تم النشر بتاريخ: ٢ سبتمبر ٢٠٢٦ 11:27:27
تم التحديث: ٢ سبتمبر ٢٠٢٦ 11:30:01

``الحلو`` وتحالفات ما بعد الدولة: تناقض الخطاب والارتهان للمحاور

<p>الأصمعي باشري</p>

الأصمعي باشري

يواصل مشروع السودان الجديد بعد استقلال جنوب السودان انشطاراته البنيوية من مشروع وطني متماسك بقيادة الدكتور جون قرنق، الي مشاريع خجولة تقسمت بين النخب والقيادات مثل مالك عقار وياسر عرمان وخميس جلاب وآخرين. حيث تواجه الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال، بقيادة عبد العزيز الحلو، اختباراً سياسياً وفكرياً بالغ التعقيد، لا يتعلق فقط بمواقفها من الحرب أو شكل الدولة السودانية، وإنما بالتناقض المتزايد بين خطابها النظري وتحالفاتها السياسية. فالحركة التي ظلت، لسنوات طويلة، تقدم نفسها بوصفها مشروعاً مناهضاً للدولة الوطنية بصيغتها التاريخية، باعتبارها امتداداً لبنية استعمارية أعادت إنتاج الهيمنة والتهميش بعد الاستقلال، تدخل اليوم في تحالفات مع كيانات وقوى ترتبط، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمحاور إقليمية ودولية فاعلة في الأزمة السودانية.

وهنا تظهر المفارقة الكبيرة: كيف يمكن لحركة ترفض الدولة الوطنية لأنها، وفق تصورها الفكري، نتاج للهيمنة الاستعمارية، أن تجد نفسها في تحالفات تثير أسئلة جدية حول استقلال القرار الوطني؟ وكيف يمكن لمشروع يرفع شعار التحرر من المركز والهيمنة التاريخية أن يضع نفسه في فضاء سياسي تتصارع داخله أجندات إقليمية ودولية لا تخفي اهتمامها بمستقبل السودان وموقعه وموارده؟

إن عبد العزيز الحلو ليس مجرد قائد عسكري أو سياسي عابر. فمشروعه يقوم على رؤية واضحة لطبيعة الأزمة السودانية، أساسها أن الدولة التي تشكلت بعد الاستقلال فشلت في تجاوز إرث الحكم الاستعماري، وأن النخب التي ورثت السلطة أعادت إنتاج المركزية والإقصاء والتفاوت بين مناطق السودان. ولذلك طرح مشروع «السودان الجديد» وإعادة تأسيس الدولة على أسس مختلفة، تشمل المواطنة المتساوية والعلمانية وإعادة توزيع السلطة والثروة.

غير أن المشكلة لا تكمن في حق أي حركة سياسية في نقد الدولة أو المطالبة بإعادة تأسيسها. فهذا حق سياسي وفكري مشروع، خصوصاً في بلد عاش عقوداً طويلة من الحروب والانقسامات والإقصاء. المشكلة تبدأ عندما يتحول نقد الدولة الوطنية إلى موقف يبدو وكأنه ينزع عنها أي قيمة، بينما يجري في الوقت نفسه البحث عن شرعية وتحالفات داخل منظومات إقليمية ودولية لها مصالحها الخاصة.

فالقوى الخارجية لا تدخل إلى السودان بدافع العمل الخيري، ولا ترعى التحالفات السياسية من أجل سواد عيون السودانيين. لكل دولة في الإقليم حساباتها الأمنية والاقتصادية والسياسية، ولكل قوة دولية رؤيتها لموقع السودان في خريطة البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل وموارد البلاد. ومن السذاجة السياسية الاعتقاد بأن هذه القوى يمكن أن تدعم أي مشروع دون أن تسعى إلى التأثير في اتجاهه.

لذلك فإن الخطر الحقيقي لا يتمثل في مجرد التواصل مع الخارج، فكل القوى السياسية السودانية تقريباً أقامت، بدرجات مختلفة، علاقات خارجية. الخطر يبدأ عندما يصبح الخارج هو الضامن للتحالف، أو مصدر القوة، أو صاحب التأثير الحاسم في القرار السياسي. عندها لا يعود الحديث عن التحرر من الهيمنة سوى شعار جميل يصطدم بواقع مختلف.

