تم التحديث: ٧ سبتمبر ٢٠٢٦ 00:11:39

مصدر: Farida Magazine
الصحفيات السودانيات.. لماذا لا يَقُدنَ الرسن؟
العدالة الجندرية كشرط لصحافة حرة
ينفتح السؤال عريضًا: لماذا لم تصل الصحفيات السودانيات لأي مناصب قيادية في الصحافة السودانية، إلا لِمامًا؟، برغم أن الصحافة السودانية شهِدت خلال الخمسين عاما الماضية حضورًا متناميًا للصحفيات، وسط تحدياتٍ سياسية واجتماعية جمَّة.
فمنذ سبعينيات القرن العشرين، برزت أسماء نسائية في الصحف القومية مثل صحيفة الأيام، وصحيفة الصحافة، اقتحمت النساء خلالها مجالات التحقيق والكتابة السياسية والاجتماعية بحضور طاغٍ وتحدٍ كبير. وفي ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ومع التحولات السياسية والتبدلات الاجتماعية، خاصة بعد انقلاب السلطة لنظام قمعي واسلامي متشدد بعد انقلاب عمر البشير، واجهت الصحفيات رقابة قمعية مُفرطة ومخاطر مهنية عنيفة لحدّ كلفة عقوبة الجلد وانتهاك الجسد أمام قضاة النظام العام، لكن ذلك فتح تجليًا ثوريًا، تزامن مع صعود الإعلام الرقمي واحتجاجات الثورة السودانية، فلعبت الصحفيات دورًا بارزًا في التغطية وكسر الصمت حول قضايا المرأة وحقوق النساء والإنسان، مثبتات حضورًا مهنيًا مؤثرًا في المشهد الإعلامي وتثويرًا للمشهد النسائي برُمته، من منصات واعية لم تأخذها الصحافة وناشريها على محمل الجد، فبنظرة لواقع الصحافة الورقية خلال الثلاثة عقود المنصرمة ـ قبل تمدد الصحافة الرقمية، لاحقًا، نلحظ غياب قياداتٍ نسوية على مستوى هيئات التحرير، أو داخل غرف الأخبار، أو مطابخ التقارير والصفحات المتخصصة، حيث يطغى حضور الصحفيين الرجال على معظم المؤسسات الصحفية، فأين تكمن الازمة، ومن أين امتدت جذورها، وكيف نتخيل مؤسسات صحفية تدعم وتشجع وجود صحفيات في مواقع قيادةِ فيها؟
ليس الإقصاء المتعمد وحده
ترى الدكتورة ناهد محمد الحسن، وهي كاتبة ومتخصصة في الطب النفسي، أن الموضوع كبير ومعقد، عند النظر بعمق إلى واقع المؤسسات الصحفية السودانية خلال العقود الأربعة الماضية، لا يمكن اختزال غياب النساء من غرف الأخبار ومراكز اتخاذ القرار في سبب واحد، ولا في فكرة “الإقصاء المتعمد” وحدها. فالأزمة أكثر تعقيدًا. تتقاطع فيها بنية الصحافة نفسها مع البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية التي نشأت داخلها، فالصحافة، بطبيعتها، فعل شاق ومصادم: ساعات عمل غير منتظمة، ضغط نفسي عالٍ، مواجهة دائمة مع السلطة، ومخاطر مهنية وأمنية، خصوصًا في سياق سوداني اتسم بالاستبداد والحروب والانقلابات. “هذه الطبيعة القاسية لم تكن محايدة اجتماعيًا، فقد جرى تاريخيًا تحميل النساء أعباء إضافية: الرعاية، الأسرة، السلامة الشخصية، والسمعة الاجتماعية. وهنا لا نتحدث عن “ضعف” فردي، بل عن توزيع غير عادل للمخاطر والأدوار”.
