تم النشر بتاريخ: ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ 11:24:34
تم التحديث: ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ 11:26:54

الصورة: كاميرا مواطنون

الخرطوم بعد عام من العودة: مدينة تبحث عن روحها

<p>الأصمعي باشري</p>

الأصمعي باشري

بعد عام من العودة إلى الخرطوم، تبدو العاصمة وكأنها تحاول استعادة إيقاعها القديم، غير أن عودة السكان إلى أحيائهم ومنازلهم لم تعنِ بالضرورة عودة الحياة إلى صورتها السابقة. فالخرطوم اليوم تقف بين ماضٍ أثقلته الحرب، وحاضر مثقل بآثارها النفسية والاجتماعية، ومستقبل يحتاج إلى أكثر من إعادة إعمار المباني والطرق والخدمات.

في مختلف أحياء العاصمة، تبدو البنية الاجتماعية أكثر هشاشة من ذي قبل. فقد تركت الحرب آثارًا عميقة في العلاقات بين الناس، وفي الطريقة التي ينظر بها الأفراد إلى محيطهم ومجتمعاتهم الصغيرة. ولم تعد الجيرة، في كثير من المناطق، تعني بالضرورة تلك الشبكة المتماسكة من التعارف والتكافل والتعاون التي عرفت بها أحياء الخرطوم في سنوات ما قبل الحرب.

لقد أدت سنوات النزوح والتشتت والخوف والفقد إلى تغيرات نفسية عميقة في قطاعات واسعة من المجتمع. فالإنسان الذي عاش تجربة الحرب لا يعود إلى المكان نفسه بالشخصية والمشاعر ذاتها التي غادر بها. يحمل معه ذاكرة ثقيلة، وتجارب مؤلمة، وشعورًا متزايدًا بالحذر وعدم اليقين. ولهذا، فإن إعادة السكان إلى منازلهم لا تكفي وحدها لإعادة بناء المجتمع؛ فما تهدم في النفوس والعلاقات يحتاج إلى وقت وجهد ومبادرات واعية حتى يستعيد عافيته.

الأكثر إثارة للقلق أن الروابط الاجتماعية القديمة، التي كانت تمثل نوعًا من الحماية غير الرسمية لسكان الأحياء، تعرضت لتآكل واضح. فقد كانت المناسبات الاجتماعية، والزيارات، والمساجد، والأسواق، واللجان المجتمعية، وحتى اللقاءات العابرة أمام المنازل، تؤدي أدوارًا تتجاوز وظيفتها المباشرة؛ إذ كانت تصنع التعارف والثقة والشعور بالانتماء إلى المكان.

أما اليوم، فقد أصبحت هذه الروابط أضعف في كثير من المناطق، وتراجع معها الإحساس بالمسؤولية الجماعية تجاه قضايا الحي. وأصبح التعامل مع المشكلات الخدمية والإنسانية، في بعض الأحيان، فرديًا ومحدودًا، بعدما كان شأنًا عامًا تتقاسمه الأسر والجيران ومكونات المجتمع المحلي.

وهنا تظهر واحدة من أخطر نتائج الحرب؛ فهي لا تدمر المؤسسات والبنية التحتية فقط، وإنما يمكن أن تضرب رأس المال الاجتماعي نفسه، أي ذلك الرصيد غير المرئي من الثقة والتعاون والتكافل الذي يجعل المجتمع قادرًا على مواجهة أزماته. وعندما يتراجع هذا الرصيد، تصبح أبسط المشكلات أكثر تعقيدًا، ويصبح الوصول إلى حلول جماعية أكثر صعوبة.

لعل المشهد الراهن يعكس هذه الحقيقة بوضوح. فالأحياء التي عرفت في السابق حيوية اجتماعية لافتة تبدو في أوقات كثيرة ساكنة وباردة. الناس موجودون، والمسافات بينهم اتسعت. والمنازل عادت إلى أهلها، وبعض العلاقات لا تزال تبحث عن طريقها إلى الحياة من جديد. والشوارع مفتوحة، غير أن روح المكان لم تستعد كامل عافيتها.

ولا ينبغي النظر إلى هذا الواقع باعتباره قدرًا نهائيًا. فالمجتمعات تمتلك قدرة كبيرة على التعافي، شريطة أن يُنظر إلى التعافي بوصفه مشروعًا متكاملًا، لا مجرد عملية لإعادة تأهيل المباني والخدمات. فالخرطوم تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان بقدر حاجتها إلى إعادة بناء ما تهدم من عمرانها.

هذا يتطلب دعم المبادرات المجتمعية المحلية، وإعادة تنشيط الأحياء، وتشجيع الأعمال التطوعية، واستعادة دور المؤسسات الدينية والتعليمية والثقافية في جمع الناس حول قضايا مشتركة. كما يتطلب توفير مساحات آمنة للحوار والتلاقي، خصوصًا بين الشباب، الذين تحملوا خلال سنوات الحرب أعباء نفسية واجتماعية كبيرة لا يمكن تجاهلها.

إن معالجة آثار الحرب الاجتماعية لا تقل أهمية عن معالجة آثارها المادية. فالطريق الذي يُعاد رصفه يمكن قياسه بالأمتار، والمبنى الذي يُعاد تشييده يمكن قياسه بالطوابق، أما استعادة الثقة بين الناس وإعادة بناء الشعور بالأمان والانتماء، فهما عملية أكثر تعقيدًا وأطول زمنًا.

بعد عام من العودة، تبدو الخرطوم أمام امتحان جديد. فالسؤال لم يعد فقط: متى تعود المدينة إلى ما كانت عليه؟ وإنما: كيف يمكن أن تصبح مدينة أكثر قدرة على الحياة والتعايش والتكافل؟
إن الخرطوم التي نريدها لا ينبغي أن تكون مجرد عاصمة عاد إليها سكانها، وإنما مجتمعًا استعاد قدرته على التعايش والتضامن والتعاون. فالحياة لا تعود إلى المدن بمجرد عودة الناس إليها؛ إنها تعود حين يستعيد الناس ثقتهم ببعضهم، وحين يصبح الحي مرة أخرى مساحة مشتركة للعيش، ومصدرًا للأمان والانتماء، وبيئة قادرة على احتضان الإنسان في أوقات الشدة والرخاء.

وربما تكون هذه هي المهمة الأصعب بعد الحرب: أن نعيد إلى الخرطوم عمرانها، وأن نعيد إليها روحها، وأن نمنح سكانها فرصة حقيقية لاستعادة ما فقدوه من طمأنينة وثقة وروابط إنسانية.

معرض الصور