تم التحديث: ٩ سبتمبر ٢٠٢٦ 15:58:28
حرب السودان تُضاعف كلفة المعيشة والأجور تعجز عن ملاحقة الأسعار
مواطنون
يعيش ملايين السودانيين في المناطق الواقعة تحت سيطرة طرفي الحرب أوضاعاً إنسانية ومعيشية بالغة الصعوبة، في ظل استمرار القتال واتساع رقعة الأزمات الاقتصادية والإنسانية التي خلفتها الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. وبينما تتواصل المعارك في عدد من الجبهات، يجد المواطن نفسه أمام واقع يومي تزداد فيه كلفة الغذاء والدواء والخدمات، وتتراجع فيه القدرة الشرائية للدخل بصورة متسارعة.
وتلقي الحرب المستمرة بظلال ثقيلة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تشهد فيه العملة المحلية تراجعاً حاداً في قيمتها. وبحسب دراسة أعدها خبراء اقتصاديون، فقد فقد الجنيه السوداني نحو 40% من قيمته خلال أقل من شهر، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات، ورفع كلفة المعيشة إلى مستويات تفوق قدرة معظم الأسر على الاحتمال.
لا تقتصر الأزمة على ارتفاع الأسعار وحده، إذ تواجه الأسواق نقصاً في عدد من السلع الأساسية، نتيجة اضطراب حركة التجارة والنقل، وتضرر سلاسل الإمداد، وصعوبة انتقال البضائع بين الولايات والمناطق المختلفة. كما ساهمت الحرب في تعطيل قطاعات إنتاجية واسعة، وأضعفت مصادر الدخل، خصوصاً بالنسبة للعاملين في القطاعات الحكومية والمهن ذات الأجور الثابتة.
وفي المناطق الواقعة تحت سيطرة حركة وجيش تحرير السودان، تبدو الأوضاع الإنسانية أكثر قسوة، حيث أعلنت السلطات المحلية بصورة صريحة عن حالة المجاعة، في ظل ندرة وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان المتضررين. ويزيد استمرار المعارك من صعوبة وصول المنظمات الإنسانية والدولية إلى المناطق المتأثرة، الأمر الذي يترك أعداداً كبيرة من المدنيين أمام خيارات محدودة للحصول على الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية.
يقول مراقبون إن استمرار الحرب أدى إلى اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية المتزايدة والقدرة على الاستجابة لها، خصوصاً مع صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، وانعدام الأمن، وتراجع النشاط الاقتصادي. وتواجه الأسر السودانية، في مناطق مختلفة من البلاد، تحدياً يومياً يتمثل في توفير الحد الأدنى من الغذاء، بينما تتزايد أسعار السلع بوتيرة تفوق الزيادة في الدخول.
وفي مؤشر واضح على حجم الأزمة، كشفت دراسة حديثة أعدها المكتب الاجتماعي بلجنة المعلمين السودانيين أن تكلفة المعيشة لأسرة سودانية مكونة من خمسة أفراد، خلال شهر سبتمبر 2026، بلغت نحو 4,180,000 جنيه سوداني، بما يعادل 643 دولاراً، وفق سعر الصرف المستخدم في الدراسة. وتشمل هذه التكلفة الاحتياجات الأساسية للأسرة دون احتساب مظاهر الرفاهية، ما يعكس اتساع الفجوة بين دخل الأسر وتكلفة الحياة اليومية.
وتكشف الأرقام المتعلقة بأجور العاملين، ولا سيما المعلمين، عن فجوة أكثر وضوحاً. ووفقاً للدراسة، يبلغ متوسط راتب المعلم حالياً نحو 128,125 جنيهاً سودانياً، أي ما يعادل 19.7 دولاراً، وهو مبلغ لا يغطي سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الأساسية للأسرة.
بحسب اللجنة الاجتماعية، فإن الفارق بين راتب المعلم ومتوسط تكلفة المعيشة يبلغ نحو 4,051,875 جنيهاً شهرياً، الأمر الذي يعني أن الراتب لا يغطي سوى 3% تقريباً من الاحتياجات الضرورية. وتضع هذه الأرقام العاملين في القطاع العام أمام أوضاع اقتصادية شديدة التعقيد، إذ أصبح الراتب الشهري عاجزاً عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الغذاء والسكن والتعليم والعلاج والمواصلات.
لا تقف آثار هذا التدهور عند حدود الأسر، بل تمتد إلى المؤسسات والخدمات العامة، خصوصاً قطاع التعليم. فالمعلم الذي يعجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية يصبح أكثر عرضة للبحث عن مصادر دخل إضافية، أو ترك المهنة، أو الهجرة، وهو ما يهدد باستمرار تراجع جودة الخدمات العامة في بلد يعاني أصلاً من آثار الحرب والنزوح وتدمير البنية التحتية.
كما أن انهيار القدرة الشرائية للرواتب يهدد بتوسيع دائرة الفقر، إذ تضطر الأسر إلى تقليص الإنفاق على الغذاء والتعليم والعلاج، والاستغناء عن العديد من الاحتياجات الضرورية. ومع استمرار ارتفاع الأسعار، تتحول الزيادة في أسعار السلع إلى ضغط مباشر على الفئات محدودة الدخل، التي لا تملك أدوات لحماية مدخراتها أو الدخول في أنشطة اقتصادية قادرة على مواكبة التضخم.
وترى اللجنة الاجتماعية أن معالجة الأزمة تتطلب إجراءات عاجلة، وفي مقدمتها إعادة النظر في هيكل الأجور بما يتناسب مع الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة. وجددت اللجنة مطالبها برفع الحد الأدنى للأجور فوراً إلى 370,500 جنيه، إلى جانب إضافة علاوة طبيعة عمل بنسبة 70%، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لمساعدة العاملين على مواجهة التدهور المتسارع في قدرتهم الشرائية.
وبحسب مراقبين فإن معالجة أزمة الأجور، وفقاً للمعطيات الاقتصادية، لا يمكن فصلها عن معالجة الأسباب الأوسع للانهيار الاقتصادي. فاستقرار العملة، واستعادة الإنتاج، وتأمين طرق التجارة، وتوفير الغذاء والدواء، وإعادة تشغيل القطاعات الحيوية، كلها ملفات ترتبط بصورة مباشرة بإنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني.
ويقول الأكاديمي وأستاذ الاقتصاد بالجامعات السودانية، أمير عبد الرحمن، لـ( مواطنون) إن الواقع الحالي للأزمة الإنسانية والاقتصادية في السودان أصبح وجهين لمأساة واحدة. فكلما طال أمد الحرب، اتسعت دائرة الفقر، وتراجعت القدرة على الإنتاج، وارتفعت الأسعار، بينما تتقلص مداخيل المواطنين. وفي المقابل، يصبح الوصول إلى المساعدات أكثر صعوبة في المناطق التي تشهد القتال.
ويشير عبد الرحمن الي أن السودانيين ينتظرون حلولاً سياسية وأمنية تنهي الحرب، تبقى الأولوية العاجلة هي حماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وضمان توفر الغذاء والدواء، إلى جانب اتخاذ إجراءات اقتصادية عاجلة لحماية أصحاب الدخول المحدودة. موضحا بأن الأرقام الخاصة بتكلفة المعيشة والرواتب لا تعكس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، وإنما تكشف عن أزمة معيشية عميقة باتت تهدد قدرة ملايين السودانيين على تلبية أبسط احتياجاتهم اليومية.
