تم التحديث: ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ 16:24:41

``موت الحكايات الكبرى`` للحرب السودانية..!
شمس الدين ضوالبيت
كان الأسبوع الماضي هو اسبوع انكشاف "سرديات" حرب أبريل 2023.. عرّتها ثلاث أحداث عن الأغطية التي جرى إلباسها لها.. ظهرت على طبيعتها منذ أن كانت حرب دارفور 2003، وحتى صارت -بوجه جديد- حرب الكرامة في عام 2023.. وذلك بينما ظل الهدف والغرض واحداً.
موت الحكايات الكبرى، وأحياناً تُسمى "موت السرديات الكبرى" (The Death of Grand Narratives)، هو واحد من أهم الأفكار التي ظهرت في سبعينات القرن الماضي، وارتبطت بفلسفة (ما بعد الحداثة).. لا يعني موت الحكايات الكبرى في فلسفة ما بعد الحداثة موت القصص أو التاريخ، بل يعني فقدان "تصورات شاملة" ظلت مطروحة ومعتمدة طويلاً- فقدانها قدرتها على إقناع الناس بأنها تملك تفسيراً واحداً ونهائياً للمجتمع والتاريخ والإنسان.. هذه هو السياق التاريخي للمصطلح.. أما هنا، في حالتنا السودانية، فنستخدمها كمقابل للتعبير عن الحكايات والسرديات التي طُرحت كتفسيرات شاملة لحرب ابريل 2023.. ومن ثم كمبررات (أخلاقية) و(منطقية) و(وطنية) لدعمها والوقوف معها بكل ثمن.
الحدث الأول من الأحداث الثلاثة كان دراسة معرفية مرجعية بعنوان "صناعة العدو وذاكرة الحرب- من وحشية الدراويش إلى عربان الشتات"، أعدها الأستاذ الطاهر بدر الدين.. تتبع بدر الدين في الدراسة الطريقة التي جرى بها تحويل حرب دارفور 2003، عبر سردية أعدها أحد قيادات الإسلاميين اسماها (عربان الشتات)- تحويلها من حرب أهلية بين سودانيين، إلى "غزو أجنبي لمجموعات مقاتلين عرب ظلوا تائهين في منطقة الساحل والصحراء الكبرى لمئات السنين، بعد أن كانت دفعتهم -حسب الأسطورة- جهات حاكمة حينها، قبل ألف عام، نحو خصومهم في "تغريبة" تخدم أغراض تلك الجهة الحاكمة وهم (الفاطميين).. وأنهم يعودون الآن بعد ألف سنة من دول الساحل: النيجر ومالي وتشاد وبوركينافاسو، في "تشريقة" إلى السودان، تحمل نفس سمات التغريبة: عنف البدو، الغزو الأستيطاني والتغيير الديمغرافي.. ولخدمة طرف جديد هم (الإسرائيليين)، بالتخلص لهم من حكم الإسلاميين في السودان.
معلوم اليوم أن حرب دارفور 2003 كانت تحمل في أحشائها حربين إثنين: أولاً حرب دولة الحركة الإسلامية ضد من تمرد عليهم من أهل درافور ذوي الجذور الأفريقية مطالبين بحقوق مشروعة، مثلهم فيها حينها جيش وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور وميني ميناوي.. الحرب الثانية كانت حرب الإسلاميين ضد بعضهم البعض بعد المفاصلة عام 1999، أي (القصرضد المنشية).. وإنشاء (المنشية) حركة العدل والمساواة بقيادة خليل ثم جبريل إبراهيم.. سلط نظام الحركة الإسلامية (القصر)، على المجموعتين عرب دارفور بقيادة الجنجويد فحرس الحدود فالدعم السريع.
تكشفت الأيام عن أن حرب أبريل 2023 هي امتداد لحرب دارفور 2003: المجموعات المسلحة ذاتها.. نفس الجيش.. نفس القيادات.. التكتيكات ذاتها .. وكذلك الفظائع والانتهاكات، وسيتضح من هذه الأسطر أن الأهداف هي ذاتها.. فقط تغير مكان الحرب، فهو في هذه المرة الخرطوم والمركز ووسط السودان، بدلا عن قوز دنقو وشرق الجبل ووادي هور..وهذه الحرب هي التي حولت حرب أبريل 2023، وبفعل اسطورة "عربان الشتات" إلى حرب "العدوان الأجنبي".. ثم لكي تتطور وتتحور مع الوقت، لتصبح صراحة حرب "العدوان الأماراتي".. وقد سادت هذه الصيغة الأخيرة وصارت العنوان والسردية المعتمدة لحرب ابريل لدى الجيش وحكومة الخرطوم ولدى الإعلام الرسمي والشعبي الداعم للحرب في السودان، خاصة بعد تقارير دولية كثيرة أكدت دعم الامارات الكبير للدعم السريع في الحرب الدائرة.
