تم التحديث: ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ 15:29:02
الشهادة السودانية: عندما يتوارى إصلاح التعليم خلف مظاهر الاحتفال
تقرير: مجاهد نصرالدين
مع إعلان نتائج الشهادة السودانية يستحق جميع الطلاب الناجحين والمتفوقين التهنئة والتقدير، خصوصاً أولئك الذين استطاعوا تحقيق نتائج متميزة في ظل ظروف استثنائية ومعقدة مر بها السودان خلال السنوات الأخيرة. فكثير من الطلاب لم يخوضوا تجربتهم التعليمية في بيئات مستقرة، بعضهم درس في مناطق تأثرت بالحرب والنزوح وبعضهم واصل تعليمه وسط أوضاع اقتصادية صعبة ونقص في الموارد والمعينات التعليمية بينما واجه اخرون انقطاعاً أو اضطراباً في الدراسة.
ومع ذلك وصل هؤلاء الطلاب إلى يوم إعلان النتيجة ونجحوا في اجتياز امتحان ظل بالنسبة لكثيرين منهم تحدياً إضافياً إلى جانب تحديات الحياة اليومية.
يظل التفوق الأكاديمي قيمة مهمة وضرورية في العملية التعليمية فهو يعكس في جانب منه الجهد والمثابرة والقدرة على التحصيل ويمكن ان يفتح أمام الطالب ابواباً لمواصلة التعليم وبناء مستقبله.
لكن وسط هذا المشهد الاحتفالي ينصب جانب كبير من الاهتمام على الأوائل والاحتفاء بعدد محدود من الطلاب بينما لا يحظى المستوى العام للتعليم، وجودة المدارس، والفوارق بين الطلاب، وفرص الناجحين في الوصول إلى المرحلة التعليمية التالية بالنقاش نفسه. فالنجاح في الامتحان لا يعني بالضرورة أن جميع الطلاب حصلوا على تعليم جيد كما ان وجود عدد من المتفوقين لا يعني بالضرورة نجاح النظام التعليمي بأكمله.
وربما يكون السؤال الأهم بعد إعلان النتائج ليس فقط: من هو الأول؟ بل: كيف كان مستوى الطلاب بصورة عامة؟ وما الذي سيحدث لكل هؤلاء الناجحين بعد النتيجة؟ وهل تتوفر لهم فرص حقيقية لمواصلة التعليم أو التدريب أو دخول سوق العمل؟
من تقدير الأوائل إلى تقييم المنظومة
لا شك أن الطلاب الأوائل يستحقون التقدير على ما بذلوه من جهد، ولا ينبغي أن يتحول النقاش حول التعليم إلى التقليل من قيمة نجاحهم.
لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح قوائم الأوائل هي المؤشر الوحيد الذي نقيس به نجاح التعليم. فالنظام التعليمي لا ينبغي تقييمه فقط بعدد الطلاب الذين حصلوا على أعلى الدرجات، وإنما ايضاً بقدرته على توفير تعليم جيد للأغلبية، وتقليل الفوارق، وتنمية المهارات، وفتح فرص حقيقية أمام الطلاب بعد التخرج.
في هذا السياق، يرى الأستاذ محمد حسن عبدو، معلم بالمرحلة الثانوية بولاية كسلا _ محلية خشم القربة، أن الفوارق في البيئة التعليمية تؤثر بصورة كبيرة في التحصيل الأكاديمي للطلاب.
ويقول عبدو إن الطالب الذي يدرس في مدرسة خاصة لا يعيش الظروف التعليمية نفسها التي يعيشها الطالب في المدرسة الحكومية موضحاً أن الفارق لا يتعلق دائماً بالمعلم، إذ قد يكون المعلم نفسه يعمل في المدرستين، لكن الاختلاف يكمن في البيئة التعليمية والإمكانات المتاحة وطرق الدعم والمتابعة.
وبحسب عبدو، فإن بعض المدارس الخاصة توفر حصص تركيز وبرامج إضافية، إلى جانب وسائل تعليمية ومعينات أكثر تنوعاً، مثل السبورات الذكية واستخدام الوسائل الحديثة بينما تعتمد مدارس أخرى على الوسائل التقليدية في ظل محدودية الإمكانات.
وتعيد هذه الفوارق طرح سؤال تكافؤ الفرص: هل يحصل الطلاب الذين يجلسون للامتحان نفسه على فرص متساوية في الوصول إلى النتيجة نفسها؟ وإلى أي مدى تؤثر نوعية المدرسة ومكانها وإمكاناتها والظروف الاقتصادية والاجتماعية للطلاب في فرص التحصيل والتفوق؟
فالاحتفاء بالنتيجة لا ينبغي أن يعفينا من النظر إلى الطريق الذي وصل عبره كل طالب إلى تلك النتيجة.

