تم النشر بتاريخ: ٥ سبتمبر ٢٠٢٦ 12:15:36
تم التحديث: ٥ سبتمبر ٢٠٢٦ 12:35:43

الفأل للإغاثة… حين يكون السودان كلّه في القلب

<p>تقرير د. إشراقة مصطفى حامد</p>

تقرير د. إشراقة مصطفى حامد

رغم قِصر المدة الزمنية التي مضت على تأسيس منظمة الفأل للإغاثة والتنمية بالعاصمة النمساوية فيينا، وذلك بعد ثمانية اشهر من إندلاع الحرب في السودان، إلا أنها قدّمت ما يجعل القلب يطمئن إلى معنى التضامن، و معنى الفأل.

بهمةٍ عالية وقوة إرادة، بدأ فريق منظمة الفأل في فيينا، برئاسة الدكتور عبدالله الطيب، العمل بجدية وإخلاص. وفي زمنٍ وجيز، استطاعوا أن يغطّوا أغلبية بقاع السودان، وأن يجعلوا من الوطن كله بوصلةً لوعيهم ووجهتهم.

عرفوا أن بلادنا كلها في القلب، وأن ما يصيب الغرب يهدُّ حيل الشرق، ويذر الدموع في مآقي الشمال، ويمتد وجعه إلى قلب الجزيرة. فالسودان، في وجدانهم، وطنٌ واحد؛ إذا ألمَّ الوجع بجزءٍ منه، تألم له جسد البلاد كله.

وهكذا مضوا يحملون رسالة الإغاثة، ويجسّدون معنى التضامن بالفعل، مؤمنين بأن السودان، في محنته، يحتاج إلى قلوبٍ تعرف أن الوطن لا يتجزأ، وأن الفأل الحقيقي هو أن نكون معاً حين تشتد المحن. ويعبّر معنى اسم الفأل عن روح المنظمة ورؤيتها؛ فالفأل هو استشراف الخير والأمل وسط الظروف الصعبة، وترجمة ذلك إلى عملٍ ملموس. ومن هذا المنطلق، سعت المنظمة منذ اندلاع الحرب إلى إيصال الإغاثة إلى أكبر قدر ممكن من المناطق المتضررة، والعمل وفق الإمكانات المتاحة للاستجابة للاحتياجات الإنسانية المتزايدة.

من المهم القاء الضوء على مايقومون به، ككاتبة واعلامية عرفت عملهم عن قرب، كان واجبي القاء الضوء على مايقومون به ويسهرون ليلاً ونهاراً لأجل أن تصل الفأل في كل من تعشم فيها، لم يتركون الصغار دون فرحة الأعياد ولا سند الأهل وهم يواجهون صلف الحرب وانياب الجوع.

الإغاثة… من الغذاء إلى الصحة، وعلى امتداد السودان
اضاءات إفادة د. عبدالله الطيب طبيعة عمل المنظمة في السودان بعد اندلاع الحرب، و المناطق التي تمكنت الفأل من الوصول إليها فعلياً إذ اتجهت منظمة الفأل للإغاثة والتنمية إلى تكثيف جهودها في المجال الإغاثي، استجابةً للاحتياجات الإنسانية المتزايدة التي فرضتها الحرب، سواء داخل السودان أو في دول الجوار. وتركز عمل المنظمة بصورة أساسية على إطعام النازحين واللاجئين، من خلال تقديم الوجبات المطبوخة في المخيمات والمعسكرات والمناطق المكتظة بالنازحين، إلى جانب توزيع السلال الغذائية في بعض المناطق المستقرة.

وفي مجال الإيواء، عملت المنظمة على توفير الخيام والمشمعات للأسر المتضررة من الأمطار والسيول، خاصة في الولاية الشمالية وولاية النيل الأبيض. كما أولت اهتماماً بالكساء والحماية من البرد، فقدمت الملابس والأغطية للنازحين من مدينة الفاشر في منطقة الدبة بالولاية الشمالية، ومعسكر قولو بمنطقة جبل مرة، ومنطقة كساب بولاية شمال دارفور، إضافة إلى دعم اللاجئين السودانيين في معسكري أدري وجبل بشرق تشاد.

وفي المجال الصحي، قدمت المنظمة دعماً طبياً لمستشفى النو بأم درمان، كما ساهمت في توفير أجهزة ومعدات طبية ضرورية لـ17 مستشفى ومركزاً صحياً في 11 ولاية.

