تم التحديث: ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ 16:00:40
أزمة غذاء في شمال كردفان... آلاف الأسر محاصرة وجائعة
متابعات ـ مواطنون
المصدر: العربي الجديد
أدّت الاشتباكات المتكرّرة التي خلّفت حالة من الهشاشة الأمنية في ولاية شمال كردفان السودانية إلى أزمة متفاقمة في توفير المواد الغذائية، خصوصاً الذرة التي يعتمد عليها السكان بصورة رئيسية في غذائهم، وباتت آلاف الأسر تواجه نقصاً شديداً في الغذاء وتعاني من عدم القدرة على توفير احتياجاتها الأساسية في ظل القيود الأمنية المفروضة على المنطقة.
ومنذ مطلع العام الحالي، أصبح توفير المواطنين المواد الغذائية أمراً بالغ الصعوبة، في حين بات التجار يخشون نقل السلع نتيجة المخاطر الأمنية والإجراءات المفروضة على حركة المركبات ونقص الوقود. ليبقى الأهالي الذين لم يغادروا مناطقهم وقراهم أمام خيارات محدودة للغاية لتوفير متطلبات الطعام والشراب، خصوصاً مع أزمة الجفاف التي ضربت المنطقة لتأخر هطول الأمطار، ما يهدد بفشل الموسم الزراعي.
وفرضت حكومة شمال كردفان المحلية، وكذا السلطات المركزية، إجراءات صارمة على نقل المواد الغذائية إلى المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، والمناطق القريبة من مناطق سيطرتها، وكذلك إلى المناطق التي تشهد عمليات عسكرية، ما أثر بصورة مباشرة على حركة التجارة والإمدادات، إذ أصبح نقل المواد الغذائية محفوفاً بالمخاطر.
وتسبب نقص الغذاء في أزمة معيشية حادة، ودفع استمرارها بعض السكان إلى النزوح بحثاً عن الطعام والأعمال التي تتيح توفير مصادر العيش، لكن النزوح لم يعد ميسراً بسبب المخاطر الأمنية المتفاقمة، وانعدام وسائل النقل، وإغلاق الكثير من الطرق، فضلاً عن أن تقلص قدرة المواطنين الذين عاشوا تحت الحصار لأكثر من ثلاثة سنوات على توفير كلفة النزوح، ويؤدي عدم توفر وسائل النقل، فضلاً عن خطورة الطرق نتيجة وقوعها في مناطق خاضعة لسيطرة أحد طرفي الحرب إلى وضع العائلات أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما البقاء في مناطقهم التي تعاني من نقص كل مقومات الحياة، أو محاولة مغادرتها عبر طرق غير آمنة تعرض حياتهم لخطر الموت.
ولم تعد الأزمة مرتبطة بارتفاع أسعار الغذاء فحسب، وإنما بندرته في الأسواق، ورغم تأزم الأوضاع، لم تتحرك أي جهة لتوفير الغذاء لعشرات آلاف الأشخاص الذين يواجهون جوعاً يتمدد في ظل استمرار القتال، وتراجع النشاط التجاري والزراعي، فيما تمنع القوات العسكرية دخول أو خروج المواطنين من بعض المناطق، ما تسبب في عزل المناطق عن بعضها.
من ولاية شمال كردفان، يقول أحمد إبراهيم لـ"العربي الجديد": "منع وصول السلع الأساسية إلى المنطقة أدى إلى نفاد الغذاء، وأغلقت معظم الأسواق الشعبية التي كانت قائمة في القرى والبلدات بسبب ندرة السلع المعروضة، ما أدى إلى نشوء حالة من عدم اليقين بين المواطنين. الأجهزة الأمنية التي تحاصر المنطقة تصادر السلع قبل وصولها، وتفرض غرامات باهظة على التجار، وتحتجز وسائل النقل المحملة بالمواد الغذائية بحجة أنها يمكن تتسرب إلى مناطق العدو".
ويتابع إبراهيم: "هذه الإجراءات المجحفة جعلت التجار يتردّدون في نقل المواد الغذائية إلى مناطق شمال كردفان، خشية خسارة بضائعهم ووسائل النقل التي يعتمدون عليها في أعمالهم. قلة المواد الغذائية في المنطقة وصعوبة تنقل المواطنين للحصول على احتياجاتهم اليومية من المُدن المجاورة تسبب في تفشي الجوع والأمراض".
بدوره، يقول سليمان حمد من إحدى قرى شمال كردفان لـ"العربي الجديد": "كان سكان القرى والبلدات الصغيرة يعتمدون على حركة التجار في توفير الغذاء، لكن بعد منع نقل السلع الغذائية بدأت تلك المواد في الاختفاء تدريجياً من المحال والأسواق، وأصبح الحصول على ما نحتاجه من الطعام أكثر صعوبة. معظم مناطق إقليم كردفان يعاني سكانها من الجوع منذ تشديد الحظر على دخول السلع الغذائية، والتضييق على المواطنين الذين يحاولون النزوح إلى مناطق سيطرة الجيش".
