تم التحديث: ٨ سبتمبر ٢٠٢٦ 19:06:11

أطباء بلا حدود: مركز صحي في مخيم الحميدية للنازحين في زالنجي
خفض المساعدات يغلق عشرات المرافق الصحية في السودان
مواطنون
اكدت منظمة اطباء بلا حدود ان مراكزا صحية في السودان بدأت تغلق ابوابها بسبب "التخفيضات الواسعة في تمويل المساعدات الإنسانية الدولية"، ما يحرم ملايين الأشخاص من خدمات الرعاية المنقذة للحياة ويدفع المرضى إلى قطع مسافات أطول وأكثر خطورة للوصول إلى العلاج. وناشدت قادة العالم تأمين التمويل المطلوب لتوفير الرعاية الصحية الأساسية.
وقالت المنظمة، في بيان صدر اليوم الثلاثاء، إن الحرب المستمرة في السودان تدفع الاحتياجات الصحية إلى مستويات غير مسبوقة، بينما يؤدي تراجع التمويل إلى تقليص الاستجابة الإنسانية وإغلاق العيادات والمراكز الصحية التي تعتمد على الدعم الخارجي لتوفير الأدوية والخدمات الأساسية.
ودعت أطباء بلا حدود الحكومات والجهات المانحة والمؤسسات الدولية إلى حماية تمويل الخدمات الصحية الأساسية في السودان، وتوفير تمويل انتقالي مرن ومستدام للمرافق والمنظمات المهددة بالتوقف عن العمل.
وأوضحت المنظمة أن انسحاب منظمات الإغاثة وغياب التمويل والأدوية عن العيادات المحلية يجبران المرضى على البحث عن العلاج في عدد محدود من المرافق التي لا تزال تعمل، ما يزيد الضغط عليها ويدفعها إلى حافة قدرتها الاستيعابية.
وبين يناير وأبريل 2026، ارتفع عدد حالات الدخول إلى المرافق التي تدعمها أطباء بلا حدود في زالنجي وروكرو بوسط دارفور بنسبة 22.5 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وتفاقم الوضع في مايو، عندما توقف 45 مركزا للرعاية الصحية العامة في وسط دارفور عن تلقي الدعم بعد عجز المنظمة التي كانت توفر الموارد عن تأمين التمويل اللازم.
وقال محمد إبراهيم، رئيس بعثة أطباء بلا حدود في السودان "الحرب تدفع الاحتياجات في السودان إلى الأمام، بينما تؤدي تخفيضات التمويل إلى تقليص الاستجابة".
وأضاف أن تمويل أطباء بلا حدود في السودان يعتمد على مصادر خاصة، لكن عندما يتوقف تمويل الخدمات الصحية الأخرى "تغلق العيادات، ويجد المرضى أماكن أقل للذهاب إليها، ويتحول الضغط إلى المرافق التي لا تزال تعمل، بما فيها مرافقنا".
إغلاق المرافق يضاعف معاناة المرضى
في مخيم الطنيدبة بولاية القضارف، الذي يستضيف نحو 18,400 لاجئ، أدى انسحاب منظمة إنسانية بشكل مفاجئ في يونيو إلى إغلاق قسمي الولادة والجراحة في المخيم. وأصبحت النساء الحوامل اللواتي يحتجن إلى عمليات قيصرية مضطرات إلى قطع رحلة تستغرق نحو ثلاث ساعات للوصول إلى أقرب مدينة. وتدخلت أطباء بلا حدود لتشغيل قسم الطوارئ في المخيم حتى نهاية عام 2026.
وفي مخيم أم راكوبة بولاية القضارف، كان نحو 35 منظمة إغاثة تعمل في المخيم وحوله عام 2021، بينما لم يتبق اليوم سوى أقل من 10 منظمات. ويستضيف المخيم حاليا نحو 17 ألف لاجئ، معظمهم من النساء والأطفال.
وقال فابريتسيو لوكاتورالو، مدير الشؤون الإنسانية في أطباء بلا حدود، إن مستشفى المنظمة في أم راكوبة أصبح "شريان الحياة الوحيد" للاجئين والمجتمع السوداني المحلي، محذرا في الوقت نفسه من أن التخفيضات لا تقتصر على الرعاية الصحية، بل تشمل أيضا تقلص الحصص الغذائية وتفكيك برامج الحماية، ما يزيل شبكات الأمان المتبقية أمام اللاجئين.
