تم النشر بتاريخ: ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ 19:42:27
تم التحديث: ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ 19:54:34

د. اشراقة مصطفى لـ``مواطنون``: الوطن الذي يحلم به السودانيون لا ينبغي أن يكون ثمنه المقابر

حوار: مصعب محمد علي
"لا يمكن معالجة الهجرة القسرية بإغلاق الحدود، بل بمعالجة الحروب والانتهاكات التي تدفع الناس إلى النزوح واللجوء."

بهذه الخلاصة تقدم الكاتبة والباحثة السودانية الدكتورة إشراقة مصطفى حامد ، المقيمة في فيينا منذ عام 1993، وأحد أبرز الأصوات المدافعة عن حقوق المهاجرات والمهاجرين، رؤيتها لأزمة السودانيين العالقين على طريق البلقان، وذلك بعد مشاركتها في زيارة ميدانية إلى البوسنة ضمن وفد منظمة SOS Balkanroute ومقرها لنمسا، التي تعمل منذ عام 2019 على دعم اللاجئين والعالقين في المنطقة.

تأتي الزيارة في وقت وصل عدد السودانيين من اللاجئين والعالقين على طريق البلقان، الى اعداد كبيرة بعد أن دفعتهم الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023 إلى واحدة من أخطر مسارات الهجرة نحو أوروبا.

وفي هذا الحوار، تتحدث د. إشراقة مصطفى حامد عن دوافع الزيارة، وما وثقته من شهادات ومشاهد إنسانية، بينها شبان فقدوا أطرافهم بسبب الصقيع، ومهاجرون قالوا إنهم تعرضوا للإعادة القسرية والانتهاكات على الحدود. كما تقدم قراءة نقدية لسياسات الهجرة الأوروبية، مؤكدة أن الحلول المستدامة تبدأ بمعالجة جذور الهجرة القسرية، وفي مقدمتها الحروب والانقلابات وانتهاكات حقوق الإنسان، لا الاكتفاء بإحكام الحدود.

ما الدافع وراء هذه زيارتكم الى البوسنة والهرسك ولماذا جاءت في هذا التوقيت؟
هذه هي المرة الأولى التي أشارك فيها مع منظمة SOS Balkanroute، وهي منظمة مقرها النمسا تعمل منذ عام 2019 على دعم اللاجئين والعالقين في منطقة البلقان، ولا سيما في البوسنة والهرسك.

عندما بدأت المنظمة نشاطها، كان وجود السودانيين في المنطقة محدوداً للغاية. لكن بعد اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، أصبح السودانيون يشكلون أكبر مجموعة من اللاجئين والعالقين هناك.

جاءت الزيارة للاطلاع ميدانياً على أوضاعهم، والاستماع إلى شهاداتهم، ودعم الجهود الإنسانية التي تبذلها المنظمة لتلبية احتياجاتهم، والمساهمة في إيصال صوتهم إلى المجتمع الدولي.

كيف خُطط للزيارة، وما المنهج الذي اتبعتموه في متابعة أوضاع السودانيين؟
لم يكن الهدف إجراء تقييم رسمي لأوضاع السودانيين بقدر ما كان تقديم الدعم، ولا سيما الدعم النفسي والمعنوي. وجودي ضمن الوفد كان مهماً لأنني كنت السودانية الوحيدة المشاركة، وهو ما سهّل التواصل مع العالقين بلغتهم، وفهم احتياجاتهم، ومنحهم شعوراً بأن هناك من يسمعهم وينقل معاناتهم.

وضم الوفد برلمانية نمساوية سابقة عن حزب الخضر، وبرلمانية ألمانية عن حزب اليسار، وصحفياً، وثلاثة أعضاء من حزب اليسار النمساوي، إضافة إلى رئيس منظمة SOS Balkanroute، الذي أسهم في بناء شبكة واسعة من الشراكات مع منظمات وأفراد داخل البوسنة والهرسك، ما عزز جهود إيصال المساعدات الإنسانية إلى اللاجئين.