هل أصبح التفوق مرتبطاً بالقدرة على الدفع؟
وتزداد أسئلة العدالة التعليمية حدة عند مقارنة أداء المدارس الحكومية بالمدارس الخاصة خصوصاً مع الحضور اللافت للمدارس الخاصة في قوائم المتفوقين.
يرى الكاتب يوسف عزالدين أن غياب المدارس الحكومية عن لوحة الشرف يطرح سؤالاً حول مدى تكافؤ الفرص التعليمية في السودان، في ظل تفاوت واضح في البيئة المدرسية والإمكانات المتاحة بين القطاعين.
ويشير عزالدين إلى أن المدارس الحكومية التي كانت تمثل، لعقود، مساحة أساسية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، تعاني اليوم من تراجع في البيئة التعليمية، بالتزامن مع ضعف الاهتمام بالمعلم وأوضاعه المعيشية.
وبالنسبة إليه، فإن إصلاح التعليم لا يمكن أن يبدأ من نتائج الامتحانات وحدها، وإنما من المدرسة نفسها، ومن الاستثمار في المعلم والبيئة التعليمية، حتى لا يصبح التفوق مرتبطاً بصورة متزايدة بقدرة الأسرة على تحمل تكاليف التعليم الخاص.
ولا يعني ذلك ان كل طالب في مدرسة خاصة أكثر تفوقاً من طالب المدرسة الحكومية او أن النجاح في القطاع الخاص يُشترى بالمال، لكنه يفتح سؤالاً أكبر حول الفوارق في فرص التعلم قبل الوصول إلى قاعة الامتحان.
قدرة الإمتحان على التغيير
يثير التركيز الكبير على الدرجات سؤالاً اخر: هل التفوق في الامتحان يعني بالضرورة القدرة على الابتكار وصناعة التغيير والمساهمة في المجتمع؟
التحصيل الأكاديمي مهم بلا شك لكنه يقيس جانباً محدداً من قدرات الإنسان، بينما يحتاج المجتمع إلى مهارات أخرى مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل الجماعي، والقيادة، والابتكار والمبادرة.
وقد يحقق شخص أعلى الدرجات لكنه لا يجد فرصة أو مساحة لتحويل معرفته إلى مشروع أو بحث أو حل لمشكلة في مجتمعه. في المقابل، قد لا يكون شخص آخر من المتفوقين أكاديمياً، لكنه يمتلك مهارة عملية أو فكرة جديدة أو قدرة على إدارة مشروع ناجح أو ابتكار حل لمشكلة حقيقية.
يذهب الأستاذ محمد حسن عبدو إلى أن المشكلة لا تتعلق بالتحصيل الأكاديمي وحده، إذ يرى أن كثيراً من الطلاب يتم توجيههم أساساً نحو الحفظ والنجاح في الامتحان والتفوق، بينما لا يجدون المساحة الكافية لاكتساب مهارات مثل القيادة وحل المشكلات والابتكار.
ويقول إن الطلاب الأوائل، باعتبارهم من أبرز المتفوقين أكاديمياً في جيلهم، ينبغي أن يكون لديهم أيضاً مجال أوسع لتنمية قدراتهم ومهاراتهم المختلفة، مشيراً إلى أن التفوق الأكاديمي لا يعني بالضرورة امتلاك الطالب لمهارات أخرى في القيادة أو الابتكار أو التعامل مع المشكلات.
ويرى عبدو أن المدارس تحتاج إلى أدوار تربوية واجتماعية أكثر فاعلية، من خلال توفير مشرفين للفصول وباحثين اجتماعيين ونفسيين يسهمون في تكوين شخصية الطلاب ومتابعة تطورهم بدلاً من أن ينحصر الاهتمام في التحصيل الدراسي وحده.
وعن منهج المرحلة الثانوية يقول عبدو إنه (لا بأس به) ، لكنه يرى أن الحاجة الأساسية تتمثل في تطوير طرق التدريس وتحديثها، إلى جانب توفير مساحات وأنشطة تساعد الطلاب على اكتساب مهارات مختلفة.
ويشير إلى أهمية الجمعيات الأدبية والصحية والمسرح والأنشطة المدرسية، باعتبارها مساحات يمكن أن يتعلم من خلالها الطلاب القيادة والتواصل والإدراك والعمل الجماعي.
ويضرب مثالاً ببعض المدارس الخاصة التي تدرب طلابها على الخطابة والحديث أمام الجمهور، بما في ذلك المشاركة في فعاليات إعلان نتائج الشهادة السودانية، ويرى أن توسيع مثل هذا الاهتمام ليشمل الابتكار وحل المشكلات والأنشطة المختلفة يمكن أن يسهم بصورة أكبر في بناء شخصية الطالب.
