تم النشر بتاريخ: ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ 15:10:31
تم التحديث: ١٣ سبتمبر ٢٠٢٦ 15:13:13

الصورة: cartooningforpeace.org

معارك السرديات السياسية في خضم الحرب

الأصمعي باشري
حين تتحول الحرب إلى سيرة شخصية
في مشهدٍ يكثّف مفارقات الحرب والسياسة في السودان، خاطب الفريق أول عبد الفتاح البرهان تجمعاً من الإعلاميين الموالين، القادمين من دول اللجوء، في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية بدار الضيافة. لم يكن الخطاب، في صورته العامة، خطاباً سياسياً يجيب عن أسئلة الحرب ومآلاتها بقدر ما بدا استعادةً لسيرة الجنرال الشخصية في الحرب، وحكايةً عن بطولاته كما يراها هو، منذ أيام حصار القيادة العامة، مروراً بمغامرة الخروج إلى وادي سيدنا، وصولاً إلى موقعه الحالي في قلب السلطة والحرب.

اختار البرهان أن يعود بالمستمعين إلى الأيام الأولى للحرب، حين كانت القيادة العامة محاصرة، وحين كان الخروج منها يبدو مغامرة محفوفة بالموت. وفي روايته، حضرت تلك اللحظات بوصفها جزءاً من البطولة الشخصية التي يريد تثبيتها في الذاكرة العامة؛ الجنرال المحاصر، القائد الذي ظل في موقعه، ثم خرج عبر مسالك الحرب إلى وادي سيدنا. وهي رواية تحمل، إلى جانب بعدها العسكري، رغبة واضحة في بناء صورة القائد الذي لم يغادر موقعه في اللحظة الأصعب، وأن يضع تجربته الشخصية في مركز رواية الحرب.

لكن خطاب البرهان لم يتوقف عند ساحات القتال. فقد عاد أيضاً إلى ما قبل 15 أبريل 2023، إلى السياسة التي صنعت تحالفات الأمس وخصومات اليوم. استعاد مرحلة تحالف الحرية والتغيير، ثم التحالفات التي تشكلت بعد سقوط نظام عمر البشير، وصولاً إلى تحالف «تقدم»، مستعيداً وقائع ومواقف قال إنها جرت خلف الأبواب المغلقة، ومتهماً قيادات سياسية كانت بالأمس حليفة له بمحاولات للانفراد بالسلطة أو تقاسمها بعيداً عن الآخرين.

وفي حديثه عن تلك القيادات، لم يكتفِ الجنرال بالإشارة إلى الخلاف السياسي، بل استخدم لغة قاسية، محمّلاً إياها مسؤولية ما آلت إليه البلاد، واصفاً إياها بأنها كانت تتهافت على وليمة السلطة، وسارداً، بحسب روايته، سيناريوهات متعددة طُرحت للانفراد معه بالسلطة. وهنا انتقل الخطاب من رواية عسكرية إلى محاكمة سياسية متأخرة لحلفاء الأمس، في محاولة لإعادة ترتيب الوقائع التي سبقت الحرب، ووضعها في سياق يخدم الرواية التي تتشكل اليوم داخل معسكر السلطة والحرب.

غير أن رواية الجنرال لم تمر بلا رد. فقد انبرت قيادات من الحرية والتغيير لتكذيب ما ورد في خطابه، ورفضت روايته للأحداث، وحمّلته مسؤولية تقديم صورة مجتزأة أو غير صحيحة عن الوقائع السياسية السابقة للحرب. وهكذا تحولت الذاكرة السياسية مرة أخرى إلى ساحة معركة، تتواجه فيها روايات متناقضة، لكل طرف فيها شهوده ووثائقه وذاكرته الخاصة، بينما يغيب، في أغلب الأحيان، التحقيق المستقل الذي يستطيع أن يضع الوقائع أمام السودانيين كما حدثت، لا كما تريد الأطراف المتحاربة أن يتذكرها الناس.

المفارقة أن هذا السجال يجري بعد ما يقارب أربع سنوات من الحرب، وهي سنوات لم تعد فيها الحرب مجرد مواجهة بين قوتين عسكريتين. لقد أصبحت جرحاً مفتوحاً في جسد المجتمع السوداني، تركت ملايين النازحين واللاجئين، ودمرت مدناً وقرى، ومزقت الأسر، وأضعفت مؤسسات الدولة، ودفعت أجيالاً كاملة إلى العيش في الخوف والفقر وفقدان المستقبل.