تقول د. ناهد في حديث مع “مجلة فريدة النسوية”، وتُضيف: “من منظور علم الاجتماع، فإن غرف الأخبار لم تكن معزولة عن الثقافة الذكورية العامة، حيث يُنظر إلى القيادة، والمواجهة، والظهور العام، بوصفها صفات “رجالية”، بينما يُدفع بالنساء ـ حتى حين يُعترف بكفاءتهن ـ إلى الأدوار الهامشية أو غير المرئية. ومع الوقت، تتحول هذه القوالب إلى ما يشبه “الاختيار القسري”: لا لأن النساء غير قادرات، بل لأن تكلفة الاستمرار أعلى عليهن نفسيًا واجتماعيًا”.
وتذهب للإشارة أنه من منظور علم النفس، يمكن الحديث عن الإرهاق المزمن والاحتراق النفسي، وعن أثر العمل في بيئات لا تعترف بالاختلاف ولا توفر دعمًا مؤسسيًا. فكثير من الصحفيات انسحبن بصمت، لا لعجز مهني، بل لحماية الذات. وهنا يظهر ما يسميه باولو فريري بـ “تربية المقهورين”: حين تُعاد إنتاج علاقات القوة داخل المهنة نفسها، فيتعلم المقهور ـ رجلاً كان أو امرأة ـ استراتيجيات النجاة بدل التغيير.
ومع ذلك، تقول د. ناهد “من الظلم البالغ القول إن النساء كن غائبات. على العكس، التاريخ الصحفي السوداني ذاخر بصحفيات وكاتبات وضعن أقلامهن في خدمة العدالة والحرية والديمقراطية، وكتبن في ظروف أشد قسوة من اليوم. نذكر هنا، لا على سبيل الحصر: مديحة عبد الله، صباح آدم، آمال عباس، شمائل النور، درة قمبو، أمل هباني، وغيرهن كثيرات ممن حملن الصحافة كرسالة أخلاقية لا كمهنة فقط”.
وتضيف أن هناك تجارب معاصرة مهمة تعيد تشكيل المشهد، من بينها صحف ومبادرات تقودها نساء في مواقع القرار. “شخصيًا، اخترت دعم صحيفة ترأس تحريرها مناضلة شرسة مثل الأستاذة رشا عوض، وتدير تحريرها إعلامية قديرة مثل أمل محمد الحسن، ليس بدافع المجاملة، بل إيمانًا بأن وجود النساء في القيادة يغيّر ثقافة المؤسسة لا صورتها فقط”.
وتُقدر أن مستقبل النساء في الصحافة السودانية، مرهون بتحولات ثلاث أساسية: أولًا، إعادة تعريف الصحافة كعمل جماعي إنساني، لا كبطولة فردية مرهقة. وثانيًا، بناء مؤسسات تحمي العاملات والعاملين فيها نفسيًا ومهنيًا، وتكسر نموذج الاستنزاف. وثالثًا، الاعتراف بأن العدالة الجندرية ليست قضية النساء وحدهنّ، بل شرط أساسي لصحافة حرة قادرة على مُساءلة السلطة وخدمة المجتمع. “فالصحافة التي تُقصي النساء، أو تُرهقهن حتى الانسحاب، هي صحافة تُفقِر نفسها معرفيًا وأخلاقيًا. أما الصحافة التي تتسع لاختلاف الخبرات، فهي الأقدر على رواية الحقيقة كاملة”.
في دورة اتحاد جامعة الخرطوم للعام (2003 – 2004)، تشكلت هيئة تحرير صحيفة اتحاد جامعة الخرطوم، فقط، من أسماء كلها من الذكور، وللمفارقة، فإن قيادات الاتحاد في ذلك الوقت هم أنفسهم قيادات الفترة الانتقالية (2019 – 2021)، وهي الحقبة التي أعقبت ثورة ضخمة شاركت فيها النساء والفتيات السودانيات بصورة ملحوظة وبنسبة بلغت -وفق بعض التقديرات- أكثر من 50%، وأسهمن بجدية وعزم في صناعة مواكبها وإعلامها وتثبيت أركان الثورة وسط قمع اجتماعي وسلطوي عنيف، ومع ذلك لم تحظ النساء بمشاركة واسعة ومطلوبة في صناعة القرار السياسي، وعُدن مرة أخرى لدائرة التهميش والعزل والنكران، ما يشي أن عبارة “قوى ديمقراطية واستنارة” هي مجرد اكليشهات وشعارات لزوم الدعاية الانتخابية، أو مجرد مضمضة لفظية.
