تم النشر بتاريخ: ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ 16:01:15
تم التحديث: ١٢ سبتمبر ٢٠٢٦ 16:03:48

التعليم والصحة والخبز.. الحرب تضرب ثالوث الأمن الإنساني في السودان

أمير بابكر عبد الله
"تحول الحروب من نزاعات بين الدول إلى صراعات أهلية وعرقية داخل الدولة الواحدة، أدى إلى إعادة تعريف السيادة كمسؤولية تجاه المواطنين وليست كامتياز أو حصن للحكام لممارسة الانتهاكات، وفرض تحول تركيز مواثيق وآليات الأمم المتحدة بعد الحرب الباردة بشكل جذري من سيادة الدولة وحمايتها من العدوان الخارجي إلى الأمن الإنساني وحماية الأفراد من الانتهاكات الداخلية".

لعل المذكور أعلاه هو جوهر تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 1994 الذي أسهم في ترسيخ هذا التحول، عندما قدم مفهوم "الأمن الإنساني" باعتباره حماية للإنسان من الخوف والحاجة، وربط الأمن بحياة الأفراد وكرامتهم وقدرتهم على العيش في بيئة آمنة ومستقرة.

هذا بالتأكيد لا يعني إلغاء أهمية أمن الدولة، وإنما إعادة تعريف علاقته في سياق كلي مرتبط بأمن المجتمع. فالدولة القوية هي التي لديها القدرة على حماية مواطنيها وتوفير العدالة والخدمات وسيادة القانون إلى جانب قدراتها العسكرية القادرة على حماية سيادتها.

حرب السودان، وفي مسار تطورها اليومي خلال اكثر من 3 سنوات، تجاوزت منذ انطلاقتها الأولى، ولا زالت، المعارك العسكرية التقليدية بين قوتين متحاربتين إلى أزمة وجودية تمس حياة الملايين من السودانيين.

ولأنها حرب غير تقليدية، كالتي شهدتها ساحات معارك الحروب الأهلية منذ الاستقلال، فقد استهدفت أو ما استهدفت الأعيان المدنية، وصارت المدارس والمستشفيات والأسواق ودور المواطنين مواقع عسكرية يتخندق داخلها المتقاتلون. وبذلك لم يقع الإنسان فريسة للرصاص والقصف فقط وإنما بدأ يتساقط نتيجة المرض والجوع وانهيار التعليم أو "ثالوث الأمن الإنساني" بما يفوق الآن، وسيفوق مستقبلاً، الآثار المباشرة لحكم الدمار العسكري.

ليس بالخبز وحده
بل بالخبز وحده تستمر حياة الإنسان، فالخبز هو الغذاء في مفهومه الأشمل. مشهد النازحين من المناطق التي تأثرت بالحرب، وحتى الذين اضطرتهم الظروف إلى البقاء تحت وابل الرصاص والقصف، وهم يتلقون المساعدات الغذائية عبر غرف الطواريء التي ابتدعها السودانيون في ذروة الأزمة، يعد مجرد نزهة أمام تداعيات ما بعد زوال الخطر العسكري المباشر.

الآن، ولفترة قد تطول، سيواجه السودانيون حقيقة الأزمة الاقتصادية التي سببتها الحرب مدعومة بالخلل الهيكلي المزمن في بنية اقتصاد البلاد. ففي كل صباح يستيقظون وعينهم على مؤشر ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه، مثلما يتابعون بقلق نشرة الأحوال الجوية. وتعكس الأرقام الحقيقة المخيفة في صعوبة حصول الأسر على الاحتياجات الأساسية. ففي عشية اندلاع الحرب لم يتجاوز سعر صرف الدولار 560 جنيهاً في السوق الموازي بينما سجل نحو 590 جنيها في البنوك، والآن، بعد قرابة الأربع سنوات حرب يلامس سعر الصرف 7 آلاف جنيه.

لذلك الأمر فإن لا يتعلق فقط بندرة الغذاء، وإنما بالقدرة على الوصول إليه. فقد تكون السلع موجودة في السوق، لكن الأسرة التي فقدت عملها أو مصدر دخلها لا تستطيع شراءها. وهذه واحدة من أكثر نتائج الحرب تعقيداً، إذ يتحول الغذاء من حق طبيعي إلى سلعة تتوقف القدرة على الحصول عليها على الموقع الجغرافي والدخل وحركة الأسواق واستمرار المساعدات الإنسانية.

هذا الواقع، ووسط عجز كامل للسلطات الحاكمة، لا يلقي بظلاله على الغذاء وحده وإنما تنسحب تداعياته على كل الاحتياجات الضرورية للعيش بكرامة، وبالتالي على كل مقومات الأمن الإنساني الأخرى.

الصحة.. الوجه آخر للحرب
وفقاً لما أعلنته منظمة الصحة العالمية، حتى الربع الثالث للعام الجاري، فإن 37% من المرافق الصحية خرجت عن الخدمة تماماً في ولايات السودان الـ18، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 80% في مناطق النزاع المباشر. وغير استغلال المرافق الصحية مثكنات عسكرية، سجلت المنظمة 217 هجوماً مدمراً استهدف المرافق والكوادر الطبية، وقدرت وزارة الصحة السودانية الخسائر بنحو 11 مليار دولار أمريكي.

