تم التحديث: ٤ سبتمبر ٢٠٢٦ 21:32:32

السودانيون بين القلق والتساؤلات وسط انهيار تاريخي للجنيه
مواطنون
في خطوة وصفت بأنها الأوسع في سياسة النقد الأجنبي، أصدر بنك السودان المركزي قبل أيام المنشور رقم (16/2026) الذي منح المصارف التجارية حرية تعديل أسعار الصرف أكثر من مرة خلال اليوم الواحد، وشراء حصائل الصادر وفقاً لقوى العرض والطلب، ملغياً بموجبه عدداً من التعاميم السابقة .
لكن هذه الخطوة، التي تأتي في إطار "سياسة تحرير سعر الصرف" التي يؤكد البنك استمراره فيها ، أثارت حالة من الجدل والقلق بين المواطنين والخبراء، وسط تساؤلات حول ما إذا كان هذا القرار حقيقياً أم مفروضاً من السلطة الحاكمة، خاصة مع الانهيار المتسارع للجنيه الذي تجاوز حاجز السبعة آلاف جنيه للدولار الواحد في السوق الموازية، متجاوزاً التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى إمكانية وصوله إلى 10 آلاف جنيه بحلول نهاية العام .
وعكس هذا التدهور على واقع المعيشة بشكل مباشر، حيث ارتفع سعر جوال دقيق القمح بنسبة 40% من 77 ألف جنيه إلى 108 آلاف، في مشهد يعكس انفجاراً حقيقياً في أسعار السلع الاستهلاكية.
البنك المركزي ينفي الانسحاب ويؤكد استمرار الضخ
وفي محاولة لامتصاص الصدمة وتبديد المخاوف، أصدر البنك المركزي بياناً قبل ستة أيام (نُشر بتاريخ 29 أغسطس) أكد فيه أن المنشور الجديد "لا يعني خروج بنك السودان المركزي من سوق النقد الأجنبي أو توقفه عن عمليات الضخ"، مشدداً على استمراره في توفير النقد الأجنبي عبر الجهاز المصرفي والاستجابة لطلبات المستوردين المستوفية للشروط، بهدف تحقيق استقرار سوق النقد الأجنبي .
لكن مراقبين وخبراء اقتصاديين، حسب تقارير صحفية، يرون أن ما يحدث يتجاوز كونه مجرد قرار إداري، مشيرين إلى أن الحرب المستمرة منذ 2023 قد دمرت القاعدة الإنتاجية للاقتصاد السوداني، وجعلته يعتمد بشكل شبه كامل على الواردات، مع تراجع حاد في الصادرات وتفشي تهريب الذهب، وهيمنة مؤسسات عسكرية ونافذين على سوق العملات في عمليات مضاربة واسعة، مما قوض أي إجراءات نقدية .
ويرى الخبراء أن معالجة أزمة سعر الصرف لا تكمن في قرارات تحرير أو تقييد، بل في إصلاحات هيكلية جذرية تعيد بناء الإنتاج، وتوقف الحرب، وتحد من الفساد، وإلا فإن توقعات وصول الدولار إلى 10 آلاف جنيه قد تتحقق مع استمرار تآكل القدرة الشرائية للمواطنين
صرخة تعكس واقعاً معيشياً ينهار تحت وطأة الجنيه والتضخم
في مشهد يعكس حجم المأساة اليومية التي يعيشها السودانيون، دوّن أحد المواطنين رسالة مؤثرة إلى أقاربه، يستجدي فيها العون، معترفاً بحالة من العجز والخجل، لكنه يصف الواقع بأنه "جنوني" ويفوق قدرة التحمّل.
وجاء في رسالته "ما عارف أبد من أين لان الأمر المعيشة بقي يفوق حد التصور، غلا طاحن يدل علينا بأمر مخيف، خجلان بجد لكن الأمر بقي جنوني... والله العظيم نحاول بقدر المستطاع أن نعبر بالتي هي أقوم وأحسن حتى ننعم ببريق ما يتوفر لي والاولاد، لكن يد التجار تبقى هي الأقوى، واصلت الأسعار لمدى رهيب يبعث على الخوف العميق، واليد بقت لا تلاحق أملي في دعمكم الذي يجعلنا نعبر ولو لحين".
ويستعرض المواطن أرقاماً صادمة تعكس انفجار الأسعار في الأسواق السودانية: كيلو العدس: 10 آلاف جنيه، كيلو الرز: 12 ألف جنيه، كيلو السكر 8 آلاف جنيه، رطل الزيت 8 آلاف جنيه، كيلو الدقيق 5 آلاف جنيه (وصولاً إلى 45 ألفاً للجوال)، المخابز رفعت سعر الرغيف إلى رغيفين بألف جنيه.
ويضيف أنه بات عاجزاً عن توفير احتياجات أبنائه، حيث أصبح الأولاد "محتارين بين الأكل ومصاريف الجامعة والمدارس"، مشيراً إلى أن تكلفة الفحص الطبي الواحد تقارب 30 ألف جنيه، ناهيك عن أسعار الأدوية التي تُنهك الميزانية المتهاوية أصلاً".
ماذا بوسع المواطن أن يفعل؟
في ظل هذا الانهيار، يجد المواطن السوداني نفسه أمام خيارات محدودة، منها بعض السبل للتخفيف قدر الإمكان. مثل ترشيد الاستهلاك اكثر مما فعل ويفعل منذ فترة عبر شراء الأساسيات فقط، والاستغناء عن اي ما يمكن اعتباره كماليات، وتجميد تعمير وترتيب المنازل مؤقتا. اللجوء إلى المبادرات المجتمعية مثل صناديق التكافل العائلي أو الحي، وتعاون الجيران في الشراء بالجملة لتقليل التكلفة وتقاسمها. ومتابعة أي مساعدات عينية أو نقدية تقدمها المنظمات الإنسانية. المطالبة بالشفافية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والضغط من أجل رقابة حقيقية على الأسعار وكسر احتكار التجار. وزيادة وتنظيم التواصل مع المغتربين والجالية السودانية في الخارج، فهم غالباً ما يشكلون شبكة أمان للكثير من الأسر خاصة فيما يتعلق بتكايا الاحياء. مناشدة الصحفيين وضع المعيشة في مقدمة الاهتمام.
لكن يبقى الحل الجذري خارج يد المواطن، فهو مرهون بوقف الحرب، واستقرار الاقتصاد، وإصلاح السياسات النقدية، وبناء إنتاج وطني يقلل الاعتماد على الاستيراد. في الوقت الراهن، يظل الدعم الأسري والمجتمعي هو شريان الحياة الوحيد الذي يمنع المزيد من الانهيار الإنساني.