ما أكثر ما فاجأكم عندما التقيتم بالعالقين؟
كما يقول المثل: ليس من رأى كمن سمع. رغم أنني أعمل في قضايا الهجرة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، واطلعت على كثير من قصص النزوح والهجرة القسرية، فإن ما شاهدته هذه المرة كان مختلفاً.

ربما لأن الأمر يتعلق بالسودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى الرحيل بعد أن كانوا يحلمون بوطن يقوم على الحرية والسلام والعدالة. لكن الحرب بددت أحلام جيل كامل، ودفعت شباباً تتراوح أعمارهم بين 16 و28 عاماً إلى خوض واحدة من أخطر رحلات اللجوء.

القصص التي سمعتها كانت مؤلمة، لكن رؤية آثار الرحلة على أجسادهم كانت أشد وقعاً. رأيت شباناً وصلوا بعد أيام طويلة من السير عبر الجبال والوديان في مسار يعرفونه باسم "درب النمل". بعضهم وصل حافي القدمين، وقد بدت عليهم آثار الجوع والإرهاق والمشي الطويل.

عندها أدركت أن هناك معاناة لا يمكن للكلمات أن تنقلها كاملة.

ما أبرز القضايا التي تكررت في شهاداتهم؟
أكثر ما تكرر في رواياتهم كان قسوة رحلة النزوح، والانتهاكات التي يتعرضون لها على الحدود.
تحدث كثيرون عن عمليات الإعادة القسرية من الحدود الكرواتية إلى البوسنة، ومصادرة الهواتف المحمولة والأحذية والمبالغ المالية القليلة التي يحملونها، ثم إجبارهم على العودة سيراً على الأقدام دون ماء أو طعام.

وتزداد هذه المعاناة خلال فصل الشتاء، عندما يضطرون لعبور الجبال والغابات وسط البرد القارس، في ظروف تهدد حياتهم. لم تكن هذه روايات فردية، بل تجربة متكررة لدى عدد كبير ممن التقيناهم.

هل وجدتم فجوة بين الرواية الرسمية والواقع؟
نعم، هناك فجوة واضحة.
الخطاب الرسمي يركز على مكافحة الهجرة التي يسمونها غير شرعية، بينما يكشف الواقع أن المشكلة الحقيقية تكمن في أسباب الهجرة القسرية نفسها.

لا يمكن معالجة هذه الأزمة بالاكتفاء بإغلاق الحدود وتشديد الإجراءات الأمنية، في وقت تستمر فيه الحروب والانقلابات وانتهاكات حقوق الإنسان في دفع الناس إلى النزوح.

كما أن أوروبا، في تقديري، لا تزال تتعامل مع نتائج الأزمة أكثر من تعاملها مع أسبابها، متجاهلة في أحيان كثيرة آثار تاريخ طويل من الاستعمار، والدعم الذي قُدم لأنظمة استبدادية بهدف الحد من تدفقات الهجرة القسرية.

ما الذي لا ينقله الإعلام بدقة عن أوضاع العالقين؟
يعتمد ذلك على زاوية التغطية. إذا انطلقت التغطية من فرضية مكافحة الهجرة، فمن الطبيعي أن يطغى صوت السياسات الرسمية. أما إذا انطلقت من فهم أسباب الهجرة القسرية، فإنها ستمنح مساحة أكبر لأصوات اللاجئين أنفسهم، وهم الأقدر على رواية ما عاشوه.

في النهاية، هؤلاء ليسوا أرقاماً في تقارير، بل أشخاص هربوا من الحرب، ليجد كثير منهم أنفسهم في ظروف لا تقل قسوة.

ما أكثر المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرتكم؟

يصعب اختزال الزيارة في مشهد واحد.
ما بقي في ذاكرتي أقدامهم الحافية، ووجوههم التي أنهكها الحزن رغم حداثة أعمارهم، ثم المقابر التي دُفن فيها بعضهم بلا أسماء.

