تم النشر بتاريخ: ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ 16:54:36
تم التحديث: ٢١ أكتوبر ٢٠٢٦ 17:00:43

في ذكري أكتوبر.. الصحفيون السودانيون في مواجهة حقيقة الحرب

مواطنون
في بلد تمزقه الحرب منذ أكثر من ثلاث سنوات، لا يقتصر دور الصحفيين السودانيين على نقل أخبار المعارك، بل يمتد إلى توثيق الانتهاكات وكشف مصير المدنيين ورصد آثار الحرب الإنسانية، في وقت أصبحت فيه الحقيقة نفسها ساحة للصراع بين روايات متضاربة وحملات تضليل واسعة.

وفي الذكرى الثانية والستين لثورة 21 أكتوبر 1964، جددت نقابة الصحفيين السودانيين دعوتها إلى وقف الحرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي، مؤكدة أن حرية الصحافة لا يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء القتال، وأن الصحافة المستقلة تمثل إحدى الأدوات الأساسية لحماية المجتمع وكشف الانتهاكات وضمان حق المواطنين في المعرفة.

صحافة تعمل في ظروف الحرب
اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 دفع القطاع الصحفي السوداني إلى واحدة من أصعب مراحله. فقد توقفت الصحف الورقية، وتعرضت مؤسسات إعلامية للتدمير أو النهب، بينما اضطر صحفيون وصحفيات إلى مغادرة مناطقهم والنزوح داخل السودان أو اللجوء إلى الخارج.

وتزامن ذلك مع انهيار مصادر دخل العديد من العاملين في الإعلام وتراجع القدرة على الوصول إلى مواقع الأحداث، في ظل مخاطر الاعتقال والتهديد والتنكيل والاستهداف.

ورغم هذه الظروف، واصل صحفيون سودانيون العمل من داخل مناطق الحرب ومن دول اللجوء والنزوح، معتمدين على شبكات من المصادر والشهود والمراسلين المحليين لتغطية التطورات العسكرية والإنسانية.

وتقول نقابة الصحفيين إن الصحفيين يواجهون مخاطر جسيمة أثناء أداء عملهم، في وقت تسعى فيه أطراف النزاع إلى التأثير على التغطية الإعلامية وتوظيف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في التعبئة والتجييش ونشر الروايات المتنافسة.

عندما تصبح الصحافة مصدر الحقيقة الوحيد
مع صعوبة الوصول المستقل إلى مناطق واسعة من السودان، أصبحت التغطية الصحفية إحدى الوسائل الرئيسية لمعرفة ما يحدث خلف خطوط القتال.

ويعمل صحفيون على جمع شهادات الناجين والنازحين، وتوثيق عمليات القتل والقصف والتهجير، والتحقق من الصور ومقاطع الفيديو المتداولة، ومتابعة تدمير المنشآت المدنية والخدمات الأساسية.

وفي كثير من الحالات، أصبحت المادة الصحفية الأولى التي تصل إلى الرأي العام حول حدث ما نقطة انطلاق للتحقق من الانتهاكات أو تتبع آثارها. ولا تقتصر أهمية هذه التغطيات على لحظة وقوع الحدث؛ إذ تشكل التقارير والشهادات والصور ومقاطع الفيديو أرشيفاً للحرب يمكن الرجوع إليه مستقبلاً لفهم ما حدث وتحديد المسؤوليات.

هنا يتجاوز الصحفي دوره التقليدي كناقل للأخبار، ليصبح شاهداً على مرحلة تاريخية بالغة التعقيد، ومشاركاً في بناء سجل عام للانتهاكات التي تعرض لها المدنيون.

مواجهة التضليل والدعاية
أفرزت الحرب أيضاً بيئة إعلامية شديدة الاستقطاب، تتداخل فيها الأخبار مع الدعاية العسكرية والسياسية، وتنتشر فيها معلومات يصعب التحقق من صحتها، خصوصاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي مواجهة ذلك، بات التحقق من المعلومات جزءاً أساسياً من العمل الصحفي السوداني. فالصحفي مطالب بمقارنة الروايات، والتحقق من مصادر الصور والفيديوهات، ومراجعة المعلومات الجغرافية والزمنية، والاستماع إلى أكثر من طرف قبل نشر المعلومات المتعلقة بالأحداث الحساسة.

