تم التحديث: ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦ 10:13:46
من كيلة إلى ملوة.. خريف القضارف يكشف أزمة الغذاء
مواطنون
في ولاية القضارف لا يحمل الخريف هذا العام دلالته المعتادة؛ فالموسم الذي كان ينتظر أن يجلب الخير والوفرة إلى أسواق الحبوب، بات يضيف إلى أعباء الأسر هماً جديداً. فمع موجات الغلاء وتأكل القدرة الشرائية، لم يعد السؤال المعيشي مرتبطاً بنوع الغذاء، بل بقدرة الأسرة على تأمينه أصلاً. وما كان يشترى بالجوال بات يقسم بين عائلتين وما كان يحمل إلى الطاحونة (كيلة) كاملة انحسر إلى (ملوة) يتيمة بالكاد تكفي الأيام الصعبة.
موائد تتقلص تحت ضغط الأسعار
في إحدى الطواحين بسوق القضارف، تعكس كلمات رقية محمد أحمد حجم الضغط المعيشي الذي تعاني منه أسرتها الكبيرة في ظل كثرة الأطفال وارتفاع أسعار المواد الغذائية. وتوضح بمرارة أن كمية الذرة الموجهة للطحن تراجعت بوضوح من (كيلة) إلى (ملوة)، في ترجمة مباشرة لعجز متسارع عن توفير الاحتياجات الأساسية. هذا التراجع ليس مجرد رقم عابر في حسابات الطاحونة، بل مؤشر قاطع على (تقشف قسري) تفرضه الأوضاع الاقتصادية.
تؤكد رقية أن سعر دقيق القمح قفز من 4 آلاف جنيه سوداني للكيلوغرام إلى حاجز 6 آلاف و500 جنيه أو يزيد، مما ضاعف من وطأة المعاناة وأغلق الأبواب أمام البدائل المعتادة. وفي خريف يفترض أن يخفف فيه الموسم وطأة الأسعار تجد الأسر نفسها مضطرة إلى تقليص ما تطحنه، لا إلى توسيعه.
على حجر الطاحونة
في الطاحونة نفسها، يلمس الأمين آدم حسين نبض الأزمة اليومي من واقع عمله؛ حيث تضاءلت أحجام الحبوب التي يجلبها الزبائن بشكل لافت للنظر، حتى إن من اعتاد طحن (كيلة) صار يكتفي بنصفها أو بملوة واحدة.
ويختصر الأمين هذا المشهد الإنساني القاسي بالقول: (أصبحنا نخجل من أننا نجني مقابلاً لطحن ملوة)، معبراً عن حرج العاملين في قطاع الخدمات أمام زبائن يكابدون شظف العيش. ويربط هذا الانكماش بضعف الإنتاج الزراعي للموسم الحالي، فضلاً عما يمثله من تهديد مباشر لاستمرار أعمال الطواحين وأرزاق العاملين فيها، خاصة مع تعقيدات الخريف التي تطل على الموسم من باب النقل والتخزين وتكاليف الإنتاج.
معادلة العجز
كما تكشف تجربة عابدة النور، من سكان حي المنارة، التي تعيل أيتاماً وهي عاملة براتب شهري يبلغ 70 ألف جنيه سوداني، عن فشل المداخيل البسيطة في مجابهة متطلبات الحياة. هذا الدخل الثابت بات عاجزاً عن تغطية أبسط الاحتياجات الأساسية، ومع اشتداد ضغط الموسم الخريفي لم يعد أمامها سوى البحث عن بدائل أقل تكلفة.
وللتحايل على الغلاء، اتجهت عابدة للقمح كخيار أقل تكلفة مقارنة بالذرة، مشيرة إلى أن سعر جوال القمح يتراوح حول 140 ألف جنيه سوداني.
لمواجهة هذه الأعباء الباهظة، تلجأ بعض الأسر إلى حلول تضامنية تتمثل في شراء جوال دقيق واحد زنة 25 كيلوغراماً وتقاسمه بين عائلتين، في محاولة يائسة لسد الرمق. وهكذا تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى مساحة لاختبار قدرة الأسر على الصمود أمام فجوة تتسع بين الدخل والسوق.