يقول الكاتب راشد بخيت في حديثه إلى “مجلة فريدة النسوية”، إن هنالك تفاوت وسمة عامة مسيطرة وبارزة، هي الغياب شبه الكامل للنساء في قيادة المؤسسات الصحفية. ويسوق مثلًا بالفترة المؤقتة حين ترأست أمل هباني تحرير صحيفة الجريدة في مرحلتها الأولى. لفترة مؤقتة، ومستشهدًا بـ”غياب إصدارتنا الصحفية الطلابية، وهيئات تحريرها المختلفة من النساء، حتى في المستويات الوظيفية غير القيادية”.
ويضيف أن البيئة الصحفية السودانية طاردة بشكل عام وطاردة للنساء بشكل أكبر، فهي بيئة ذكورية بحتة وبها حوادث تحرش متكررة ولا تدر المال بالقدر الكافي. “تفضل معظم النساء العمل ككاتبات رأي أكثر من الانخراط اليومي في العمل الصحفي المباشر، مثل التحقيقات والحوارات الصحفية والأخبار، وهنالك عادة مرذولة تُطابق بين النساء وقسم المنوعات، لكن هذا لا يمنع من وجود أسماء لامعة ومهنية هنا وهناك”.
ويقول إن آمال عباس وبخيتة حسن أمين ربما هنَّ رائدات في هذا المجال، لكنك لن تجد في فترتهما نساء بذات الصيت، فالصحافة السودانية نفسها ليست صناعة منتشرة وواسعة، لكن رغم محدوديتها هذه لم تقدم أصوات نسائية داخلية كثيرة، وعلى العكس من ذلك تجد نساء صحفيات سودانيات ناجحات في الخارج، زينب البدوي، رشا كشان، نهلة طاهر، وغيرهن كثر، خصوصًا من أجيال جديدة.
هذا الأمر، يقول بخيت، دليل على أن البيئة السودانية الصحفية هي البيئة الطاردة وغير الباعثة على النمو والتطور والتدريب، خصوصًا إذا لم يقدم سلم الترقيات الطبيعي رئيسة أو مديرة للتحرير. “أظن أن الأجور المتدنية والبيئة الذكورية وساعات العمل غير المحددة للعمل الصحفي أيضًا لا يناسب النساء، وتجدهن يفضلن الصحافة المرئية والمسموعة أكثر، وهذا واقع يجعل من الاستمرارية الطويلة في العمل أمرًا نادرًا، ولا تستطيعه معظم النساء”.
مصدر: Wikimedia Commons
خلل بنيوي
بحسب مسح شمل 17 مؤسسة إعلامية أجراه مركز الألق للخدمات الصحفية في أكتوبر 2024، فإن سيدتين فقط تنسمتا رئاسة التحرير من أصل 17 مؤسسة إعلامية سودانية، ووفقا للمركز الذي نشر نتائج دراسته في العاصمة اليوغندية كمبالا، تحت عنوان “تأثير النساء في مسار السلام: القيادة والتمكين الاقتصادي”، أن أكثر من 90% من المؤسسات الإعلامية السودانية تعاني من نقص كبير في التمثيل من ناحية النوع الاجتماعي داخل إداراتها، حيث لا تتجاوز نسبة النساء في الهيئات الإدارية لهذه المؤسسات 1%.
