تم التحديث: ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ 11:54:58
حدود السودان وجيرانه من الأزمة إلى التكامل
أمير بابكر عبد الله
تثير كارثة استهداف الطيران الحربي المصري للمعدنين السودانيين هذا الشهر، مما أودى بحياة العشرات من المواطنين العزل، سؤال الحدود بين السودان وجيرانه، مثلما أثارت غضباً مشروعاً لدى قطاع واسع من السودانيين على السلطات المصرية التي لم تنكر فعلتها وعلى السلطات السودانية التي تباطأت في التعامل مع الحادثة كما يجب على دولة تحترم سيادتها.
وجد السودان حدوده محاطة بسبع دول تجاوره، هذا بعد اختيار شعب جنوب السودان الانفصال عن الشمال في 2011. وهي حدود سياسية رسمتها القوى الاستعمارية وفقاً لاستراتيجياتها وتفاهماتها الجيوسياسية لدول ما بعد الاستعمار. ولم يكن لشعوب وقبائل تلك الدول حق الاختيار، مما جعل السودان فضاءاً مفتوحاً للقبائل التي لها امتداداتها مع جيرانه.
هذا بالطبع واقع يتجاوز فكرة فيلم "الحدود" الذي أبدع فيه الفنان السوري دريد لحام الذي وجد نفسه عالقاً في منطقة حرام بين غربستان وشرقستان وبلا أوراق ثبوتية. هنا في السودان، وفي حدوده مع جيرانه من كل الاتجاهات، تجد الإبن يحمل جنسية دولة والأخ يحمل جنسية الدولة المجاورة، وربما الاثنين يحملان جنسيتي الدولتين. وهو محاولة للمجتمعات الحدودية الالتفاف على ما فرضته السياسات الاستعمارية بترسيمها للحدود دون مراعاة ولا مشاورة لها مما جعلها موزعة بين دولتين.
منذ نيل تلك الدول، السودان وجيرانه، استقلالها ودخولها مرحلة الحكم الوطني لم تضع استراتيجية اضحة للتعامل مع الوضع الحدودي، مما جعل الحدود وشعوب تلك الدول عرضة لتقاطعات الأنظمة الحاكمة وسياساتها وارتباطتها الإقليمية والدولية. وكانت الحدود هي المعبر لتصدير الكثير من الأزمات بين السودان وجيرانه، فقد شهدت العقود الماضية نمطين رئيسيين من التعامل مع هذه الامتدادات الإثنية والقبلية الحدودية، تراوحا بين توظيفها لصالح الصراع (توفير الملاذات، التجنيد، تسليح الحركات المعارضة) والتوظيف الإيجابي (الوساطة، التهدئة، التبادل الاقتصادي).
التوظيف السالب للحدود
كثيراً ما استخدمت الأنظمة الوطنية التي حكمت السودان، الحدود بينها وجيرانها في خلق حالة عدم استقرار أو حتى في محاولات لتغيير الأنظمة الحاكمة في تلك الدول، والعكس صحيح، فالعديد من الجيران وظفت الحدود بينها والسودان في ذات الاتجاه.
فعندما استقل جنوب السودان في يوليو 2011، لم يدفن الطرفان "أدوات الحرب القديمة"، بل أصبحت القبائل الحدودية والحركات المسلحة المنحدرة منها أوراق مساومة دبلوماسية وعسكرية بين الخرطوم وجوبا.
وفي الحدود السودانية التشادية هناك الكثير من الأحداث التي جعلت من الحدود بؤرة للتوتر بين البلدين، إذ بدأ التدخل المتبادل ودعم المعارضات المسلحة لإسقاط الأنظمة الحاكمة منذ ستينيات القرن الماضي، وكان السودان في كثير من المحطات بمثابة "المفتاح لتغيير النظام في تشاد". وكذلك شكل اندلاع الصراع في إقليم دارفور عام 2003 الذروة التاريخية لاستخدام "القبيلة" وسيلةً في الصراع السياسي والعسكري بين النظام الحاكم في السودان والنظام الحاكم في تشاد، حيث الرئيس التشادي إدريس دبي الروابط الاجتماعية والقبلية العابرة للحدود؛ فقدم الدعم العسكري واللوجستي والتدريبي للحركات المسلحة السودانية في دارفور، وفي مقدمتها حركة العدل والمساواة بقيادة الدكتور خليل إبراهيم، مستفيداً من الانتماء المشترك لإثنية "الزغاوة".
وعلى جبهة أفريقيا الوسطى تمتد الحدود البرية مع السودان بأكثر من 170 كيلومتراً، تربط جنوب غرب إقليم دارفور (وتحديداً ولاية جنوب دارفور) بالمناطق الشمالية الشرقية لأفريقيا الوسطى (منطقة فاكاجا وعاصمتها بيرائو).
رغم غياب الخلافات الأيديولوجية الكبرى بين الحكومتين، إلا أن الجغرافيا الوعرة، وغياب التنمية، والضعف الشديد لسيطرة الدولة المركزية في بانغي على أقاليمها الشمالية، حوّل هذه الحدود إلى "منطقة رمادية" بامتياز. وقد أدى ذلك إلى تبادل دائم للأدوار في احتضان حركات التمرد، وتداخل الحروب الأهلية، ونمو شبكات التهريب الدولية لثروات المنطقة.