كما ينتقد عبدو استمرار بعض الأنشطة المدرسية في صورتها التقليدية مثل الطابور الصباحي، إلى جانب ضغط الحصص الدراسية، معتبراً أن الطالب يحتاج إلى وقت ومساحات أكثر تنوعاً للمشاركة والتعبير والتعلم العملي.
من الشهادة إلى أزمة الفرص
ولا تنتهي أزمة التعليم عند إعلان النتائج، إذ يواجه كثير من الناجحين سؤالاً أكثر صعوبة يتعلق بما بعد الشهادة، في ظل محدودية فرص التعليم الجامعي وارتفاع تكلفة التعليم الخاص وضعف البدائل المهنية.
ويرى الخبير المصرفي وليد دليل أن إصلاح التعليم ينبغي ان يربط بصورة اكبر بين ما يتعلمه الطالب والمهارات التي يحتاجها سوق العمل، حتى لا تتحول الشهادة إلى نهاية لمسار تعليمي بدلاً من ان تكون بداية لمرحلة جديدة من التعلم والإنتاج.
ويطرح هذا الرأي سؤالاً مهماً: ماذا يعني أن ينجح الطالب في الامتحان إذا لم يجد بعد ذلك فرصة لمواصلة تعليمه أو اكتساب مهارة مهنية أو الدخول إلى سوق العمل؟
وهنا تتجاوز القضية حدود(نسبة النجاح) و(قائمة الأوائل) إلى سؤال أوسع حول قدرة النظام التعليمي على إعداد الشباب للحياة والعمل وليس فقط لاجتياز الامتحان.
ما الذي يحتاجه السودان فعلاً؟
في بلد مثل السودان الذي يواجه تحديات كبيرة في الزراعة والصناعة والبنية التحتية والخدمات يبدو السؤال أكثر إلحاحاً: لماذا لا يزال التعليم الأكاديمي هو الطريق الذي ينظر إليه باعتباره الطريق الأعلى قيمة بينما يحتاج المجتمع بشدة إلى الفنيين والمهنيين وأصحاب المهارات؟
فالسودان لا يحتاج فقط إلى مزيد من حاملي الشهادات الأكاديمية بل يحتاج أيضاً إلى فنيين في الكهرباء والطاقة، والزراعة، والصيانة، والصناعة، والبناء، والتقنيات الحديثة وغيرها من المجالات التي ترتبط مباشرة بحياة الناس والإنتاج.
وهنا يبرز سؤال حول البدائل الحقيقية للتعليم الأكاديمي: هل يحصل التعليم الفني والمهني على الاهتمام والاستثمار والمكانة الاجتماعية نفسها؟ وهل يملك الطالب حرية حقيقية في اختيار مسار يتناسب مع قدراته، أم أن المجتمع يدفع الجميع نحو الجامعة باعتبارها الشكل الوحيد للنجاح؟
إن تحويل التعليم الفني والمهني إلى مسار ثانوي في نظر المجتمع لا يخدم احتياجات السودان الاقتصادية. فالدولة التي تحتاج إلى إعادة بناء البنية التحتية والإنتاج والخدمات تحتاج، إلى جانب الأطباء والمهندسين والأكاديميين، إلى فنيين ومهنيين يمتلكون مهارات عملية قابلة للتطبيق.
ما بعد (لوحة الشرف) : الامتحان الأكبر يبدأ بعد النتيجة
لا يعني هذا التقليل من أهمية الامتحانات أو الدرجات فالتعليم الأكاديمي سيظل جزءاً أساسياً من بناء المعرفة وتأهيل الطلاب. لكن ربما نحتاج إلى توسيع مفهوم النجاح.
فالنجاح ليس فقط أن تحصل على أعلى درجة وليس فقط أن تدخل الجامعة، بل أن يجد الإنسان المجال الذي يستطيع أن يتعلم فيه وينتج ويطور نفسه ويقدم من خلاله شيئاً لمجتمعه.
وربما يكون الاحتفاء بالأوائل ضرورياً ومستحقاً لكن إصلاح التعليم أكثر ضرورة وبين لوحة الشرف التي تحتفي بأسماء المتفوقين والأسئلة المتعلقة بجودة التعليم وتكافؤ الفرص ومستقبل ملايين الطلاب، ينبغي ألا يتوارى السؤال الأهم:
هل نريد تعليماً ينتج متفوقين في الامتحان فقط أم نظاماً تعليمياً يمنح جميع الطلاب فرصة حقيقية للنجاح في الحياة والمساهمة في بناء المجتمع؟