كما تُمثل الصحفيات في نقابة الصحفيين السودانيين، بحسب عضو النقابة والصحفي يوسف حمد، 50٪، بأكثر من ألف صحفية، أما في المكتب التنفيذي للنقابة فنسبة الصحفيات فيه 43٪، ما يعني 6 صحفيات منتخبات من جملة 14 يمثلون المكتب التنفيذي.
ويقول حمد إذا كانت ثمة مشكل فإن الحل يكمن في تغيير بنية الممارسة السياسية في الدولة، من أولها حتى آخرها. “هذه المهنة ذات صلة بالسياسة في أعنف مستوياتها، لذلك ليس من السهل جعلها جاذبة للنساء عبر تشريعات نقابية أو إدارية. وحتى الآن، تعمل نقابة الصحفيين على حفظ حقوق الصحفيات وحمايتهن، وأنشأت لذلك سكرتارية خاصة، ربما هي الأولى على مستوى النقابات العربية الشبيهة. “لكن هذا وحده لا يحل المشكلة”.
يضيف يوسف حمد ويقول: “صحيح. قد يلاحظ الباحث زيادة في أعداد الذكور المنخرطين في احتراف الصحافة السودانية مقارنة بالنساء، وربما هذا الواقع لا يخص السودان وحده، إنما كل الصحافة المكتوبة في اللغة العربية. هذا الواقع لا يمكن تسميته بالهيمنة الذكورية، على الأقل، في دلالة التسمية التجريمية، بل تستحق توصيفًا آخر يساعد على تفسيرها وحلها متى ما نظرنا إليها باعتبارها مشكلة. وإجمالًا، كانت الغلبة للصحفيين الذكور لأن ممارسة المهنة في السنوات الأربعين الماضية كانت قاسية ومليئة بالإشكالات فضلًا عن أنّ الصحافة كانت خليطًا مُربكًا من الممارسة المهنية والموقف السياسي، وربما هذه الوضعية لم تكن جاذبة، أو منفرة للنساء”.
بدوره يرى الصحفي علاء الدين محمود أنه على الرغم من زيادة العناصر النسائية بنسب كبيرة جدًا، إلا أن التدرج الطبيعي في المؤسسات الصحفية ظل يتجاوز تلك الحقائق لمصلحة الصحفيين الرجال، بل أن الكثير من الصحف تُفضل بشكل واضح ومباشر الصحفيين الرجال بمبررات واهية منها استعدادهم للتغطيات المسائية والسهرات والسفر، كما أن رواتب الصحفيات نفسها ضعيفة في العام الغالب مقارنة بالرجال الصحفيين.
ويقول إن التشريعات لا تستطيع أن تقدم حلولًا بقدر ما هي عملية إبراء ذمة، حيث من الممكن التحايل عليها. هناك مشكلة في الوعي وحاجة للثورة على الطرق القديمة في التفكير، ومن المهم أن يكون الترقي الطبيعي من داخل صالة التحرير هو الأصل وليس تفضيلات رؤساء التحرير حيث إن الشللية والنظرة الضيقة هي التي تسود في الصحف، واختيار العناصر القيادية يخضع للمزاجية والعلاقات حتى في اختيار النساء، فمن غير المعقول أن تأتي بمديرة تحرير أو رئيسة تحرير هي في الأصل كاتبة وليست محررة، ذلك يضر ببقية الصحفيات، وكذا الحال بالنسبة للصحفيين الرجال.
ويضيف محمود في حديثه إلى “مجلة فريدة النسوية”: “من المهم التوسع في عملية تأسيس الصحف سواء الورقية أو الإلكترونية بواسطة الصحفيين والصحفيات أنفسهم، اذ أن ملكية معظم الصحف لرجال أعمال من الناشرين أضرت كثيرًا بمؤسسية العمل الصحفي، وزاد الطين بللًا ظهور الصحف المدعومة بواسطة المنظمات الأجنبية والتي تضر بحرية الصحافة ومفهومها وبالمؤسسية من حيث إن العناصر الصحفية تُختار وتترقى بالمزاجية”.
