تم التحديث: ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٦ 13:29:20

صورة توضيحية
قلق وخوف.. المسيرات تعاود التحليق في سماء الخرطوم
مواطنون
عادت أصوات الطائرات المسيّرة والانفجارات إلى سماء العاصمة السودانية الخرطوم خلال الأيام الماضية، لتعيد إلى السكان مشاهد الخوف والقلق التي رافقت الحرب منذ اندلاعها، في وقت بدأت فيه أعداد من الأسر النازحة واللاجئة العودة تدريجياً إلى العاصمة أملاً في استعادة حياتها الطبيعية.
وخلال الأيام الثلاثة الماضية، تعرضت مناطق في الخرطوم لهجمات بطائرات مسيّرة، تركزت بصورة أساسية على محيط مطار الخرطوم الدولي، وفق إفادات محلية، ما أدى إلى توقف الملاحة الجوية لساعات قبل أن تعود إلى العمل مجدداً، بحسب تصريحات صحفية لمدير المطار.
ولم تقتصر الهجمات على المطار ومرافقه، إذ امتدت إلى أحياء سكنية في شرق الخرطوم، ما أثار مخاوف متزايدة بين السكان الذين كانوا قد بدأوا في استعادة شيء من الإحساس بالأمان بعد فترة طويلة من النزوح.
أطفال ضحايا في منزل سكني
وكان من أكثر الحوادث إثارة للقلق تعرض منزل أحد المواطنين لهجوم بطائرة مسيّرة انقضاضية في إحدى مناطق شرق الخرطوم، ما أدى، بحسب إفادات محلية، إلى مقتل ثلاثة أطفال تراوحت أعمارهم بين عامين وستة أعوام.
وأعاد الحادث إلى الواجهة المخاوف من انتقال نطاق الهجمات من الأهداف العسكرية والمنشآت الحيوية إلى المناطق السكنية، الأمر الذي يجعل المدنيين، ولا سيما الأطفال، عرضة للخطر حتى داخل منازلهم.
وفي منطقة شرق النيل بالخرطوم بحري، أفاد شهود عيان بسماع وتحليق طائرات مسيّرة في سماء المنطقة، قبل سقوط إحداها، في مشهد زاد من حالة التوتر التي يعيشها السكان.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه الأسر العائدة إلى الخرطوم إعادة ترتيب حياتها، وفتح المنازل، وإعادة الأطفال إلى المدارس، واستعادة مصادر الدخل والخدمات الأساسية التي تعطلت بفعل الحرب.
جدل حول انفجارات الكدرو
وفي شمال الخرطوم، شهدت منطقة الكدرو العسكرية انفجارات خلال نهار الأحد الماضي، نفت القوات المسلحة السودانية أن تكون ناتجة عن ضربات بطائرات مسيّرة.
وقال الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة، في بلاغ صحفي، إن الانفجارات تعود إلى تماس كهربائي في مخازن تابعة للسلطات، في حين تحدث شهود عيان من حي السامراب المجاور عن مشاهدة طائرة مسيّرة تحلق فوق المنطقة، ونشروا مقطع فيديو يوثق ذلك، بحسب إفادات محلية.
ويعكس التباين بين الروايات الرسمية وإفادات السكان صعوبة التحقق المستقل من طبيعة بعض الحوادث الأمنية في العاصمة، خصوصاً في ظل استمرار العمليات العسكرية وتعدد مصادر المعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
عودة محفوفة بالخوف
وبينما بدأت عائلات سودانية في العودة إلى الخرطوم بعد أشهر أو سنوات قضتها في مناطق النزوح واللجوء، أصبحت أصوات المسيّرات مصدر قلق جديد بالنسبة إليها.
إحسان الطيب، وهي مواطنة تقيم في حي الدروشاب، قالت إنها عادت قبل نحو شهرين من القاهرة ضمن موجة العودة الطوعية، وإنها كانت تأمل في أن تتمكن أسرتها من استعادة حياتها بصورة طبيعية.
لكنها تقول إن عودة المسيّرات جعلتها تعيد التفكير في قرار العودة، خصوصاً مع وجود أطفالها في مدرسة خاصة بعيدة عن المنزل.
وتضيف أن استمرار الهجمات قد يدفعها إلى العودة إلى القاهرة مرة أخرى، «بأي ثمن»، خوفاً على أطفالها من أن يصبحوا ضحايا لهجمات لا تستطيع الأسرة التنبؤ بمكان وقوعها أو توقيتها.