وفي أقصى الشمال الغربي تتشارك ليبيا والسودان حدوداً برية تمتد لنحو 380 كيلومتراً في منطقة الصحراء الكبرى الوعرة، حيث يلتقي شمال غرب السودان (إقليم دارفور) مع جنوب شرق ليبيا (إقليم الكفرة). ورغم ضعف الكثافة السكانية على خط الحدود المباشر، إلا أن التداخل القبلي العابر للحدود (مثل قبائل الزغاوة، والتبو، والمجموعات العربية) جعل من هذه المنطقة ساحةً لأعنف جولات الصراع السياسي والعسكري في شمال وشرق أفريقيا. وقد تراوحت العلاقات بين طرابلس والخرطوم بين "العداء العقائدي الشرس" و"التحالفات المرحلية الهادفة لقلب نظم الحكم".
في الشمال، تُمثّل العلاقات السودانية المصرية النموذج الأكثر عمقاً، وتشابكاً، وحساسية في منطقة وادي النيل. ورغم شعارات "الأزلية" و"وحدة المصير" التي تصاحب الخطاب الرسمي، إلا أن العلاقات بين النظمة الحاكمة في الخرطوم والقاهرة (منذ استقلال السودان عام 1956) ظلّت محكومة بـ "برادايم" جيوسياسي وأمني دقيق؛ حيث تداخلت ملفات السيادة، وإدارة مياه النيل، والتوجهات الأيديولوجية للنظم الحاكمة، لتتحول في كثير من المحطات إلى حرب وكالة مكتومة، واحتضان متبادل للمعارضات السياسية والمسلحة بهدف الضغط أو تغيير التوجهات الاستراتيجية للطرف الآخر.
وعلى جبهة الحدود الأرترية مع السودان، التي يتجاوز طولها 600 كيلو متر، هناك تشابك قبلي كبير بين الدولتين "البجا والرشايدة والبني عامر". ورغم هذا الامتداد الاجتماعي، إلا أن العلاقات السياسية بين الخرطوم وأسمرا منذ استقلال إرتريا عام 1993، وقبله إبان فترة الكفاح المسلح الإريتري، ظلّت محكومة بـ "البرادايم" ذاته: استخدام المعارضات المسلحة كورقة ضغط استراتيجية، وتبادل الاتهامات بزعزعة الاستقرار، مما جعل هذه العلاقة نموذجاً متقلباً بين التحالفات التكتيكية والعداء الصريح.
أما الجبهة الأكثر جدلاً الحدود السودانية الأثيوبية، إذ تُمثّل العلاقات السودانية الإثيوبية أحد أعقد نماذج التدافع الأمني والسياسي في شرق أفريقيا. ورغم الروابط الجغرافية العميقة والحدود المشتركة الممتدة التي تربط البلدين عبر ولايات القضارف وكسلا والنيل الأزرق سودانياً، وأقاليم أمهرة وتيغراي وبني شنقول-قُمز إثيوبياً، إلا أن البلدين وظّفا عبر العقود استراتيجية "حرب الوكالة" واستخدام الجماعات المسلحة كأوراق ضغط إقليمية؛ فكلما تصاعدت الخلافات حول ملفات المياه، والحدود، أو السيادة، تحولت عاصمتا البلدين إلى ملاذات آمنة ومنصات عسكرية لتسليح وإيواء معارضي الطرف الآخر.
من الصراع إلى التكامل المستدام
أهم الإشكاليات التي تواجه السودان وجيرانه، هو بنية الدولة وقدرتها على وضع رؤية استراتيجية تقدم مصالح مواطنيها على مصالح السلطة الحاكمة التي تتقاطع مع المحاور الدولية والإقليمية. ويمكن للسودان حال تجاوزه أزمة الدولة التي تمسك بختاقه منذ الاستقلال، أن يلعب دوراً محورياً في تأسيس تحالف حدودي أو لنسمها "كونفيدالية حدودية" تشارك فيها كل الدول لرسم سياسات تعيد تشميل مفهوم الحدود، وتحويله ونقله من مربع التماس الأمني والقنبلة الموقوتة إلى مربع التكامل الاجتماعي والاقتصادي.
يستدعي ذلك تأسيس منظومة أمنية وإقليمية قائمة على المصالح المشتركة، وذلك بالانفصال عن عقيدة "احتضان المعارضات" والمكايدة السياسية لصالح اتفاقيات أمنية واقتصادية ملزمة تُراعي الأمن القومي لجميع الدول المجاورة، وتُرسّخ مبدأ الحدود المفتوحة الخاضعة للإدارة الإيجابية التشاركية بدلاً من الصراع العسكري.
وهناك من القواعد ما يمكن البناء عليه، فبدلاً من استغلال القبائل العابرة للحدود كخزان بشري للميليشيات وحركات التمرد، يمكن الاستفادة من هذه الأواصر الاجتماعية الممتدة كآليات دبلومسيّة شعبية لفض النزاعات المحلية، وتطوير أطر للإدارة المشتركة للموارد الطبيعية والمراعي.
السودان وكل الدول الحدودية لديها من الموارد ما يمكن أن يكون أساساً لتنمية مشتركة مما يتطلب إعادة التفكير في سبل توظيفها لصالح تلك الدول ومواطنيها، بدلاً عن اعتبارها هوامش أمنية. فإنشاء مناطق اقتصادية وحدودية حرة يجعل من التجارة البينية وحركة البضائع والمواطنين مصدراً اقتصادياً مضافاً، ويحد من من شبكات التهريب والأنشطة الخارجة عن القانون.