تقليص التمويل الدولي
وأشارت أطباء بلا حدود إلى أن قرار الحكومة الأمريكية إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في عام 2025 أدى إلى انتهاء منح العديد من المنظمات العاملة في السودان في يونيو 2026. ورغم استمرار الولايات المتحدة في كونها أكبر مانح للسودان، من خلال تمويل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) ومنظمات أخرى، فإن العديد من مقدمي الخدمات الصحية لم يتمكنوا من العثور على مصادر بديلة للتمويل، ما أدى إلى إغلاق مرافق صحية.
وتزامن ذلك مع خفض عدد من الحكومات الأوروبية مساعداتها للسودان، في وقت تتقلص فيه ميزانيات المساعدات الأوروبية ومتعددة الأطراف على المستوى العالمي.
وبحسب بيانات أولية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تراجع حجم المساعدات المقدمة من مؤسسات الاتحاد الأوروبي بنسبة 13.8 في المئة خلال عام 2025، بينما خفض عدد من كبار المانحين الأوروبيين إنفاقهم على المساعدات بشكل عام.
وعلى المستوى العالمي، تراجعت المساعدات الإنسانية بنسبة 35.8 في المئة. وقالت أطباء بلا حدود إن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة حجم التخفيضات الخاصة بالسودان، إذ حافظ بعض المانحين الأوروبيين على دعمهم أو زادوه، لكنها تعكس في المقابل بيئة تمويل دولية آخذة في الانكماش، وهو ما يزيد من حدة الأزمة الصحية في السودان.
وقال سيباستيان ترافيكانتي، منسق الطوارئ في أطباء بلا حدود في دارفور، ان "إغلاق عيادة لا يلغي مريضا واحدا، بل يرسله إلى المرفق التالي".
وأوضح أن المرضى، بعد رحلة أطول وأكثر تكلفة، يصلون غالبا في حالة صحية أكثر خطورة، وقد يجدون المستشفى ممتلئا بالفعل، مؤكدا أن أطباء بلا حدود تستطيع دعم بعض الخدمات، لكنها "لا تستطيع استيعاب كل حالة إغلاق".
ارتفاع سوء التغذية والأوبئة
وفي مخيم الحميدية للنازحين بوسط دارفور، يعمل مركز صحي كان يقدم خدمات الأمومة وطب الأطفال والصحة النفسية الآن بقدرة محدودة للغاية، بعد أن أنهت منظمة إغاثة دولية دعمها للمركز.
وانخفض عدد الزيارات اليومية من نحو 200 مريض إلى 40 فقط، بينما توقفت خدمات التطعيم. وقالت أطباء بلا حدود إن هذا الانخفاض لا يعني أن السكان أصبحوا أكثر صحة، وإنما يعكس عزوفهم عن قطع المسافة إلى مركز لم يعد قادرا على تقديم الخدمات التي يحتاجون إليها.
وفي طويلة، حيث توجد نحو 50 منظمة غير حكومية، لا تزال هناك فجوات كبيرة في الخدمات التي يحتاج إليها ما يصل إلى 600 ألف نازح. وتدير أطباء بلا حدود المستشفى الوحيد الذي يضم 200 سرير في المنطقة، كما أنها المنظمة الوحيدة القادرة على تنفيذ استجابة واسعة النطاق للأوبئة.
وأشارت المنظمة إلى ارتفاع حالات الملاريا وسوء التغذية، رغم محدودية هطول الأمطار، قبل ذروة موسم الأمطار. وفي أغسطس، استقبل مركز التغذية العلاجية التابع لها 191 طفلًا دون الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، كما ثبتت إصابة نحو 22 في المئة منهم بالملاريا.
وتأتي هذه التطورات في ظل أزمة إنسانية واسعة تعاني نقصا حادا في التمويل. ووفقا للأمم المتحدة، يُتوقع أن يعاني نحو 825 ألف طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد الوخيم، بينما واجه 19.5 مليون شخص مستويات من الجوع بلغت حد الأزمة في وقت سابق من العام.
وفي الوقت نفسه، لم تتلق خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة، البالغة 2.87 مليار دولار، سوى نحو 41 في المئة من التمويل المطلوب، فيما يُقدّر أن 37 في المئة من المرافق الصحية في السودان أصبحت خارج الخدمة بالكامل.

