تم النشر بتاريخ: ٢١ أغسطس ٢٠٢٦ 10:45:55
تم التحديث: ٢١ أغسطس ٢٠٢٦ 10:52:33

مياه النيل.. مورد اقتصادي سوداني يتجاوز حدود الحسابات السياسية

<p>ساري الحاج</p>

ساري الحاج

تُطرح قضية مياه النيل في السودان غالباً من زاوية سياسية وقانونية مرتبطة بحصص المياه والاتفاقيات التاريخية بين دول حوض النيل، إلا أن الجانب الاقتصادي لهذه القضية يستحق نقاشاً أوسع، خصوصاً في ظل حاجة السودان إلى تعظيم موارده الزراعية والإنتاجية بعد سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية.

وبحسب تقدير تقريبي، بلغت صادرات الصناعات الغذائية المصرية خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 3.77 مليار دولار. وإذا استمر هذا المعدل خلال النصف الثاني من العام، فقد تصل صادرات الصناعات الغذائية وحدها إلى نحو 7.5 مليار دولار سنوياً، من دون احتساب الصادرات الزراعية وصناعات القطن والنسيج وغيرها من الأنشطة التي تمثل المياه أحد مدخلاتها الأساسية في الإنتاج.

هنا تبرز أهمية حصة السودان من مياه النيل. فبموجب اتفاقية مياه النيل لعام 1959، تبلغ حصة السودان نحو 18.5 مليار متر مكعب سنوياً. غير أن السودان لا يستفيد من كامل هذه الحصة، ويرتبط ذلك، من بين عوامل أخرى، بضعف البنية التحتية الخاصة بتخزين المياه، مقارنة بمصر التي تمتلك منظومة واسعة لتخزين المياه، وفي مقدمتها السد العالي.

ووفق التقدير الوارد في هذه القراءة، يستفيد السودان من نحو 12 مليار متر مكعب سنوياً من حصته، بينما تواصل كمية تُقدّر بنحو 7 مليارات متر مكعب مسارها شمالاً إلى مصر. وإذا صح هذا التقدير، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند كمية المياه التي لا يستخدمها السودان، بل يجب أن ينتقل إلى القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تنتجها هذه المياه إذا استُخدمت في الداخل.

يُستخدم في الاقتصاد الزراعي مفهوم «إنتاجية المياه»، وهو مقياس يعبّر عن القيمة الاقتصادية التي يمكن تحقيقها من استخدام متر مكعب واحد من المياه. وتشير تقديرات ودراسات مختلفة إلى أن إنتاجية المياه في الزراعة المصرية يمكن أن تقترب من 0.29 دولار للمتر المكعب في بعض الحالات. وبناءً على هذا الرقم، فإن احتساب القيمة النظرية لنحو 7 مليارات متر مكعب يصل إلى نحو ملياري دولار سنوياً.

لكن من المهم التأكيد أن هذا الرقم لا يعني أن مصر تحصل من السودان على ملياري دولار نقداً كل عام، كما لا يعني أن كل متر مكعب من المياه يتحول بصورة مباشرة إلى صادرات أو إيرادات. وإنما يمثل تقديراً نظرياً للقيمة الاقتصادية المحتملة للمياه إذا استُخدمت في نشاط إنتاجي ذي كفاءة مماثلة.

من هذه الزاوية، تصبح القضية أكثر تعقيداً من مجرد الحديث عن «حصة مائية». فالمياه مورد اقتصادي يمكن أن يدخل في الزراعة والصناعات الغذائية والنسيجية وغيرها من الأنشطة، وبالتالي فإن عدم القدرة على استخدام جزء من الموارد المائية المتاحة قد يعني فقدان فرصة اقتصادية كان يمكن أن تسهم في زيادة الإنتاج والدخل والصادرات.

وهنا تبرز الحاجة إلى نقاش سوداني أكثر شفافية حول ملف مياه النيل، ليس من منطلق الصدام مع مصر، وإنما من منطلق حماية المصالح الاقتصادية الوطنية. ومن الضروري أن يعرف الرأي العام السوداني حجم الموارد المائية التي يمتلكها السودان، وحجم ما يستخدمه فعلياً، والأسباب التي تحول دون الاستفادة من كامل حصته، وما إذا كانت هناك قيود فنية أو سياسية أو قانونية تؤثر في قدرة السودان على إنشاء مشروعات جديدة لحصاد وتخزين المياه.

كما أن من المهم فتح نقاش قانوني واقتصادي حول ما إذا كانت الاتفاقيات المنظمة لمياه النيل تتيح أي صيغة للتعاون أو التعويض عن المنافع الاقتصادية المرتبطة بالمياه غير المستغلة، بدلاً من التعامل مع المياه باعتبارها مجرد أرقام في اتفاقيات سياسية.

ولا ينبغي، في الوقت نفسه، اختزال المشكلة في العلاقة بين السودان ومصر وحدها. فالسودان يمتلك موارد مائية أخرى تتمثل في الأمطار والمياه الجوفية والأودية والمجاري الموسمية، ويمكن أن تشكل هذه الموارد، إلى جانب مياه النيل، قاعدة ضخمة لإعادة بناء القطاع الزراعي.

وتشير بعض التقديرات إلى إمكانية وصول إجمالي الموارد المائية القابلة للاستخدام في السودان إلى عشرات المليارات من الأمتار المكعبة سنوياً، وإن كانت الأرقام تختلف باختلاف طرق القياس والتعريفات المستخدمة. وإذا تمكن السودان من تحسين إدارة هذه الموارد، وتوسيع مشروعات حصاد المياه، وتطوير شبكات الري الحديث، ورفع إنتاجية المتر المكعب، وربط الزراعة بالصناعات التحويلية، فإن القيمة الاقتصادية المتحققة يمكن أن تكون أكبر بكثير من مجرد بيع المنتجات الزراعية الخام.

هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في ظل حاجة السودان إلى إعادة بناء اقتصاده بعد الحرب، وفي ظل فرص التعاون الاقتصادي والاستثماري مع دول المنطقة، بما فيها المملكة العربية السعودية. فالسودان لا يحتاج فقط إلى زيادة المساحات المزروعة، وإنما إلى بناء منظومة إنتاج متكاملة تبدأ بالمياه وتنتهي بالتصنيع والتصدير.

إن النقاش حول مياه النيل ينبغي، في نهاية المطاف، أن يتحول من ملف سياسي مغلق إلى قضية اقتصادية وطنية مفتوحة للنقاش العام، تقوم على البيانات والدراسات والشفافية. فالمياه ليست مجرد مورد طبيعي؛ إنها أصل اقتصادي يمكن أن يصنع الثروة أو يظل هدراً إذا لم تتوافر القدرة على إدارته واستثماره.

ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: كم تبلغ حصة السودان من مياه النيل؟ بل أيضاً: كم تبلغ القيمة الاقتصادية التي يستطيع السودان إنتاجها من كل متر مكعب من هذه المياه؟

فالبلدان التي تتطلع إلى بناء اقتصاد قوي لا تقيس مواردها بما تملكه فقط، وإنما بما تستطيع تحويله إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل وصادرات. وفي حالة السودان، قد تكون معركة المياه، في جوهرها، معركة على مستقبل الاقتصاد الزراعي نفسه.

معرض الصور