البحث عن فرص عادلة
تعود الصحفية ندى رمضان، بأزمة الصحفيات السودانيات للعسف الذي واجهته النساء إبان تكوين الحكومة الانتقالية (حكومة الثورة) حيث واجهت النساء والأجسام النسوية إقصاءً متعمدًا وتم استبعادهن من قوائم الترشيحات، دون مبررات واضحة من جهة أحزابهن وتنظيماتهن السياسية. وتقترح، لمناهضة التمييز تجاه الصحفيات، ضرورة وجود سياسات تمنع التمييز داخل المؤسسات الصحفية وأن تُتاح لهنَّ فرص عادلة في الترقي الوظيفي والتدريب. فوجود نساء في مواقع صنع القرار الإعلامي مهم جدًا.
تقول ندى في حديثها إلى “مجلة فريدة النسوية”: “ما يحدث للصحفيات من إقصاء وتمييز نوعي داخل المؤسسات الصحفية، يعكس الحاجة الملحة إلى تغييرات جذرية في كيفية التعامل مع الصحفيات السودانيات، لضمان حقوقهن في بيئة عمل عادلة”. وتطالب بإزالة كل العقبات والعوائق التي تؤثر على تطوير قدراتهن المهنية والحقوقية، سواًء داخل المؤسسات الصحفية أو في الفضاء العام أو الخاص.
وترى سكرتيرة الحريات بنقابة الصحفيين/ات السودانيين إيمان فضل السيد، أن الهيمنة الذكورية ليست في قطاع الصحافة وحده، فهي شاملة، وتنعكس على كل مناحي المجتمع. تقول فضل السيد في حديثها إلى “مجلة فريدة النسوية” أن قطاع الصحافة به صحفيات وصلن لمناصب قيادية، وهي محدودة، لا تتناسب طرديًّا مع نسبة الصحفيات العاملات في المجال الصحفي، وهي ترتبط بعدة عوامل منها إتاحة الفرص وفق الكفاءة والمؤهل. فغياب تصنيفات الأسس والمعايير أدى إلى هذه الأوضاع الشائهة. بالإضافة إلى عامل العلاقات المتحكمة في التوظيف، والنظرة التقليدية للمرأة، والمشكلات الاجتماعية الأخرى المرتبطة بوضع المرأة العاملة، والأعباء المتزايدة في المنزل والحياة الزوجية والأمومة. واصفةً إيَّاها بالمُجحفة في حق الصحفيات.
ما فعلته الحرب
ترى الصحفية ورئيسة التحرير السابقة صباح آدم أن هنالك معلومة لابد من ذكرها، وهي أن المجلس القومي للصحافة والمطبوعات لديه احصائية مهمة في العام ٢٠١٩، تُشير لأن الصحفيات السودانيات يُشكلن نسبة ٦٠% من العدد الكلي للعاملين المسجلين بالصحافة السودانية، وظهرت نسبة مماثلة في إحصائية لاحقة لنقابة الصحفيين السودانيين.
هذه المعلومة، تقول صباح، تؤكد التفوق العددي للصحفيات، لكن عندما ننظر للصحفيات في مواقع اتخاذ القرار والقيادات الصحفية، نجد بأن العدد ضئيل جدًا مقارنة بالنسبة الكبيرة لتواجدهن القديم في المهنة لأكثر من ثلاثة عقود، خاصة الخريجات من الكليات المتخصصة في الصحافة والاعلام، وتواجدهن بشغف في جميع الأقسام الصحفية، خاصة الرياضة.