على امتداد هذه الجهود، تمكنت منظمة الفأل من إيصال مساعداتها إلى معظم ولايات السودان، باستثناء ولاية شرق دارفور، التي تعذر الوصول إليها بسبب الظروف الأمنية وصعوبة الوصول. كما امتد عملها إلى اللاجئين السودانيين في شرق تشاد، ليشمل بذلك نطاق الاستجابة الإنسانية جابناً من احتياجات السودانيين خارج حدود الوطن أيضاً.

من التخطيط إلى الوصول… تحديات الإغاثة في مناطق الحرب
تعتمد منظمة الفأل في إيصال مساعداتها إلى المناطق المتأثرة بالحرب على آلية تبدأ بتحديد المنطقة المستهدفة، وحجم الاحتياج فيها، واسم المندوب المسؤول عن تنفيذ المهمة. وبعد ذلك يتم تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية إلى شريك المنظمة داخل السودان، منظمة حاضرين، ليتولى المندوب تنفيذ المهمة وفق الخطة المحددة، إذ يقوم المندوب بشراء المواد المطلوبة أو تنظيم عملية الإطعام وتوزيع المساعدات، بحسب طبيعة الاحتياج في المنطقة المستهدفة. ويعمل جميع مناديب منظمة الفأل وأعضاء مجلس إدارتها بصفة تطوعية، انطلاقاً من إيمانهم برسالة المنظمة ودورها الإنساني.

غير أن إيصال الإغاثة إلى المناطق المتأثرة بالحرب يواجه تحديات عديدة، في مقدمتها صعوبة الحصول على السيولة النقدية، نتيجة توقف معظم فروع البنوك في تلك المناطق. ويضطر المناديب، في بعض الأحيان، إلى الاستعانة بالتجار لتوفير النقد، مقابل عمولات قد تصل إلى ثلاثين في المئة من قيمة المبلغ، وهو ما يشكل عبئاً إضافياً على جهود الإغاثة. وتضاف إلى ذلك تحديات أخرى تفرضها الأوضاع الأمنية، وصعوبة الحركة والتنقل، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار السلع وتكاليف النقل، وهي عوامل تجعل إيصال الإغاثة إلى مستحقيها مهمة شاقة تتطلب قدراً كبيراً من المرونة والجهد، خصوصاً في المناطق التي تشتد فيها وطأة الحرب.

النساء والأطفال… أولوية في زمن الحرب، وخطوة نحو التعافي
تركز منظمة الفأل حالياً على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية العاجلة، مع اهتمام خاص بالنساء والأطفال، باعتبارهم من أكثر الفئات التي تضررت من الحرب والنزوح.

ومن بين المبادرات التي تحرص المنظمة على تنفيذها سنوياً، تأتي حملة (فرحة العيد) والتي تهدف إلى توفير ملابس العيد للأطفال في مناطق النزوح والمناطق الأكثر احتياجاً. وقد شملت الحملة عدداً من المناطق، من بينها الخرطوم، والهلالية بولاية الجزيرة، وقولو بوسط دارفور، وكساب بولاية شمال دارفور، إلى جانب معسكري أدري وجبل في تشاد.

كما تقدمت المنظمة بمشروع إلى UN Women – Geld لدعم النساء والأطفال في تشاد، ومشروع الـــــــUN 1% لتأهيل مدرسة للبنات بولاية الخرطوم، بما يسهم في دعم إستمرار العملية التعليمية. وفي مجال سبل كسب العيش، تسعى المنظمة إلى الانتقال تدريجياً من الاستجابة الطارئة إلى دعم التعافي الاقتصادي، من خلال مشروعات صغيرة ومدرّة للدخل، تساعد الأسر المتضررة على استعادة قدرتها على الاعتماد على نفسها.

الشفافية… أساس الثقة والمسؤولية
تولي منظمة الفأل أهمية كبيرة لمبادئ الشفافية والمساءلة وحسن إدارة الموارد، خاصة أن معظم تمويلها يعتمد على التبرعات والمساهمات المجتمعية.

تبدأ آلية العمل بتحديد الاحتياج والمنطقة المستهدفة والمبلغ المطلوب، ثم تحويل الأموال عبر القنوات الرسمية، مع توثيق الأنشطة من خلال التقارير والصور وقوائم المستفيدين والمستندات المالية، بحسب طبيعة كل نشاط.

كما تتم مراجعة الأنشطة والتقارير المالية، ومطابقة الأموال المصروفة مع الأنشطة المنفذة، فيما تخضع حسابات المنظمة للمراجعة بواسطة المحاسب القانوني.

