تم التحديث: ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ 18:42:17
كبف تضغط موجات الحر والجفاف في أوروبا على الغذاء في السودان
الأصمعي باشري
لا تبدو موجات الحر والجفاف التي ضربت أجزاء واسعة من أوروبا خلال صيف 2026 أزمةً أوروبية خالصة، إذ يمكن أن تمتد تداعياتها إلى أسواق الغذاء العالمية، ومنها السودان الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتغطية احتياجاته من السلع الأساسية. وتزداد خطورة هذا السيناريو في ظل هشاشة الاقتصاد السوداني، وتراجع الإنتاج الزراعي، وعدم اليقين بشأن الموسم المطري، واستمرار الحرب التي أضعفت سلاسل الإمداد وقدرة المنتجين والمستهلكين على مواجهة ارتفاع الأسعار.
وتشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن موجات الحر المتكررة خلال يونيو ويوليو أدت إلى تقليص فترة امتلاء الحبوب في عدد من مناطق أوروبا، بينما تسببت درجات الحرارة المرتفعة ونقص الأمطار في استنزاف رطوبة التربة والإضرار بالمحاصيل الصيفية. وخفضت توقعات الاتحاد الأوروبي لإنتاج بعض المحاصيل الشتوية بنسب تراوحت بين 1 و4 في المئة، فيما تراجعت توقعات إنتاج الذرة ودوار الشمس بنحو 6 إلى 7 في المئة. كما أشارت تقارير الرصد الأوروبية إلى استمرار ظروف الجفاف في مناطق واسعة من وسط وشرق وغرب القارة.
وقد لا تعني هذه التراجعات بالضرورة حدوث نقص عالمي حاد في الحبوب، لكنها تزيد حساسية الأسواق لأي انخفاض إضافي في الإنتاج أو الصادرات. فأوروبا من كبار المنتجين والمصدرين الزراعيين، وأي تراجع في إنتاجها يمكن أن يدفع بعض الدول إلى زيادة مشترياتها من السوق العالمية لتعويض النقص المحلي. ومع ارتفاع الطلب، تصبح الأسعار أكثر تعرضاً للصدمات، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع اضطرابات في مناطق إنتاج أخرى أو ارتفاع تكاليف النقل والطاقة والتأمين.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى القمح، الذي يمثل سلعة استراتيجية للسودان، سواء للاستهلاك المباشر أو لصناعة الخبز. وكانت أسعار الحبوب العالمية قد شهدت تحركات متباينة خلال الأشهر الماضية، فيما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن أسواق الحبوب والزيوت النباتية تظل شديدة التأثر بالطقس والقيود على الإمدادات والتغيرات في التجارة العالمية. وبالنسبة إلى السودان، فإن انتقال أي زيادة في السعر العالمي إلى السوق المحلية قد يكون مضاعفاً بسبب تراجع قيمة العملة، وارتفاع تكاليف النقل، والرسوم، وتكاليف التخزين والطحن والتوزيع.
ولا يقتصر الخطر على القمح وحده. فالتغيرات المناخية والاضطرابات الزراعية العالمية يمكن أن تنعكس كذلك على أسعار الذرة والزيوت النباتية والسكر وغيرها من السلع الغذائية. وفي بلد يعيش ملايين سكانه تحت ضغوط الحرب والنزوح وتراجع الدخول، فإن ارتفاع أسعار الغذاء لا يمثل مشكلة اقتصادية فحسب، بل يتحول سريعاً إلى قضية أمن غذائي وإنساني.
وفي الداخل السوداني، يضاف عامل آخر شديد الأهمية، يتمثل في عدم انتظام الأمطار. فالزراعة المطرية تشكل ركناً أساسياً من الإنتاج الزراعي، بينما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن عدم انتظام المناخ وتدهور التربة وضعف تقنيات الزراعة والمياه تمثل تحديات رئيسية أمام رفع الإنتاجية الزراعية في السودان. كما أن الاعتماد على مصادر مائية موسمية يجعل قطاعات واسعة من البلاد شديدة الحساسية لتقلبات المطر والجفاف.
وتزداد أهمية ملف مياه النيل في هذا السياق. فالسودان يمتلك مورداً مائياً استراتيجياً، لكن الاستفادة منه تحتاج إلى استثمارات في الري وحصاد المياه وتخزينها وإدارة الموارد بصورة أكثر كفاءة. وتوضح بيانات منظمة الأغذية والزراعة أن الأنهار القادمة من الهضبة الإثيوبية، وفي مقدمتها النيل الأزرق، تتميز بتفاوت كبير بين فترات ارتفاع وانخفاض التدفقات، ما يجعل إدارة المياه وتخزينها عاملاً حاسماً بالنسبة إلى الزراعة السودانية.
ومن هنا، فإن قضية حصاد المياه لا ينبغي أن تُعامل باعتبارها مشروعاً تنموياً مؤجلاً إلى حين توفر التمويل الدولي، بل كجزء من استراتيجية وطنية للتكيف مع تغير المناخ. ويمكن أن تشمل هذه الاستراتيجية إنشاء السدود والحفائر والخزانات الصغيرة، وتطوير شبكات الري، وتحسين تقنيات حصاد مياه الأمطار، وإعادة تأهيل مشاريع الري القائمة، إلى جانب تطوير نظم الإنذار المبكر للمواسم الزراعية والجفاف.
وتحذر مبادرات جامعة نوتردام المعنية بالتكيف المناخي من أن هشاشة الدول أمام تغير المناخ لا ترتبط بالتعرض للمخاطر وحده، وإنما كذلك بقدرتها على الاستعداد والتكيف. ويقيس مؤشر ND-GAIN هذه الهشاشة من خلال قطاعات تشمل الغذاء والمياه والصحة والبنية التحتية والموائل الطبيعية. ولذلك فإن ضعف القدرة المؤسسية والاقتصادية على التكيف قد يجعل السودان أكثر تعرضاً لتداعيات أي صدمة مناخية عالمية.
المشكلة، إذن، ليست في موجة حر أوروبية منفردة، وإنما في عالم يتجه إلى مزيد من اضطراب المناخ والأسواق. وإذا استمرت درجات الحرارة في الارتفاع وتكررت موجات الجفاف، فإن تقلب إنتاج الغذاء سيصبح أكثر انتظاماً، وستزداد المنافسة على الموارد والأسواق. وفي السودان، حيث تتقاطع الحرب مع الفقر والنزوح وضعف الإنتاج، يمكن أن تكون آثار هذه الصدمات أكثر قسوة.
الحل المتاح ليس انتظار التعويضات أو التمويل الخارجي وحدهما، وإنما بناء قدرة سودانية على الصمود: زيادة الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الغذاء، وتحسين إدارة المياه، والاستفادة القصوى من الموارد المائية المتاحة ضمن الأطر والاتفاقات القائمة، وتوسيع مشاريع حصاد مياه الأمطار، والاستثمار في الزراعة الذكية مناخياً. فالمعركة القادمة لن تكون فقط مع ارتفاع أسعار القمح، بل مع عالم يتغير فيه المناخ وتزداد فيه كلفة الغذاء والمياه والطاقة في وقت واحد.