“هذه النسبة الكبيرة، وهذا الشغف، كان يجب أن يُكلل بتواجدهن على مستوى رئاسة التحرير، وعلى مستوى مدراء تحرير، ورؤساء الأقسام المختلفة، فقبل ٢٠١٩، نجد أن عدد رئيسات التحرير بسيط جدًا، اثنان فقط”. تقول لنا ومن ثم تتابع: “في العام ٢٠٢٤ أجرى مركز الألق للخدمات الصحفية دراسة حول تداول قضايا النساء في الاعلام الاجتماعي، ومن ضمن أسئلة الدراسة أسئلة حول قضايا النساء في المؤسسات الصحفية، وكيفية النظر اليها، وهل وجود النساء في المؤسسة الصحفية يجعل من قضايا النساء أولوية. فوجدنا أنه ما زال العدد القيادي اثنين فقط، ونفس العدد في مراكز مدراء التحرير، ورئاسة الأقسام أغلبها رجال خاصة أقسام الاخبار، فرغم التأهيل والعدد الكبير للصحفيات، ورغبتهن وقدراتهن في العمل والسبق الصحفي، لكنهن للأسف غير موجودات في كل مراكز القيادة المهيمن عليها ذكوريًا”.
بدا هذا الوضع، بالنسبة لصباح آدم، قائمًا قبل الحرب واستمر لما بعد الحرب، حيث ازدادت أوضاع الصحفيات تعقيدًا، وصارت أسوأ مما هو عليه من قبل الحرب، لأنهن، تقول، أصبحن يقعن تحت طائلة العنف، كنساء في المقام الأول، وكصحفيات ثانيًا. منذ اندلاع الحرب، كنوع، ومهنة، أصبحت الصحفية رهينة قرارات الأسرة في النزوح واللجوء، مما قلل فرص تواجدها في المؤسسة الصحفية مثلها مثل الرجل. لجأن مع أسرهن، وتم تقييد حركتهن، جراء حوادث العنف والاغتصاب، ومخاوف الأسر من الوصمة، فأصبحت الصحفية غير قادرة على أداء دورها الصحفي، فأصبحن غير قادرات على الاستمرار في مؤسساتهن، وتم تقليص العدد خصمًا عليهن، فالدمار الذي لحق بالصحافة المطبوعة كان أثره المباشر على الصحفيات، فغابت عنهن خدمات الانترنت للحاق بركب الصحافة الإلكترونية، وعدم توفر الأجهزة والمعينات الجديدة للعمل، فصرن ضحايا العمل والترقي.
“فعلى الرغم من تواجد بعضهن كمراسلات ناجحات، ومحررات في غرف الاخبار، لكن لا يمكن القياس على ذلك، مقابل العدد الكبير منهن، لاختلاف الظروف الاقتصادية، وفرص تطوير نفسهن، فهو نموذج لكن لا يمكن اعتباره قياسًا حقيقيًا”.
وتضيف في حديثها لـ”مجلة فريدة النسوية”: “أما الحديث عن العقبات فأولها وصايا الذهنية الذكورية المهيمنة على المؤسسة الصحفية، وامتيازات العمل في مناطق النزاع، مما يقلل من فرص عملهن، واختبار قدراتهن، وهذا موجود على مستوى العالم، وجود الصحفية في النقاط السخنة ومناطق النزاع خطير. ثانيًا ظهور العنف بعد الحرب، وعملهن دون هوية، في مراكز النزوح، وصعوبة العمل لحماية أنفسهن وأسرهن، بالإضافة لغياب فرص تدريب وتأهيل الصحفيات السودانيات، رغم وجود فرص لهن مع منظمات المجتمع المدني والدولي مما ساعدهن في رفع قدراتهن في الاهتمام بحقوق الإنسان وحقوق النساء، لكنها فرص قليلة، ومن ثم فإن الأوضاع الاقتصادية. أصبحت المهنة طاردة لقلة الأجور، فتركن المهنة، وكثيرات منهن كن مؤهلات للقيادة، أيضًا الزواج وتكوين الأسرة ومواجهتها للضغوط الاجتماعية والاقتصادية، اقعدها في غياب دور المؤسسة عن تقديم حقوق كالرعاية والإجازات، فأصبحت تعاني بفقدها للحماية الاجتماعية والمؤسسية”.
نقلا عن Farida Magazine