وما قاله ممثل المنظمة في السودان، د. عبد الناصر أبو بكر، أمام مجلس حقوق الإنسان في جلسته الاثنين، يمثل قمة جبل الأزمة حيث جاء وصفه بعد زيارة مستشفى الخرطوم التعليمي، اكبر مستشفيات العاصمة الحكومية، "لقد دمرت غرف العمليات، وفقدت أجهزة التصوير، وانهارت عدة أجنحة، وأصبحت مبان وأقسام بأكملها خارج الخدمة. تحتاج المباني إلى ترميم هيكلي عاجل قبل استقبال المرضى بأمان".

هذا واقع المعارك العسكرية، ولكن هنالك واقع آخر، فإذا كان الرصاص يقتل بصورة مباشرة، فإن انهيار النظام الصحي يترك الحرب تقتل بصورة أبطأ وأكثر اتساعاً. وما يزيد الأمر سوءاً، هو عدم قدرة المواطنين على الحصول الدواء والعلاج المناسب ليس بسبب ندرته ولكن لعدم القدرة على شرائه بسبب ارتفاع الأسعار مع انهيار سعر صرف العملة المحلية المستمر يومياً وتآكل مدخرات الأسر.

ما لم يقله ممثل المنظمة أن كثيراً من العاملين في الحقل الصحي في السودان غادروا البلاد، ولا يزال النزيف مستمراً، في ظل أوضاع اقتصادية لا تمثل بيئة بدرجة معقولة لمواصلة العمل. فالأزمة الصحية تكشف هشاشة الدولة وعدم قدرتها على توفير العلاج الأساسي لمواطنيها تتجاوز أزمتها نقص الخدمات إلى تراجع الثقة في مؤسساتها، وهو ما يضرب "الأمن الصحي".

"لا تعليم في وضع أليم"
كان هذا واحد من الشعارات التي يرفعها المعنيون في وجه السلطات قبل اندلاع الحرب، لمواجهة أزمة الوضع التعليمي المستفحلة، ابتداء غياب استراتيجية واضحة للتعليم وانتهاء بضعف الموارد التعليمية وضعف رواتب الأساتذة المعلمين في المراحل التعلمية المختلفة.

الآن يعاني قطاع التعليم من أزمات مضاعفة إضافية بعد أن تحولت المدارس في مناطق عديدة إلى مراكز إيواء للنازحين، بينما تعرضت مؤسسات تعليمية أخرى للنهب والتدمير أو توقفت بسبب انعدام الأمن ونزوح المعلمين والأسر.

الأمر لا يتعلق بالبيئة التعليمية وتآكل مرتبات المعلمين، يطالب المعلمين بزيادة لمرتباتهم أعلاها لا يتجاوز قيمته 50 دولاراً بسعر صرف اليوم، وإنما في مواجهة الخطر الحقيقي الذي سيواجه مستقبل السودان. ففي الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى الاستثمار في التعليم بوصفه أداة لإعادة بناء الدولة والمجتمع، تتحول الحرب إلى قوة تدفع آلاف الأطفال والشباب بعيداً عن المدارس والجامعات، وتضعهم في بيئة يزداد فيها حضور السلاح وتتراجع فيها سلطة المعرفة، وهذا يعني أن جيلاً كاملاً انقطع عن العملية التعليمية مما سيدخله في دائرة أوسع من الفقر والنزوح وعمالة الأطفال والاستقطاب المسلح، وهو ما يدخل في دائرة ضرب الأمن التعليمي.

تشير تقارير المنظمات الدولية، وعلى رأسها اليونسيف، إلى أن الحرب حمت 8 ملايين طفل من مقاعد الدراسة، وأن 30% إلى 50% من المؤسسات ومباني المدارس خرجت فعليا من العملية التعليمية. يضاف إلى ذلك سلاح الحرب الجديد الذي سيكون له تأثيره المباشر على العملية التعليمية وهو انهيار سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار الأمريكي، الذي يعاني عدم قدرة ملايين من الأسر على توفير المضروفات الأساسية لتعليم أطفالهم التي تبدأ بوجبة غذائية في اليوم ومصروفات المواصلات اليومية إلى جانب الطواريء الصحية.

إذا هو ثالوث مترابط من الخدمات التي فقدت الدولة القدرة على تأمينها، فالطفل الجائع يجد صعوبة في التعلم، والأسرة التي ينهكها المرض تفقد قدرتها على العمل والإنتاج، والفقر يدفع الأطفال إلى ترك المدارس، وانقطاع التعليم يضعف فرص الحصول على عمل مستقبلاً.

إن وقف الحرب يظل الخطوة الأولى والضرورية، لكنه ليس النهاية، فالتحدي الحقيقي يبدأ بعد صمت البنادق، في استعادة البلاد مدرسة قادرة على بناء المستقبل، ومستشفى يحمي الحياة، واقتصاداً يوفر الخبز والكرامة. فأمن الإنسان هو أساس أمن الدولة فإن فشلت الدولة في توفيره فإنها ستظل تواجه أزمة أمن حقيقية مهما امتلكت من سلاح.

معرض الصور