ولا تقتصر الشفافية على الإجراءات المالية، إذ تحرص المنظمة كذلك على تنظيم لقاءات وتنويرات دورية مع أعضاء الجالية السودانية بالنمسا، لشرح المشاريع التي تم تنفيذها، والرد على الإستفسارات والتساؤلات المتعلقة بعمل المنظمة وأوجه صرف التبرعات.

وتنظر المنظمة إلى ثقة المتبرعين والمستفيدين باعتبارها مسؤولية أساسية، ولذلك تحرص على إدارة الموارد بأعلى قدر ممكن من الشفافية والكفاءة.

بشارة حسوبة: الشفافية تصنع الثقة… والفأل يجعل التضامن فعلاً
وفي شأن الشفافية ومنهجية عمل منظمة الفأل، جاءت شهادة الأستاذ بشارة حسوبة، أحد الفاعلين في المجتمع السوداني بفيينا، والذي ظل يساهم في خدمة المجتمع من خلال العديد من المبادرات، وكان من أبرزها دعمه لمنظمة الفأل.

يؤكد الأستاذ بشارة أن ما تقوم به منظمة الفأل عمل عظيم، يمنح أهلنا في السودان إحساساً بأن هناك، رغم بُعد المسافات والجغرافيا، من يقف إلى جانبهم ويسندهم، وأن التضامن معهم ليس مجرد مشاعر أو كلمات، وإنما تضامن فعلي يصل إليهم في صورة إغاثة ومساعدة.

كما أشاد بشفافية المنظمة في إدارة التبرعات، موضحاً أنها تقدم عرضاً مالياً يوضح أوجه الصرف وكيفية إدارة الأموال التي تم جمعها، وأنها تتعامل مع أي تساؤلات أو استفسارات بالوضوح والشفافية نفسيهما.

ويؤكد الأستاذ بشارة أن هذه الشفافية هي ما يعزز ثقته في المنظمة، ولذلك لا يتوانى عن تقديم كل ما يستطيع من دعم لمنظمة الفأل، تقديراً لما تقوم به وإيماناً بأهمية استمرار هذا الدور في مساندة أهلنا المتضررين من الحرب.

الهادي إسماعيل تية: الفأل… اسمٌ تجسّد في العمل
وفي هذا الإطار، أفاد الأستاذ الهادي إسماعيل تية، أحد أبرز الفاعلين في الحراك السوداني والعمل العام بفيينا، بأن منظمة الفأل استطاعت أن تجعل من اسمها معنى حاضراً في عملها، وأن تعكس روحاً جماعية تقوم على المشاركة والعطاء. وأشار إلى أنه يعمل معها بهمة، تقديراً لما تقوم به وإيماناً بأهمية هذا الدور في خدمة السودانيين.

وأشاد بالجهد الذي بذلته المنظمة في إيصال مساعداتها إلى مختلف مناطق السودان، مؤكداً أن حضورها امتد إلى معظم أنحاء البلاد، باستثناء شرق دارفور، التي حالت الأوضاع الأمنية فيها دون الوصول إليها.

كما توقف عند نهج المنظمة في توثيق عملها المالي، مشيراً إلى حرصها على تقديم تقارير مالية مع تنفيذ مشروعاتها داخل السودان، وهو ما أسهم، في نظره، في ترسيخ صورتها وكسب احترام الكثيرين والكثيرات، وجعل تجربتها مثالاً جديراً بالإشارة إليه ضمن نماذج عمل منظمات المجتمع المدني السودانية في الخارج.

النساء السودانيات في فيينا… فألٌ يمتد إلى السودان
لم تكن النساء السودانيات في فيينا بعيدات عن الهم السوداني، ولا عن تلك الروح التي ظلت تحمل السودان في مسيرتها، وتبحث عن سبيل لتخفيف ما أثقلته الحرب على أهله. ومن بين النساء المؤمنات برسالة الفأل والعمل الجماعي، برز حضور فاعل ومؤثر، امتداداً لما ظلت النساء السودانيات يقدمنه للسودان في مختلف الظروف. ولا يمكن في هذا السياق تجاوز دور الملهمة رنا مصطفى عبدالمجيد، التي كانت من المبادرات في تكوين منظمة الفأل، وحملت منذ البدايات بذرة الفكرة، وهي مهمومة بأحوال المتضررين والمتضررات من الحرب. ومضت إلى جانب رفاق ورفيقات الهم العام، مؤمنة بأن خدمة الناس تحتاج إلى قلب حاضر ويد تمتد حيث تكون الحاجة.