خرجت دراسة الأستاذ الطاهر بدر الدين قبل يومين فقط من حدث مؤلم ومهول: فقد تسببت غارات للطيران الحربي المصري يوم 10 اكتوبر في مقتل عشرات كثيرة من المعدنين السودانيين من الشباب الفقراء، دفعت بهم ظروف الحرب والفقر إلى مناطق لتعدين الذهب في جبل العقيدات بولاية البحر الأحمر، داخل الحدود السودانية.. قال أحد المعدنين الشباب، لصحيفة نيويورك تايمز التي نشرت تقريراً عن الحادث: "تعجز الكلمات عن وصف ما رأيناه".. جثث شبان متناثرة وسط أكياس من خام المعادن.. أخرى تعرضت لتشوهات بالغة.. يتزايد عدد القتلي يوميا، بينما الجرحي بالمئات، وبلا عناية طبية مناسبة.
توفرت في غارة الطيران المصري على مواطنين سودانيين، كل شروط العدوان الأجنبي: مقتل مواطنين سودانيين.. في أرض سودانية.. أعلنت جهات مصرية رسمية تنفيذها لضربات عسكرية على الحدود ذلك اليوم.. لم تكن تلك هي المرة الأولى، بل سبقتها غارة قتل فيها سودانيون في يونيو 2026.. الجهة التي نفذت الغارة، وهي مصر، تحتل أصلاً أرضاً سودانية بالقوة العسكرية منذ عام 1995، هي منطقة حلايب وشلاتين.
كان المتوقع أن ينفجرغضب الجيش وحكومة الخرطوم وكل الذين حملوا سردية "العدوان الأجنبي الأماراتي" لوصف حرب أبريل، في سلسلة من التظاهرات والاحتجاجات والبيانات الرسمية والمقالات الصحفية منددة ورافضة للعدوان المصري.
لكنه لم يحدث شئ من هذا..!
بعد تلكؤ وتلجلج وصمت خرج بيان لا يقول شيئاً من مجلس السيادة.. ثم تصريحات غاضبة، بعد إدانة عابرة (للحادثة)، لم يكن الغضب موجها للمعتدي وإنما على رافعي مبدأ (لا للحرب) من المدنيين السودانيين بحجة أنهم يستغلون الحادثة.. ثم لم يمض يوم حتى خرجت أصوات تقول إنه لا يجب تعكير صفو العلاقات مع مصر، أو حتى تنكر أن الحادث وقع داخل الأراضي السودانية.. وذلك في مقابل تنديدات واحتجاجات واسعة من الشعب السوداني صدرت في بيانات من التحالفات السياسية والقوى الشبابية والأحزاب والصحف ووسائط التواصل الاجتماعي.
النتيجة كانت أن ردود الفعل المتواطئة للجيش والحكومة في الخرطوم وداعمي الحرب مع (العدوان المصري المباشر) أسقطت الغطاء الأخلاقي والمنطقي ومحمولات الحرص على الوطن والوطنية، عن سردية (العدوان الأجنبي الأماراتي بالوكالة)، وفضحتها كمجرد دعاية تعبوية يتغذى عليها إعلام الحرب لأغراض الحشد والاستنفار.
لكن إضافة لدورها التعبوي الكبير كان لسردية (العدوان الأجنبي الأماراتي)، أيضاً دور في المنطق الذي برر به البعض، خاصة من خارج معسكر الإسلاميين المعروف، موقفهم الداعم للحرب وللوقوف مع الجيش وحكومة بورتسودان (وقتها).. قالت هذه المجموعة، التي عرّفت نفسها بأنها تدعم (بقاء الدولة السودانية ومؤسساتها) إن عدوان الإمارات على السودان يتمثل في دعمها لمجموعة مسلحة غير نظامية ومتوحشة هي الدعم السريع، تهدد بسلاحها بل وبمجرد وجودها الدولة ومؤسسات الدولة.. أضافت هذه المجموعة، التي ينتمي إليها عدد من المثقفين والناشطين في العمل العام، أن ما دفعهم لتحمل مرارة التحالف مع الجيش وغض الطرف عن الإسلاميين إنما هو الأكثر مرارة منه: أن يستيقظ السودانيون يوما فلا يجدون وطنا يتشاجرون على أرضه.. وأنهم يقفون مع الحرب والجيش ومؤسسات الدولة حتى التخلص من الدعم السريع (بينما شكلتهم في محلها) مع الجيش والإسلاميين لحين تحقيق هذه المهمة.