وتزداد أهمية هذا الدور في ظل غياب وسائل إعلام مستقلة قادرة على الوصول إلى جميع مناطق النزاع، الأمر الذي يجعل الصحفيين المحليين والمصادر المدنية في مناطق الحرب جزءاً مهماً من منظومة التحقق من المعلومات.

لكن هذه المهمة تظل محفوفة بالمخاطر، خصوصاً عندما يتعامل أطراف النزاع مع المعلومات الصحفية باعتبارها تهديداً لرواياتهم الرسمية.

نقابة الصحفيين: لا حرية مؤجلة إلى ما بعد الحرب
في بيانها بمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر، أكدت نقابة الصحفيين السودانيين أن حرية الصحافة ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى حين انتهاء الحرب، بل ضرورة لحماية المجتمع وكشف الانتهاكات ومقاومة التضليل.

وطالبت النقابة أطراف الحرب بإطلاق سراح الصحفيين المحتجزين، والكشف عن أماكن الصحفيين المختفين، ووقف الانتهاكات بحق العاملين في الإعلام، وضمان عدم استهدافهم أو اعتقالهم بسبب عملهم المهني. كما دعت إلى حماية المؤسسات الإعلامية ومقارها ومعداتها، وتوفير الظروف التي تمكن الصحفيين من أداء عملهم بحرية وأمان.

أكتوبر والديمقراطية
تربط النقابة بين ذكرى ثورة أكتوبر 1964 وثورة ديسمبر 2018، باعتبارهما محطتين في مسار طويل من نضال السودانيين ضد الحكم العسكري ومن أجل الحرية والسلام والعدالة والحكم المدني.

وترى أن إنهاء الحرب يجب أن يكون مدخلاً إلى عملية سياسية مدنية شاملة تعالج جذور الأزمة، وتؤسس لحكم ديمقراطي يضمن مشاركة السودانيين والسودانيات في تقرير مستقبل البلاد.

كما شددت على ضرورة التحقيق في الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت بحق المدنيين والصحفيين ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان حقوق الضحايا في العدالة والإنصاف.

إعادة بناء الصحافة
ولا ترى النقابة أن انتهاء القتال وحده كافٍ لإعادة الصحافة السودانية إلى عافيتها، إذ تحتاج المؤسسات الإعلامية التي دمرتها الحرب إلى إعادة بناء، كما يحتاج آلاف الصحفيين الذين فقدوا وظائفهم ومصادر دخلهم إلى الدعم.

وتدعو النقابة إلى تهيئة الظروف لاستئناف العمل الصحفي، وضمان استقلال المؤسسات الإعلامية، وتوفير الحماية للعاملين في المهنة، بما يسمح للصحافة بالقيام بدورها الرقابي والمجتمعي.

وبعد 62 عاماً من ثورة أكتوبر، يجد الصحفي السوداني نفسه أمام معركة مختلفة في أدواتها لكنها متصلة بجوهرها بمعركة الحرية: أن ينقل ما يحدث، وأن يحمي حق المواطنين في معرفة الحقيقة، وأن يوثق الانتهاكات في زمن الحرب.

وبينما لا تزال المعارك مستمرة، تكتسب هذه المهمة أهمية إضافية؛ فالحرب قد تنتهي يوماً، لكن الأسئلة حول ما حدث، ومن دفع الثمن، وكيف يمكن تحقيق العدالة، ستبقى مفتوحة.

وفي هذا السياق، تضع نقابة الصحفيين السودانيين حرية الصحافة ضمن معادلة السلام نفسها، باعتبار أن وقف الحرب واستعادة الحكم المدني والعدالة وحرية الإعلام قضايا مترابطة، لا يمكن بناء سلام مستدام من دونها.

تختصر النقابة رسالتها في ذكرى أكتوبر بالتأكيد على حق السودانيين في الحياة والحرية والسلام، وعلى ضرورة وجود صحافة مستقلة لا تخضع لسلطة السلاح أو إملاءات الدعاية، وتواصل أداء دورها في كشف الحقيقة والدفاع عن حقوق المواطنين.

معرض الصور