من هذا الطريق جاءت تجربة تقوى فاروق أحمد سليمان ، التي أُختيرت أن تكون في اللجنة التنفيذية من الفأل، وأن تؤدي دوراً فاعلاً في لجنتها التنفيذية. وعن دوافع انضمامها، تقول إن خدمة المجتمع السوداني وحب العمل الجماعي كانا في مقدمة ما دفعها إلى المشاركة. وهي روح ليست جديدة عليها؛ فمنذ سنواتها في السودان، كانت حاضرة في العمل المجتمعي، حتى إنها أسست في المدرسة جمعية تهتم بنظافة المدرسة وتشجيرها والمنطقة المحيطة بها، في صورة مبكرة لذلك الإيمان بأن العمل الجماعي يستطيع أن يصنع أثراً، مهما بدا صغيراً في بدايته.

وتأتي شهادة من الفاعلة والهميمة سهير إدريس، التي ظلت مهمومة بالشأن العام، ولم تتوان عن مد يدها لكل من احتاجها، لتؤكد أن تجربتها مع الفأل كانت إيجابية، وأن أداء المنظمة يُعتبر نموذج، خاصة في قدرتها على الوصول إلى مجتمعات مختلفة والعمل بالقرب من الناس، مع الحرص على فهم احتياجاتهم وتحديد أولوياتهم، ثم تنفيذ ما يتناسب مع الواقع والإمكانات المتاحة.

كما أشارت إلى ما لمسته من مهنية ووضوح في التعامل، وإلى حرص المنظمة على توثيق أعمالها من خلال مقاطع تُظهر آراء المستفيدين واحتياجاتهم، ومدى استفادتهم مما نُفذ، ثم الاستماع إلى ملاحظاتهم والاستفادة منها في تحسين الأعمال المقبلة. وهنا يصبح صوت المستفيد جزءاً من العمل نفسه، لا مجرد شاهد عليه.

وفي قلب هذا الحضور النسائي، يصعب تجاوز دور صندوق المرأة السودانية، الذي ظل قلباً مشرعاً للعطاء منذ قامت عفاف عبدالله وليلى الصديق بتكونيه قبل سنوات طويلة؛ لم يكتفِ بأن يفتح أبوابه لأهل السودان في النمسا، بل امتدت أغصانه إلى الداخل، مساهماً في دعم بعض مشروعات الفأل، وحاضراً في كل محفل تقيمه المنظمة. للنساء السودانيات دوراً كبيراً في مسيرة الفأل، ورغم تعدد الالتزامات، وانشغال كل واحدة منهن بأهلها في السودان. ومع ذلك ظللن يقدمن ما يستطعن من دعم، بالجهد والمال، وكان صندوق المرأة السودانية من أكبر الداعمين لمنظمة الفأل.

هكذا بدت النساء السودانيات في تجربة الفأل أكثر من مجرد داعمات؛ كن شريكات في الفكرة، وحاضرات في العمل، وأيادي تمتد من فيينا إلى السودان. وكأن الفأل وجد في هذا الحضور النسائي معنى آخر للاسم: إيمان يتحول إلى فعل، وهمّ بالسودان لا تحدّه المسافات، وعطاء يمضي حيث تكون الحاجة، حيث تكون الجغرافيا رمزية للوفاء بأهلنا في السودان.

الشراكات… لتعزيز عمل المنظمة ومساندة المتضررين
وفي ختام حديثه، أوضح دكتور عبدالله الطيب أن منظمة الفأل بنت شراكات قوية مع الأجسام السودانية بفيينا ومنظمات وجمعيات فاعلة في مجال العمل الإنساني والإغاثي في أفريقيا والعالم العربي. وأضاف الى انها تحتاج اليوم إلى شراكات تمويل مستدام، بما يعزز قدرتها على مواصلة برامجها في مجالات الغذاء والصحة والإيواء والكساء، إلى جانب دعم سبل كسب العيش للأسر المتضررة من الحرب.

وأكد أن هدف منظمة الفأل ، الإسهام في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، وتدعم التعافي والصمود، وتساعد المتضررين من الحرب على استعادة حياة كريمة.

وفي هذا المسار، تمضي منظمة الفأل مؤمنةً بأن الإغاثة لا تكتمل إلا بتكاتف الجهود، وأن الشراكة الحقيقية يمكن أن تجعل من التضامن قوةً تصل إلى من يحتاجها، وتمنح المتضررين سنداً يعينهم على الصمود، وعلى استعادة طبيعة حياتهم من جديد.

معرض الصور