الأسبوع الماضي سدد قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة طعنة موجعة لموقف هذه المجموعة ولسرديتها الداعمة للحرب باسم دعم مؤسسات الدولة من أجل الحفاظ عليها.. فقد أكمل رئيس مجلس السيادة تعيين بقية أعضاء المحكمة الدستورية، وذلك بعد أن كان عيَن رئيسها، في اغسطس 2025، وأدوا جميعاً القسم أمامه يوم 12 اكتوبر الجاري.. رئيس المحكمة الدستورية الجديد هو نفسه رئيس المحكمة في عهد نظام الحركة الإسلامية قبل ثورة ديسمبر.. وكان إثنان من أعضائها الجدد على الأقل أعضاء في المحكمة السابقة.
قال الخبير القانوني سيف الدولة حمدنا الله في منشور إن رئيس مجلس السيادة استبق تعيين المحكمة الدستورية بمسح كل النصوص التي وردت في الوثيقة الدستورية لتحقيق أهداف ثورة ديسمبر، وأزال أيضاً كل ما تبقى من نصوصها التي تقف أمام استعادة نظام الانقاذ.. وكان حمدنا الله قد كتب منشوراً آخر رصد فيه بصورة موسعة قرارات المحكمة الدستورية في عهد نظام حكم الإسلاميين والتي تركزت كلها تقريبا، بعكس دور المحكمة الطبيعي، على مصادرة الحريات وإعطاء المشروعية لممارسات جهاز الأمن والانتهاكات القمعية الأخرى .
وكان رئيس مجلس السيادة أصدر أيضاً مرسوماً في 15 مايو 2025، ألغى فيه المادة 7 من إتفاق جوبا في الدستور، والتي نصت على (الفصل التام بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة لضمان عدم استغلال الدين في السياسة ووقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان وكريم المعتقدات) واستبدلها بالمادة 6 (1) التي تنص على أن (تكون مبادئ الدين الإسلامي والمعتقدات الدينية الأخرى والتوافق الشعبي وقيم وأعراف وتقاليد الشعب السوداني مصدرا للتشريع).
دلالة هذا الحدث أنه يؤكد أن رئيس مجلس السيادة ماض في استعادة أجهزة ومؤسسات وكوادر تنظيم الإسلاميين، ومستمر في تهيئة الظروف لتنصيب نفسه حاكماً عسكرياً.. معلوم اليوم أن هذه التركيبة ذاتها بما فيها من أجهزة ومؤسسات وكوادر هي التي قوضت في السابق أسس الدولة، وفصلت الجنوب، وحولت المؤسسات إلى كيانات تخدم تنظيم الحركة الإسلامية.. مأزق سردية الحفاظ على الدولة ومؤسساتها أن من يتبنونها ويقفون مع الجيش والحرب الآن، يدعمون في واقع الأمر عودة تنظيم الحركة الإسلامية إلى السلطة وتقوية وجودهم في مؤسساتها مرة أخرى.. يقول الاستاذ عزت خيري في مقال مرجعي بعنوان: السودان والأخوان- من لم يفهم التنظيم أخطأ المعركة.. يقول "حين تكون مؤسسات الدولة مخترقة أو محمولة على إرث التنظيم، فإن تقويتها.. لا تعني بالضرورة تقوية الدولة ضد الأخوان، بل قد تعني تقوية الحصن الذي احتموا به"، ودعم الأدوات التي يعيدون بها انتاج الممارسات التي قوضت مؤسسات الدولة، بما قاد لفصل الجنوب من قبل، ودشن منذ بداية الحرب عملية فصل دارفور.
يستطرد الأستاذ خيري "لا تكفي في السودان عبارة ’تقوية مؤسسات الدولة‘"، بل يجب طرح أسئلة أكثر صراحة من شاكلة: "أي دولة؟؛ وأي مؤسسات؟ ومن يسيطر على مفاصل القرار داخلها؟"، وما نوعية الفكر السياسي الذي يدير هذه الدولة.. في حالة تنظيم الحركة الإسلامية، فالإجابة على كل هذه الأسئلة ونتائجها معروفة بالتجربة العملية، وليس بالتخمين أو السيناريوهات النظرية.
