تم النشر بتاريخ: ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ 18:35:41
تم التحديث: ١٩ أكتوبر ٢٠٢٦ 18:41:58

لجوء مزدوج.. ست سنوات من البحث عن وطن

<p>الاصمعي باشري</p>

الاصمعي باشري

في أحد المقاهي الشعبية شمال العاصمة الأوغندية كمبالا، التقيت جوانيت وشقيقتها الإريتريتين، وهما تستعيدان تفاصيل رحلة طويلة امتدت ست سنوات، من أسمرا إلى الخرطوم، ثم من الخرطوم إلى جنوب السودان، وصولاً إلى أوغندا. كانتا تتحدثان عن المدن التي مرّتا بها، وعن المواقف التي واجهتاهما خلال الطريق، وتتعالى ضحكاتهما كلما استحضرتا قصة أو حادثة من أيام النزوح. بدا المشهد للوهلة الأولى عادياً، لولا أن وراء تلك الضحكات حكاية قاسية عن فتاتين اضطرتا إلى مغادرة وطنهما بحثاً عن الأمان، ثم غادرتا البلد الذي احتضنهما سنوات بعدما اجتاحته الحرب. خلال ست سنوات، خاضت الشقيقتان تجربتين متعاقبتين من اللجوء، ودفعتا أثماناً باهظة من المال والجهد والإرهاق، فيما ظل الاستقرار حلماً مؤجلاً.

لم تبدأ حكايتهما مع الحرب السودانية في الخامس عشر من أبريل 2023، فقد سبقتها سنوات من الغربة بدأت حين غادرتا العاصمة الإريترية أسمرا، بعدما ضاقت بهما ظروف الحياة في وطنهما. كان السودان وجهتهما الجديدة، وكانت الخرطوم المدينة التي توقعتا أن تجدا فيها فرصة لبناء حياة أكثر استقراراً. غير أن الوصول إلى هناك لم يكن سهلاً؛ فقد عبرتا شرق السودان ضمن قوافل تهريب البشر، في رحلة محفوفة بالمخاطر، تطلبت دفع المال وتحمل مشقة الطريق، وسط مخاوف رافقت خطواتهما الأولى خارج إريتريا. لم تكونا تعرفان الكثير عما ينتظرهما في البلد الجديد، لكنهما كانتا تأملان أن تمنحهما المسافة الفاصلة بين أسمرا والخرطوم فرصة لبدء حياة مختلفة.

من أسمرا إلى الخرطوم.. ست سنوات من الاستقرار النسبي
عندما وصلتا إلى الخرطوم، بدأ فصل جديد في حياتهما. احتاجتا إلى وقت للتكيف مع المكان، والتعرف إلى محيطهما الاجتماعي، وترتيب شؤونهما اليومية في مدينة لم تعرفاها من قبل. ومع مرور السنوات، أصبحت العاصمة جزءاً من ذاكرتهما؛ ألفتا شوارعها وأحياءها، وارتبطتا بتفاصيل الحياة فيها، وبدأت إقامتهما تأخذ شكل الاستقرار الذي بحثتا عنه منذ مغادرة إريتريا. امتدت إقامتهما لنحو ست سنوات، وهي مدة كافية لتنشأ علاقة بين الإنسان والمكان، حتى عندما يكون الوصول إليه قد بدأ بدافع اللجوء.

لم تكن سنواتهما في السودان خالية من الصعوبات المرتبطة بالغربة، لكنهما استطاعتا مواصلة حياتهما حتى جاء صباح الخامس عشر من أبريل 2023، حين اندلعت الحرب في الخرطوم بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. في ذلك اليوم، تغيرت طبيعة الحياة في المدينة، وبدأت أصوات الاشتباكات والانفجارات ترسم واقعاً جديداً، جعل البقاء في كثير من الأحياء محفوفاً بالمخاطر. ومع اتساع رقعة القتال، وجد السكان أنفسهم أمام خيارات قاسية، كان النزوح أكثرها إلحاحاً بالنسبة إلى آلاف الأسر.

تابعت جوانيت وشقيقتها تطورات الحرب خلال الأسابيع الأولى، إلى أن أصبح الرحيل ضرورياً. وبعد نحو ثلاثة أشهر من اندلاع القتال، غادرتا حي الديم، حيث كانتا تقيمان، وبدأتا البحث عن مكان أكثر أمناً داخل السودان. لم تكن مغادرة الخرطوم سهلة بعد السنوات التي قضتاها فيها؛ فقد ارتبطت المدينة بمرحلة كاملة من حياتهما، وبالجهد الذي بذلتاه لتأسيس وجود مستقر بعيداً عن وطنهما الأصلي. ومع ذلك، لم يعد أمامهما مجال واسع للاختيار، فالحرب التي دفعت آلاف السودانيين إلى ترك منازلهم أجبرتهما أيضاً على مغادرة المكان الذي لجأتا إليه قبل سنوات.