ومن رهيد النوبة، يؤكد التوم بابكر لـ"العربي الجديد"، أن "قطع سلاسل الإمداد، وحرمان التجار من إدخال المواد الغذائية خلق أزمة حادة في الغذاء في إقليم كردفان الذي تحول إلى منطقة حرب قبل نحو سنتين. لم يعد الناس يبحثون عن الناس الحليب أو الخضروات أو اللحوم، والتي تحولت إلى سلع كمالية، وأصبحوا يبحثون عن الذرة الذي يمثل الغذاء الرئيسي في المنطقة، لكنه نفد من الأسواق، والقليل الذي تبقى يرفض التجار بيعه لأنهم لا يستطيعون جلبه مجدداً في ظل حالة الحصار المفروضة على المنطقة".
وتكشف إفادات المواطنين أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص بعض المواد الغذائية، بل تحولت إلى ندرة مصادر الغذاء الأساسي، بينما لا يملك غالبية السكان القدرة على توفير بدائل غذائية، خصوصاً في المناطق التي تشهد قتالاً مستمراً. وفي ظل استمرار هذا الوضع البائس، يجد سكان كردفان أنفسهم أمام أزمة متعددة الأوجه تشمل انعدام الأمن، وتوقف الإنتاج الزراعي، وتراجع حركة التجارة، وانقطاع سلاسل الإمداد، فضلاً عن أزمة السيولة، والفراغ الأمني.
من محلية جبرة الشيخ، يقول الصادق جاد الله لـ"العربي الجديد": "استمرار القتال هو السبب الأساسي في ندرة الغذاء، وعزل المنطقة حرم سكانها من جلب احتياجاتهم من خارجها، في حين فقد كثيرون القدرة على إطعام أسرهم في ظل الوضع الراهن".
وبينما تزداد المعارك ضراوة في مناطق واسعة من إقليم كردفان، تزداد حاجة المدنيين لتوفير الغذاء والرعاية الصحية. من شمال بارا، يقول شريف محمد لـ"العربي الجديد": "توجد صعوبات بالغة في توفير المواد الغذائية، وهناك أسر تعاني من الجوع، خصوصاً في المناطق التي لا تتوفر فيها مطابخ جماعية، أو لا تصل إليها المنظمات الإنسانية والإغاثية باعتبارها مناطق حرب، وفي ظل هذا الوضع لا يملك كثير من السكان أي حلول لتوفير الغذاء، ويعانون من الجوع، وسوف يستمر هذا حتى يتم فتح الطريق، ويسمح طرفا القتال بدخول المواد الغذائية".
ويضيف: "يواجه آلاف المواطنين واقعاً قاسياً فرضته الحرب، فكثيرون لا يستطيعون مغادرة مناطقهم، ولا يجدون وسيلة نقل للنزوح، ولا يملكون المال الذي يمكنهم من شراء ما يكفي من الطعام، ولا توجد حلول عاجلة سوى تدخل السلطات الحكومية لتوفير الغذاء، لكن هذا الاحتمال يبدو غير وارد حالياً؛ لأن الحكومة هي التي تمنع وصول السلع الغذائية بحجة تسربها إلى قوات الدعم السريع".
ويصف النازح من النهود إلى مدينة الأبيض، يعقوب حامد، الأوضاع المعيشية في كردفان حالياً بأنها الأسوأ منذ بداية الحرب. ويقول لـ"العربي الجديد": "كان السكان خلال العامَين الماضيَين يعتمدون على الذرة التي كانوا يحتفظون بها من السنوات الماضية، لكن مع تطاول أمد الحرب، وتعطل المواسم الزراعية، نفدت الذرة المخزنة، كما نفدت المدخرات، ولم يتبقّ أمام الناس سوى النزوح إلى المناطق التي يتوقعون الحصول على الغذاء فيها، لكن النزوح أصبح مهمة صعبة بالنسبة لآلاف الأسر العالقة في القرى النائية، وفي المناطق التي تحولت إلى ساحة حرب يومية، وهم لا يستطيعون المغادرة، ومضطرون للبقاء في أماكنهم بسبب المخاطر الكبيرة، وكلفة النزوح العالية".
ويشير حامد إلى أن مسألة توفير الغذاء بالنسبة للمواطنين العالقين في كردفان صارت أزمة يومية؛ لأن المنطقة صارت معزولة تماماً، وفي نفس الوقت ليس بمقدورهم النزوح، خاصة أن النزوح لا يحلّ المشكلة، كون الغذاء يكاد يكون معدوماً في كل مكان.
وتحول إقليم كردفان إلى جبهة مستعرة منذ خروج قوات الدعم السريع من ولايتَي الخرطوم والجزيرة في منتصف العام الماضي، لتصبح مُدن وقرى كردفان مسرحاً للصراع، ويتبادل طرفا الحرب السيطرة على المناطق، ما يعرض السكان إلى أبشع أنواع الانتهاكات، ويدفعهم إلى النزوح المتكرر هرباً من القتال. وبينما تتواصل المعارك الطاحنة على الأرض، يواجه السكان معركة الحصول على الخبز الذي صار نادراً في مناطق بات إخراج سكانها منها أمراً شديد الصعوبة نتيجة المخاطر الأمنية.