الدولة ليست ظاهرة طبيعية كالبحار والجبال والشجر، وإنما "بناء بشري مصطنع".. بهذا الاعتبار فالدولة ومؤسساتها ليست محصنة أومعزولة عن مشاكل البشر، خاصة أولئك الذين يسيطرون عليها ويديرون هذه المؤسسات.. يكاد يكون هناك إجماع بين فلاسفة الدولة العالميين: ثوماس هوبز؛ روسو؛ ماركس.. بأن الدولة باعتبارها "بناء بشري مصطنع"، فمن من الممكن أن تنتقل إليها أيضاً أمراض البشر.. أنها من الممكن أن تتأسس مشوهة، بل ويستخدم هوبز وروسو حرفيا كلمات مثل أن الدولة يمكن أن "تمرض".. بل يمكن أن "تموت" بسبب "أمراض داخلية".. أهم هذه الأمراض الداخلية التي يمكن أن تقتل الدولة هي الأفكار والمذاهب والأحزاب التي تضع نفسها فوق القانون وفوق المؤسسات وفوق الدولة ذاتها.. هل أنا بحاجة إلى تسمية؟
لكن ليس هذا هو المرض الوحيد الذي يمكن أن يقوض الدولة ومؤسساتها، هناك أيضا: الاستبداد المتوحش، والفساد، وانتشار الفقر والتفاوتات الطبقية، والحروب الأهلية، والانقسامات الإثنية والقبلية.. ما الذي غاب من هذه الأمراض عن دولتنا، خاصة في فترة حكم الحركة الإسلامية!؟ لا، بل أضاف عهد حكم الإسلاميين أمراضاً جديدة: الانحيازات الإثنية والثقافية، دمج الدين في الدولة، عسكرة المجتمع والأملشة، تعدد مراكز السلطة، فقدان الشرعية.. إضافة إلى ما يمكن أن نطلق عليه "الصبيانية" في إدارة العلاقات الخارجية.
فهل يمكن دعم مؤسسات في هذه الحالة المرضية للحفاظ على الدولة!؟.. وأن يكون هذا الدعم بالوقوف مع حرب هذه المؤسسات ومن يديرها هي من تسبب فيها!؟ بينما الحرب نفسها تفاقم من الأمراض وبالتالي تسرع وتعجل بانحلال الدولة..!؟
كشفت الأحداث الثلاثة أن سرديات دعم الحرب الأساسية تفتقر إلى (الصدق الأخلاقي).. الأصل في السرديات هو إضفاؤعا غطاءا أخلاقيا على الأعمال السياسية.. لأن القوة العارية لا تكفي لحكم الجماعة البشرية.. لا بد من عامل الإقناع.. لكن عندما يكون التعامل مع الأحداث والانتهاكات انتقائياً: تدين بصوت عال وغضب (العدوان الاماراتي بالوكالة)، وتسكت عن (العدوان المصري المباشر بالطيران واحتلال الأراضي).. تستنفر العالم لإدانة مجزرة ود النورة، بينما تصمت عن القتلى المدنيين بقصف الطيران في الضعين ونيالا.. وفوق كل هذا تؤجج يوميا مرات كثيرة للحرب وتدافع عن استمرارها- في كل واحدة من هذه الحالات يحتاج الإنسان لحظة لللتوقف مع ضميره ومراجعة المنصة الأخلاقية التي يقف عليها، فهي بلا شك منصة مأزومة لسبب ما.
أيضاً يكشف التنقل بين تبريرات مختلفة لحرب إبريل أن التبريرات مختلقة.. غير صحيحة.. هدفها إخفاء الأسباب الحقيقية.. يعلم كل منا هذا من التجربة والخبرة.. من تربية الأطفال مثلاً، عندما يتخبطون ويقدمون سيلا من الأسباب لمسألة واحدة.. لقد أوضح التبضع بين أسباب مختلفة لتبرير حرب أبريل أنها جميعا مختلقة: غزو عربان الشتات؛ الكرامة؛ العدوان الأجنبي الأماراتي، الحفاظ على الدولة ومؤسساتها.. رأينا في الأحداث الثلاثة بالدليل العملي أن ثلاثتها الكبرى كاذبة.
فماذا يمكن أن تكون الأسباب الحقيقية..!؟
دعونا نعود مرة أخرى إلى حرب دارفور التي بدأنا منها.. قلنا إنها حملت حربين في أحشائها.. الأولى حرب تنظيم الحركة الإسلامية ضد أهل دارفور المطالبين بحقوق مشروعة.. والثانية صراع بين الإسلاميين (القصر والمنشية) على السلطة.
هنا نصل إلى الأسباب الحقيقية، إلى الأهداف المخفية لحرب أبريل 2023: السلطة.. عودة الإسلاميين إلى السلطة أولاً.. وضرب ثورة ديسمبر التي طالب ثوارها بقوة غير مسبوقة بحقوق مشروعة في الحرية والسلام والعدالة.