كانت هذه بداية تجربة جديدة من النزوح، تختلف عن رحلتهما الأولى في أسبابها وظروفها، لكنها تشبهها في القلق المصاحب لمغادرة مكان مألوف، وفي الحاجة إلى العثور على وجهة توفر الحد الأدنى من الأمان.

من الديم إلى الرنك.. مدن تتبدل ومخاوف تتجدد
اتجهت الشقيقتان إلى مدينة ود مدني، على أمل أن تجدا فيها ظروفاً تسمح لهما بمواصلة حياتهما بعيداً عن القتال في الخرطوم حبث كانت المدينة آنذاك وجهة لعدد كبير من الفارين من الحرب، وقد بدت خياراً مناسباً لمن يبحثون عن ملاذ داخل البلاد. لكن تطورات الصراع سرعان ما بددت هذا الأمل؛ فبعد اجتياح قوات الدعم السريع للمدينة، أصبحت مغادرتها ضرورة جديدة، وعاد السؤال الذي رافقهما منذ خروجهما من الخرطوم: أين يمكن الذهاب هذه المرة؟

غادرتا ود مدني واتجهتا إلى كوستي، ثم واصلتا طريقهما نحو الرنك في دولة جنوب السودان. مع كل انتقال، ازدادت تكاليف التنقل والإقامة، وتراكم التعب الناتج عن السفر والانتظار. كانت الرحلة تتطلب تدبير المال، والتعامل مع ظروف غير مستقرة، واتخاذ قرارات متلاحقة في وقت لا يتيح مساحة كافية للتفكير في المستقبل. ومع ذلك، واصلتا الطريق حتى وصلتا إلى الرنك، حيث توقفت رحلتهما لأكثر من خمسة أشهر.

لم تكن هذه الأشهر الخمسة مجرد فترة انتظار عابرة. فقد جاءتا بعد مغادرة الخرطوم، ثم الانتقال إلى ود مدني وكوستي، في سياق حرب قلبت حياتهما رأساً على عقب. وكانتا قد أنفقتا مبالغ كبيرة خلال مراحل التنقل، وتحملتا إرهاقاً جسدياً ونفسياً، فيما بقيت الخطوة التالية غير واضحة. لم يكن الوصول إلى جنوب السودان كافياً لتأمين الاستقرار الذي تطمحان إليه، ولذلك ظل التفكير في مواصلة الطريق حاضراً، رغم ما يتطلبه من تكاليف ومشقة.

خلال إقامتهما في الرنك، أصبحت فكرة المغادرة مرة أخرى جزءاً من حساباتهما اليومية. فقد خرجتا من الخرطوم بعدما تعذر البقاء فيها، وغادرتا ود مدني بعد وصول الحرب إليها، ثم وصلتا إلى مدينة جديدة في بلد آخر، من دون ضمانات بشأن ما يمكن أن تحمله الأيام المقبلة. وبعد أكثر من خمسة أشهر، قررتا مواصلة رحلتهما نحو شمال أوغندا، لتدخلا مرحلة جديدة من التنقل خارج السودان.

من جنوب السودان إلى كمبالا.. طريق آخر نحو الأمان
بعد مغادرة الرنك، وصلَت جوانيت وشقيقتها إلى شمال أوغندا، ثم واصلتا الطريق إلى كمبالا، العاصمة التي استقر بهما المقام فيها مؤقتاً. ومع الوصول إلى المدينة، كانت الشقيقتان قد قطعتا مسافة طويلة عبر الحدود، من أسمرا إلى شرق السودان، ثم الخرطوم، ومنها إلى ود مدني وكوستي والرنك، قبل دخول الأراضي الأوغندية. حملتا معهما ذكريات أماكن عاشتَا فيها سنوات أو أشهراً، وتجارب متباينة من الخوف والانتظار ومحاولات التكيف مع ظروف جديدة.

في المقهى الذي التقيتهما فيه شمال كمبالا، أخذت جوانيت وشقيقتها ترويان تفاصيل الطريق. لم يكن حديثهما محصوراً في اللحظات القاسية؛ فقد حضرت المواقف الطريفة أيضاً، وظهرت قدرة لافتة على استعادة بعض الأحداث بروح ساخرة. كانتا تضحكان كلما تذكرتا حادثة مرتا بها خلال الرحلة، وكأن مرور الوقت أتاح لهما النظر إلى بعض التجارب من زاوية مختلفة. غير أن هذه الضحكات لم تكن دليلاً على سهولة ما عاشتا، وإنما كشفت عن جانب إنساني في قدرتهما على مواصلة الحياة رغم ما تعرضتا له.

