تم التحديث: ١٩ يوليو ٢٠٢٦ 09:30:15

هل ستتآمر ظاهرة النينيو مع الحرب هذا العام على السودانيين؟
أمير بابكر عبد الله
نشر في ألترا صوت
في تلك الليلة نزل الغبار، وغطى وجه البلد حتى لا يكاد الرجل يرى كفه. وكان النيل في أقصى فيضانه، يدمدم ويهدر كأنه وحش غاضب، والناس قلقون على زروعهم وبيوتهم. وفي تلك الليلة بالتحديد، لم يَعُد مصطفى سعيد إلى بيته، وهكذا قرر الروائي الكبير الطيب صالح أن تكون نهاية بطل روايته "موسم الهجرة إلى الشمال".
ينتظر السودانيون، القاطنون على ضفاف النيل وفروعه، موسم الفيضان من كل عام ليجدد الأرض ويغذي مصادر المياه لعام قادم، على الرغم من الخسائر التي يمكن يحدثها في بعض الأحيانن مثلما ينتظرون أن تتوقف الحرب ليمارسوا حياتهم الطبيعية التي فارقوها منذ إندلاعها قبل أكثر من 3 سنوات. استيقظوا في شهر يوليو من هذا العام على انحسار كبير وغير مسبوق للمياه مع بداية موسم الأمطار، مما يثير مخاوف بتداعيات ذلك الأمر على كثير من مناحي الحياة المرتبطة بها.
ليس هذا فحسب، فموسم الأمطار الذي عادة ما تبدأ بشائره في شهر يوليو من كل عام، كل المؤشرات تنبيء بمعدلات أقل من المعدلات السنوية المعتادة. فقد تأخر هطول الأمطار في مناطق الزراعة الآلية في مناطق شرق السودان، بولاية القضارف التي وبمعدلات أقل في ولايات النيل الأزرق وسنار، بينما تشهد بعض أجزاء من ولايات كردفان ودارفور هطول أمطار بمعدلات كبيرة في نطاق محدود.
ما يثير المخاوف هو ما اعلنه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، الذي توقع حسب بيانات الإرصاد الجوي، أن تُلحق موجات الحر الشديدة والجفاف والفيضانات دمارًا هائلًا بالمجتمعات في أمريكا اللاتينية وشرق وجنوب أفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ. وأشار إلى ما خلفته ظاهرة النينيو الأخيرة، في الفترة 2023-2024، من عشرات الملايين من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الغذاء والتغذية والمياه والصرف الصحي والرعاية الصحية والدعم الزراعي والحماية.
وتوقع فليتسر الأسوأ خلال هذا العام، إذ تاتي ظاهرة النينيو في ظل الصراعات واسعة النطاق، وتزايد أعداد النازحين، وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والمواد الغذائية، مما يُثقل كاهل الأسر الأكثر ضعفًا، في حين يعاني النظام الإنساني من تقليصات حادة.

تراجع كبير لمستويات مياه النيل
الانخفاض الذي شهدته مناطق من الخرطوم ونهر النيل والشمالية خلال هذا الشهر لفت الانتباه لأنه كان أكبر من المعتاد في بعض المواقع، وأدى إلى ابتعاد المياه عن مآخذ محطات الشرب، مثل محطة الصالحة، وظهور ألسنة رملية داخل مجرى النهر. ورغم عدم صدور بيان رسمي من الجهات الفنية المختصة، تراوحت التفسيرات بين ما هو طبيعي بأنه انخفاض يسبق عادة وصول الفيضان، وتأثير تشغيل السدود بما فيها سد النهضة الأثيوبي وتزامن بدء ملء بعض الخزانات في السودان مع تأخر وصول موجة الفيضان.
العامل الأبرز والأكثر تأثيراً على تذبذب مناسيب المياه عند بداية موسم الخريف في السنوات الأخيرة، هو تزامنها مع تنظيم أثيوبيا للمياه والملء وتشغيل مولدات الكهرباء في سد النهضة. فأي حجز للمياه أو تعديل في بوابات السد يؤدي فوراً إلى تراجع التدفقات اليومية الواردة إلى النيل الأزرق، الرافد الرئيسي للنيل، قبل أن يُعاد فتحها لاحقاً لتمرير الفيضان.