ومن أكثر المشاهد إيلاماً ثلاثة شبان سودانيين بُترت أطرافهم بعد أن ضلوا الطريق أياماً وسط الثلوج والصقيع خلال رحلة النزوح. كما لا أنسى فتاة من جنوب السودان كانت ترتدي قميصاً يحمل عبارة SPLA، فاستحضرت حلم جون قرنق بوطن يتسع للجميع، وهو حلم ما تزال أصداؤه حاضرة في وجوه أجيال ولدت وسط الحروب.

رغم ذلك أسرني تمسكهم بالحياة.

وفي المقابل، ترك المتطوعون في البوسنة أثراً بالغاً في نفسي؛ من بينهم "بابا عاصم"، وعذراء التي يناديها اللاجئون "أم اللاجئين"، ونهاد الذي كرّس جهده لمساعدة المصابين والبحث عن المفقودين، وإشتفيني النمساوية، الممرضة المتقاعدة التي اختارت أن تواصل خدمة من أنهكتهم رحلة اللجوء، إضافة إلى صابر من الصليب الأحمر وزوجته الموظفة داخل المخيم.

كانت هذه النماذج دليلاً على أن التضامن الإنساني ما يزال قادراً على تجاوز الحدود.

ما أبرز العقبات أمام إيجاد حلول دائمة؟
أبرز العقبات تتمثل في السياسات الأوروبية التي تتعامل مع القضية من منظور أمني يركز على منع وصول المهاجرات و المهاجرين، بدلاً من معالجة الأسباب التي تدفعهم إلى الهجرة القسرية.

فالحلول المستدامة تبدأ بمعالجة جذور الأزمة، ودعم قيام أنظمة تضمن الأمن والحرية والكرامة، وليس بالاكتفاء بإغلاق الحدود.

ما المسؤولية التي تقع على عاتق الحكومات والمنظمات الدولية؟

المطلوب الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها.

على الحكومات أن تدرك أن الهجرة القسرية نتيجة مباشرة للحروب والانتهاكات وغياب الأمان، وأن مسؤوليتها لا تقتصر على منع وصول اللاجئين، بل تشمل الإسهام في معالجة الظروف التي تدفعهم إلى الهروب، وعدم التغاضي عن استغلال موارد بلدانهم أو دعم الأنظمة التي تنتج النزوح.

أما المنظمات الدولية، فعليها توفير الحماية القانونية والإنسانية والنفسية للعالقين، والعمل على ألا تتحول طرق الهجرة إلى مسارات للموت والاستغلال.

هل غيّرت الزيارة فهمكم لهذه القضية؟
لم تغيّر الزيارة قناعاتي، لكنها عززتها.

ما رأيته أكد لي أن القضية ليست قضية حدود أو أرقام، بل قضية حقوق وكرامة إنسانية.

لذلك أصبحت أكثر تمسكاً بالدفاع عن حقوق هؤلاء، وأكثر اقتناعاً بأن الدفاع عن حقوق الإنسان التزام أخلاقي لا ينبغي أن يخضع للحسابات السياسية.

ما الرسالة التي حملتموها من العالقين، ولمن ينبغي أن تصل؟

الرسالة التي حملتها هي نداء إلى الضمير الإنساني.
على العالم أن ينظر إلى هؤلاء باعتبارهم بشراً اضطروا إلى الفرار من الحرب، لا باعتبارهم مجرد ملف للهجرة.

ينبغي أن تصل هذه الرسالة إلى الحكومات والمنظمات الدولية وصناع القرار، وأن تدفعهم إلى مراجعة السياسات التي تركز على احتواء نتائج الأزمة بدلاً من معالجة أسبابها.

فهؤلاء لا يطلبون الشفقة، بل الاعتراف بحقهم في الحياة والكرامة والأمان.

وراء كل لاجئ قصة، ووراء كل رحلة نزوح أحلام انكسرت، وعائلات تنتظر، ومستقبل أُجبر أصحابه على البحث عنه بعيداً عن أوطانهم.

معرض الصور