تبدو المفارقة في حكايتهما واضحة: عندما غادرتا إريتريا قبل ست سنوات، كان السودان هو البلد الذي قصدتاه بحثاً عن الأمان. ومع مرور الوقت، أصبحت الخرطوم مكاناً مألوفاً ارتبط بسنوات من حياتهما، قبل أن تفرض الحرب عليهما مغادرته. وهكذا تحول بلد اللجوء إلى نقطة انطلاق لتجربة لجوء ثانية، امتدت عبر مدن سودانية ثم إلى جنوب السودان وأوغندا.

لم يكن هذا التحول مجرد تغيير في مكان الإقامة، فقد أعاد ترتيب علاقتهما بالمستقبل. فالاستقرار الذي بدأ يتشكل في الخرطوم انتهى مع الحرب، وأصبحت كل مرحلة جديدة تتطلب منهما البحث عن مكان للسكن، وتدبير تكاليف الحياة، والتكيف مع محيط مختلف. ومع كل انتقال، ازدادت المسافة بينهما وبين الحياة التي حاولتا بناءها منذ مغادرة أسمرا.

وطن مؤجل بعد ست سنوات من الترحال
تكشف قصة جوانيت وشقيقتها عن وجه من وجوه اللجوء المتعدد، حين يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى مغادرة وطنه، ثم يضطر لاحقاً إلى مغادرة البلد الذي استقبله. في تجربتهما، لم تكن الحدود مجرد خطوط جغرافية تفصل بين الدول؛ فقد ارتبط عبورها في كل مرة بقرار صعب، وبخسارة شيء من الاستقرار، وبمحاولة العثور على مكان يمكن أن تبدأ فيه الحياة من جديد.

بعد ست سنوات من مغادرة إريتريا، لا تزال الشقيقتان تبحثان عن استقرار لم تتمكنا من تحقيقه بصورة دائمة. بدأتا الرحلة بأمل الوصول إلى بلد يوفر لهما فرصة لحياة أفضل، ثم وجدتا نفسيهما أمام حرب لم تختاراها، واضطرتا إلى ترك المكان الذي قضتا فيه سنوات. واليوم، في كمبالا، لا تعرفان ما إذا كانت هذه المدينة ستكون وجهتهما الأخيرة، أم أن ظروفاً أخرى قد تدفعهما إلى الانتقال مجدداً.

ومع ذلك، لا تخلو حكايتهما من الأمل. فالضحكات التي تتعالى في المقهى الشعبي، وهما تستعيدان تفاصيل الطريق، تشير إلى أن التجربة لم تسلبهما القدرة على التواصل مع الحياة، رغم ما حملته من مشقة. إنهما تحاولان مواصلة يومهما، والاحتفاظ بقدر من الطمأنينة، في انتظار أن تتضح ملامح المستقبل.

لا تحتاج جوانيت وشقيقتها، بعد كل ما مرتا به، إلى وعود كبيرة بقدر حاجتهما إلى حياة مستقرة، ومكان تستطيعان فيه ترتيب شؤونهما دون الخوف من مغادرته على نحو مفاجئ. فالوطن بالنسبة إلى من عاش تجربة اللجوء قد يصبح بيتاً آمناً، أو حياً مألوفاً، أو مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يخطط للغد دون أن تفرض عليه الحرب تغيير كل شيء.

في كمبالا، تستمران في رواية حكايتهما، وتستعيدان المدن التي مرّتا بها منذ مغادرة أسمرا. وبين ضحكة وأخرى، تبقى سنوات الترحال حاضرة في تفاصيل الحديث، شاهدة على رحلة لم تمنحهما حتى الآن يقين الاستقرار.
لقد غادرتا إريتريا بحثاً عن الأمان، ثم غادرتا السودان بعدما اندلعت الحرب فيه. والآن، بعد عبور طويل، تقفان أمام مستقبل لم تتحدد ملامحه بعد، فيما تظل أمنيتهما بسيطة وواضحة: أن تجدا مكاناً تستطيعان فيه العيش دون أن تضطرا إلى الرحيل مرة أخرى.

فأقسى ما في اللجوء ليس مغادرة الوطن وحدها، لكنه اكتشاف الإنسان، بعد سنوات من الغربة، أن المكان الذي اختاره ملاذاً قد يصبح هو الآخر بداية رحلة جديدة.

معرض الصور