تم النشر بتاريخ: ٢ سبتمبر ٢٠٢٦ 21:27:37
تم التحديث: ٢ سبتمبر ٢٠٢٦ 21:30:35

نقاشات هادئة لقضايا ساخنة

معاوية محمدين
بينما ينشغل الفضاء الإعلامي السوداني يومياً بتطورات الحرب والمواقف السياسية والصراع على الشرعية، تجري في فضاء آخر أقل صخباً نقاشات مختلفة تماماً. أساتذة جامعات، خبراء، أطباء، اقتصاديون، مهندسون وباحثون سودانيون، داخل البلاد وخارجها، يناقشون قضايا إعادة الإعمار، والقطاع العام، والتعليم العالي، والبحث العلمي، والصحة، والتراث والحوكمة.

تجد هذه النقاشات في المنصات الرقمية، ولا سيما يوتيوب، فضاءً لنشرها والوصول إلى جمهور أوسع. وما يمكن رصده هنا ليس مؤسسة واحدة أو مشروعاً منظماً، وإنما ملامح شبكة واسعة وغير رسمية من الأفكار والخبرات تتقاطع عند سؤال واحد: ماذا سيفعل السودان عندما تنتهي الحرب؟

ما يلفت في هذه الظاهرة ليس عدد الندوات وحده، وإنما تغير السؤال نفسه. ففي السنوات الأولى للحرب، 2023 و2024، هيمن على النقاش العام تحليل أسباب الصراع، وموازين القوى، وتداعيات الحرب على الدولة والمجتمع، وأبعادها الإقليمية والدولية. أما في السنوات الأخيرة، فتبدو مساحة متزايدة من النقاشات متجهة نحو سؤال آخر: كيف يمكن إعادة بناء الدولة والمجتمع بعد الحرب؟

ومن الأمثلة على ذلك ندوة كتاب «إعادة بناء السودان»، الذي حرره بروفيسور أحمد الصافي، ود. جيرالد مكان، ود. عبدالباقي أحمد، بمشاركة عدد كبير من الخبراء في مجالات مختلفة. ويقدم الكتاب مقاربة متعددة التخصصات لقضايا إعادة الإعمار، بما يتجاوز التعامل معها باعتبارها مجرد إعادة بناء للبنية التحتية.

وفي السياق نفسه، جاءت الندوة التي استضافها الإعلامي الهادي هباني حول كتاب د. عبدالمنعم خليفة Public Sector in the Sudan، والتي امتدت لأكثر من ساعتين. يتناول الكتاب تاريخ وتطور القطاع العام في السودان ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مستنداً إلى دراسة أكاديمية أنجزها المؤلف خلال دراساته العليا في المملكة المتحدة، قبل إعادة إحيائها وتحديثها.

وتزداد أهمية مثل هذه الدراسات في ظل ما ينتظر القطاع العام من أدوار في مرحلة إعادة الإعمار. فالكتاب يناقش، من بين أمور أخرى، مشكلة غياب الأهداف الواضحة وتداخل الاختصاصات، وأوجه القصور في تقييم أداء المؤسسات والمشروعات، كما يتناول أسباب توسع القطاع العام، من مشروع الجزيرة إلى سياسات التأميم في سبعينيات القرن الماضي، ويطرح رؤى لإعادة تعريف أهداف القطاع العام وتطوير آليات تقييم الأداء وتعزيز القدرات المؤسسية.

ولا يقتصر هذا النشاط على الندوات السودانية المحلية أو المنصات الفردية. فقد شهد عام 2026، على سبيل المثال، منتدى Sudan Reconstruction Forum الذي استضافته غرفة التجارة العربية البريطانية في لندن، إلى جانب سلسلة ندوات The Struggle for Higher Education and Scientific Research in Sudan at War التي ناقشت، على مدى عشرة أسابيع، أوضاع التعليم العالي والبحث العلمي خلال الحرب. كما تناولت فعاليات دولية أخرى، بينها محاضرة Key for Africas Security في فيينا، قضايا الكارثة الإنسانية وإعادة الإعمار.

ويمكن، بصورة تقريبية، تمييز ثلاثة أنماط من المنصات التي تستضيف هذا النقاش: منصات أكاديمية وبحثية تقدم تحليلات متخصصة للأزمة وأبعادها الاقتصادية والسياسية؛ ومنصات حوارية تستضيف خبراء سودانيين ودوليين؛ ومنصات سياسية تحليلية تتناول المستقبل ومسارات إعادة البناء إلى جانب قضايا الصراع الراهن.

ويكشف هذا النشاط عن مسارين باتا يتحركان بالتوازي: مسار تحليل الأزمة، ومسار التخطيط لما بعدها. ومع ارتفاع مشاركة الأكاديميين والخبراء والمتخصصين، تتوسع النقاشات من توصيف الخراب إلى التفكير في المؤسسات والقطاعات التي ستحتاج إلى إعادة بناء، وكيفية إدارتها وتمويلها وتطويرها.

تحمل هذه الظاهرة رسالة مهمة: الحرب، رغم قدرتها على تدمير المؤسسات والبنية التحتية وتشتيت المجتمع، لم توقف تماماً قدرة السودانيين على التفكير في المستقبل. فالخبراء الموجودون في السودان والمهجر والشتات ما زالوا على اتصال بقضايا بلدهم، ويقدمون المعرفة والخبرة، بينما يتشكل مخزون متزايد من الدراسات والرؤى والتصورات التي يمكن الاستفادة منها عندما تتوفر الظروف المناسبة.

لكن هذه الصورة المتفائلة تحتاج إلى قدر من الحذر. فهذه الجهود ليست موحدة المنهج، ولا تخضع حتى الآن لتقييم نقدي مشترك، وقد تظل محصورة في دوائر النخب الأكاديمية والمهنية إذا لم تجد طريقاً للتشبيك والتعاون، وتوسيع المشاركة، وتحويل الأفكار إلى خطط قابلة للتنفيذ.

ومع ذلك، يبقى اللافت أن الحرب لم تقتل قدرة السودانيين على التفكير في الغد. وربما يكون هذا النشاط الهادئ، بعيداً عن ضجيج السياسة والمعارك، أحد أشكال المقاومة الأقل ظهوراً: الاحتفاظ بفكرة الدولة، والتفكير في كيفية إعادة بنائها قبل أن تتاح فرصة بنائها على الأرض.

معرض الصور