الحركة الشعبية–شمال مطالبة اليوم بالإجابة عن سؤال جوهري: هل مشروعها هو بناء سودان جديد، أم هدم السودان القديم دون امتلاك تصور عملي متفق عليه لما سيأتي بعده؟ لأن نقد الدولة الوطنية لا ينبغي أن يقود إلى نفي فكرة الوطن. فالدولة السودانية يمكن أن تكون فاشلة في مراحل تاريخية، ويمكن أن تكون ظالمة ومركزية ومختطفة بواسطة نخبة، لكن ذلك لا يعني أن البديل هو تفكيك المجال الوطني وفتح أبوابه أمام القوى الإقليمية والدولية لتعيد رسمه وفق مصالحها.

إن الحرب الحالية قدمت درساً قاسياً للجميع. فعندما تضعف الدولة، لا يختفي الصراع، بل تتكاثر مراكزه. وعندما ينهار الاحتكار الوطني للسياسة والسلاح، تدخل قوى جديدة، محلية وخارجية، إلى الفراغ. وعندما تفشل القوى السودانية في إنتاج مشروع وطني جامع، يصبح السودان ميداناً لصراعات الآخرين.

في هذا السياق، يصبح التحالف الذي تنخرط فيه الحركة الشعبية–شمال أكثر من مجرد ترتيب سياسي مؤقت. إنه اختبار لمصداقية مشروعها. فإذا كانت الحركة تؤمن بالفعل بتحرير السودانيين من هيمنة المركز، فعليها أن تكون بالقدر نفسه ضد هيمنة المحاور الخارجية. وإذا كانت ترفض أن تفرض نخبة الخرطوم شكل الدولة على بقية السودانيين، فلا ينبغي أن تقبل بأن تحدد عواصم أخرى مستقبل السودان.

إن أخطر تناقض في السياسة السودانية هو أن كثيراً من القوى تتحدث عن السيادة الوطنية وهي تبحث عن سند خارجي، وتتحدث عن الاستقلال بينما تتشكل تحالفاتها وفق موازين القوى الإقليمية. والحركة الشعبية–شمال ليست بمنأى عن هذا الاختبار.

لا أحد يملك الحق في احتكار الوطنية أو توزيع صكوك العمالة، كما أن اتهام الخصوم بالارتباط بالخارج لا يمكن أن يكون بديلاً للنقاش السياسي. لكن من حق السودانيين أن يسألوا كل القوى، بما فيها حركة الحلو: ما حدود تحالفاتكم؟ ومن يحدد أجندتكم؟ وما الضمانات التي تمنع تحول الدعم السياسي إلى وصاية؟ وهل يبقى القرار سودانياً عندما تصبح موازين القوة مرتبطة بإرادات خارجية؟

إن السودان لا يحتاج إلى دولة قديمة يعاد إنتاجها، ولا إلى تحالفات جديدة تستبدل هيمنة بهيمنة أخرى. ما يحتاجه هو مشروع وطني يعترف بفشل الماضي دون أن يعلن الحرب على فكرة الوطن، ويقاوم المركزية دون أن يفتح الباب أمام الوصاية، ويعيد تأسيس الدولة دون أن يجعل السودان مجرد جغرافيا قابلة للتفاوض بين القوى الإقليمية والدولية.

وهنا يكمن امتحان عبد العزيز الحلو وحركته: فإما أن يكون مشروع «السودان الجديد» مشروعاً للتحرر الوطني الحقيقي، أو أن يتحول، تحت ضغط التحالفات والحرب وموازين القوى، إلى مجرد فصل جديد في تاريخ التنافس على السودان. فالشعارات لا تحرر الشعوب وحدها، والتحالفات لا تصبح وطنية لمجرد أن أطرافها يرفعون شعارات الثورة والتغيير. المعيار الحقيقي هو استقلال القرار، ووضوح المشروع، وقدرة القوى السياسية على وضع السودان فوق مصالح المحاور، وفوق إغراءات السلطة، وفوق حسابات الحرب.

معرض الصور