وتلخص مخاوف إحسان حالة أوسع بين كثير من الأسر التي وجدت نفسها أمام معادلة صعبة: العودة إلى مدينة تفتقر إلى الاستقرار الأمني والخدمات الأساسية، أو الاستمرار في النزوح خارج البلاد وما يترتب عليه من أعباء مالية ونفسية واجتماعية.
تحذيرات للسكان
ومع تصاعد المخاوف، أصدر مرصد بحري لحقوق الإنسان بياناً حذر فيه السكان من مخاطر الطائرات المسيّرة، داعياً إلى اتخاذ إجراءات احترازية، من بينها الابتعاد عن الساحات والأماكن المفتوحة، والبقاء داخل المنازل والابتعاد عن النوافذ، خصوصاً النوافذ الزجاجية.
ويخبر عثمان فضل وهو مقيم في دولة الاملرات بأنه اتصل علي أسرته الكبيرة المقيمة بأحد أحياء الخرطوم القريبة من المطار للاطمئنان، لكنه ابدا تحفظا في التحذير بالبعد عن النوافذ أو التواجد خارج البيت لحظة سماع دوي المضادات الأرضية خوفا من أن يبث بينهم الهلع ، مضيفا بأنه غير مطمئن لما يحدث في العاصمة الخرطوم.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل صعوبة تحديد مسارات الطائرات المسيّرة أو طبيعة الأهداف التي قد تستهدفها، الأمر الذي يجعل السكان في حالة ترقب مستمر كلما سُمع صوت تحليق في السماء أو وقع انفجار في منطقة قريبة.
وبالنسبة للعائلات التي عادت حديثاً إلى الخرطوم، فإن التحذيرات الأمنية تضيف عبئاً جديداً إلى قائمة طويلة من التحديات اليومية، تبدأ بتوفير الغذاء والماء والكهرباء ولا تنتهي عند تأمين الأطفال والبحث عن سبل لاستمرار الدراسة والعمل.
خدمات منهارة ومعيشة صعبة
ولا تعاني الخرطوم من المخاوف الأمنية وحدها. فالعاصمة تواجه نقصاً حاداً في خدمات المياه والكهرباء، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للسكان.
ويحاول المواطنون، رغم هذه الظروف، إعادة تشغيل ما يمكن من أنشطة الحياة اليومية، وفتح الأسواق والمحال التجارية، وإعادة الأطفال إلى المدارس، والعودة إلى الأحياء التي اضطروا إلى مغادرتها خلال مراحل مختلفة من الحرب.
لكن عودة المسيّرات تضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى حياة السكان. فالعائلة التي بدأت لتوها في إصلاح منزلها أو تسجيل أبنائها في مدرسة أو استعادة مصدر دخلها، تجد نفسها أمام سؤال أساسي حول مدى إمكانية الاستمرار في العاصمة إذا تصاعدت الهجمات مرة أخرى.
أمل لا يخلو من المخاطر
ورغم الخوف، يتمسك كثير من سكان الخرطوم بالبقاء، مدفوعين برغبتهم في العودة إلى منازلهم واستعادة حياتهم، وبآمال في أن يؤدي تحسن الوضع الأمني إلى فتح الطريق أمام عودة أعداد أكبر من النازحين واللاجئين.
غير أن استمرار ضربات الطائرات المسيّرة، إذا اتسع نطاقها ليشمل المناطق السكنية، قد يهدد هذه العودة ويعيد بعض الأسر إلى نقطة الصفر.
فالخرطوم التي تحاول النهوض من آثار الحرب تجد نفسها أمام تحديات متشابكة: أمن هش، وخدمات متدهورة، وأسعار مرتفعة، وبنية تحتية تحتاج إلى إعادة تأهيل، وسكان يريدون العودة لكنهم يخشون أن يدفعوا ثمناً جديداً لهذه العودة.
وفي ظل استمرار تحليق المسيّرات، يبقى صوتها في سماء العاصمة أكثر من مجرد صوت عابر بالنسبة للسكان؛ إنه تذكير يومي بأن الحرب لم تغادر المدينة بالكامل، وأن الطريق نحو الاستقرار لا يزال محفوفاً بالمخاطر.
وبينما تتمسك الأسر بالبقاء أملاً في انفراج أمني واقتصادي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً بالنسبة لها: هل تستطيع الخرطوم أن توفر الحد الأدنى من الأمان الذي يسمح للعائدين بالبقاء، أم أن عودة المسيّرات ستدفع موجة جديدة من السكان إلى النزوح بحثاً عن ملاذ أكثر أمناً؟