في هذه اللحظة تحديداً، تبدو الأسئلة التي ينتظرها السودانيون من قادتهم مختلفة تماماً عن الأسئلة التي تستحضرها خطابات البطولة الشخصية. المواطن الذي ترك منزله لا يريد فقط أن يعرف كيف خرج الجنرال من القيادة؛ يريد أن يعرف متى يستطيع العودة إلى بيته. والأم التي فقدت أبناءها لا تبحث عن تفاصيل المغامرة العسكرية بقدر ما تبحث عن معنى للعدالة. والنازح الذي يعيش في مركز إيواء أو في بيت مستعار يريد أن يعرف متى تتوقف الحرب، ومن يعيد إليه حياته التي تبددت بين ليلة وضحاها.

أما السوداني الذي بقي في الداخل، فإنه يواجه حرباً أخرى لا تقل قسوة: حرب الأسعار، وانهيار العملة، وتراجع القدرة على شراء الغذاء والدواء، وانهيار الخدمات، وضيق فرص العمل. وفي الخارج، يعيش ملايين السودانيين بين اللجوء والاغتراب والقلق على أهلهم، وقد تحولت العودة إلى حلم مؤجل لا يعرف أحد متى يتحقق.

لهذا تبدو العودة إلى معارك السياسة القديمة، في هذا التوقيت، أقرب إلى محاولة لإعادة إنتاج الماضي بدلاً من الإجابة عن أسئلة الحاضر. فالذين كانوا حلفاء ثم أصبحوا خصوماً يمكنهم أن يتبادلوا الاتهامات إلى ما لا نهاية، لكن ذلك لن يعيد مدينة مدمرة، ولن يفتح مدرسة مغلقة، ولن يعيد نازحاً إلى منزله، ولن يوقف انهيار الاقتصاد.

كما أن استعادة البطولات الشخصية لا يمكن أن تكون بديلاً عن مساءلة عامة حول الحرب نفسها: كيف بدأت؟ ولماذا استمرت؟ ومن يتحمل مسؤولية الجرائم والانتهاكات؟ ولماذا فشلت القوى السياسية والعسكرية في الوصول إلى تسوية قبل أن يتحول الصراع إلى كارثة وطنية؟ وما الذي ينبغي أن يحدث حتى لا تتحول نهاية الحرب إلى بداية حرب أخرى بأسماء جديدة وتحالفات جديدة؟

لقد أنتجت الحرب في السودان جيلاً جديداً من الروايات المتصارعة. كل طرف يريد أن يكون صاحب الحق في كتابة التاريخ، وأن يحتكر موقع الضحية أو البطل، وأن يدفع مسؤولية الكارثة إلى الطرف الآخر. لكن التاريخ الذي يُكتب وسط الدخان لا يكون بالضرورة تاريخاً مكتمل الحقيقة. وقد يكون السودان، بعد كل هذه الدماء، بحاجة إلى شيء أكبر من خطابات الانتصار والهزيمة: بحاجة إلى ذاكرة وطنية مشتركة تستطيع الاعتراف بالأخطاء، وتسمية الأشياء بأسمائها، ومحاسبة من ارتكب الجرائم، دون أن تتحول العدالة إلى انتقام سياسي.

في نهاية المطاف، لا تكمن مأساة السودان في أن الجنرال روى بطولته، ولا في أن خصومه كذبوا روايته. المأساة الأعمق أن البلاد ما زالت عالقة في دائرة يتقدم فيها السياسي والعسكري إلى منصة الخطاب، بينما يتراجع المواطن إلى آخر الصف. يتحدث القادة عن أنفسهم، وعن خصومهم، وعن مواقعهم في التاريخ، فيما يبحث الشعب عن مكان آمن ينام فيه، وعن لقمة لا تبتلعها الأسعار، وعن مدرسة يعود إليها أبناؤه، وعن مستشفى يستطيع الوصول إليه قبل أن يصبح المرض حكماً بالموت.

بعد قرابة أربع سنوات من الحرب، لم يعد السودان يحتمل أن تكون السياسة مجرد سجال بين روايات متعارضة، ولا أن تكون الحرب مناسبة لإعادة إنتاج صورة البطل الفرد. البلاد تحتاج إلى رواية أخرى؛ رواية تضع الإنسان السوداني في مركزها، وتتعامل مع الحرب بوصفها كارثة وطنية لا بطولة شخصية، ومع السلطة باعتبارها مسؤولية لا غنيمة، ومع السلام باعتباره حقاً للشعب لا منحة من المتحاربين.

وما لم يحدث ذلك، ستظل دار الضيافة تستقبل الخطب، وستظل المنصات تتبادل الاتهامات، بينما يبقى السودانيون خارج القاعات، يحملون أثقال الحرب وحدهم، وينتظرون نهايةً لا تأتي. وفي المسافة بين خطاب الجنرال ووجع المواطن، تتسع المسافة بين السياسة ووقف الحرب.

معرض الصور