولار إلى محاولة معالجة نقص السلع وارتفاع الأسعار.
المشكلة الأساسية أن السودان لا يستطيع الخروج من أزمة العملة عبر قرارات الاستيراد وحدها، سواء بالحظر أو الفتح. المطلوب سياسة متكاملة تبدأ بإيقاف النزيف النقدي، وتنظيم سوق الذهب، وضمان دخول حصائل الصادرات إلى النظام المصرفي، وإعادة تشغيل الإنتاج الزراعي والصناعي، وترشيد الإنفاق العام، وتوحيد القرارات الاقتصادية، وإعطاء القطاع الخاص قواعد مستقرة يمكنه العمل وفقها.
فالسوق لا يحتاج إلى قرار جديد كل أسبوع بقدر حاجته إلى سياسة يمكن الوثوق بها.
وبغير ذلك، فإن رفع الدولار الجمركي لن يعالج انهيار الجنيه، وحظر الاستيراد لن يخفض الأسعار، وفتح الاستيراد لن يوفر الدولار. وفي النهاية سيظل المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن غياب السياسة الاقتصادية الموحدة: مرة عبر الغلاء، ومرة عبر ندرة السلع، ومرة عبر تآكل مدخراته، ومرة عبر انهيار قيمة دخله.
إن بلوغ الدولار عشرة آلاف جنيه يجب أن يكون جرس إنذار يتجاوز وزارة المالية والبنك المركزي ووزارة التجارة؛ فهو إعلان عن أن الاقتصاد السوداني دخل منطقة لا تحتمل المزيد من السياسات الجزئية، وأن استمرار إدارة الاقتصاد بمنطق رد الفعل قد يجعل الانهيار النقدي أسرع من قدرة الدولة والمجتمع على احتوائه.