وفي ذات التوقيت تقوم وزارة الري السودانية أحياناً بتفريغ جزئي لبعض الخزانات (مثل سد الروصيرص وسنار وجبل أولياء) كإجراء تحوطي لاستقبال مياه الفيضان العالية القادمة من الهضبة الإثيوبية، مما يؤدي مؤقتاً إلى انخفاض المنسوب خلف وأمام تلك السدود بانتظار الموجة الإجمالية للفيضان.
وفيما يمكن التعامل مع العامل الأول، لكن الأخطر هو أن يشهد شهرا يونيو ويوليو انخفاضاً حاداً وغير معتاد في الإيرادات اليومية للنيل الأبيض والنيل الأزرق، الرافدان الرئيسيان اللذان يغذيان نهر النيل. وبحسب إحصائيات، سجل النيل الأبيض تراجعاً ملموساً في تدفقاته اليومية التي وصلت إلى حوالي 90 مليون متر مكعب يومياً مقارنة بمعدلات سابقة أعلى بكثير، فيما تراجعت تدفقات النيل الأزرق، مما جعل الإجمالي العام للمياه عند مقرن النيلين بالخرطوم ينخفض إلى قرابة 180 مليون متر مكعب يومياً بعد أن كان يتجاوز 300 مليون متر مكعب في الفترات السابقة، وهو ما يفسر الانحسار السريع للمياه عن الشواطئ.
إضافة إلى ذلك فإن التغيرات المناخية تتسبب في جعل الطقس أكثر تطرفاً وغير قابل للتنبؤ. وقد شهد السودان هذا العام ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة قبل وصول ذروة الفيضان مما زاد من معدلات تبخر المياه في مجرى النهر وفي بحيرات السدود، الشيء الذي أدى إلى ظاهرة الانحسار المؤقت وظهور الألسنة الرملية بشكل لافت للعيان.
تأثير ظاهرة النينيو على السودان
على المستوى العالمي، للتقارير والتحليلات المناخية الصادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية والمراكز الإقليمية لعام 2026، فإن مؤشرات الطقس تشير إلى تنامي ظاهرة النينيو خلال أشهر الصيف والخريف.
في السودان، يرتبط نمو ظاهرة النينيو تاريخياً ومناخياً بتأثيرات مباشرة على موسم الأمطار من يونيو وحتى أكتوبر. وعلى عكس مناطق شرق أفريقيا الاستوائية، التي تشهد أمطاراً غزيرة خلال النينيو، تتراجع معدلات الأمطار في السودان، خاصة في الأقاليم الشرقية والوسطة والغربية، مقارنة بالمعدلات الطبيعية مما يؤدي إلى تأخر موسم الخريف الفعلي في العديد من الولايات الزراعية.
من ناحية أخرى، يؤثر النينيو على انتظام الأمطار، مما يؤدي إلى فترات جفاف مؤقتة ومتقطعة بمنتصف الموسم مما يؤثر على نمو المحاصيل الزراعية، إلى جانب إمكانية هطول امطار غزيرة في أيام معدودة لا يمكن الاستفادة الحقيقية منها للمياه الجوفية أو الزراعة. وهذذا ما يدفع بالمزارعين إلى تقليل المساحات المزروعة وتراجع انتاجية المحاصيل الأساسية. كما يؤثر شح الأمطار في المراعي الطبيعية مما يضطر الرعاة إلى التحرك في مسارات تسبب احتكاكات ونزاعات على المياه المتوفرة.
تأتي ظاهرة النينيو هذا العام بتأثيراتها السالبة على قطاعات هامة واستراتيجية في الاقتصاد والاجتماع السوداني متزامنة مع ثلاث سنوات وأكثر من الحرب وتداعياتها على السودانيين، والتي يتضاعف أثرها عاماً بعد عام على ذات القطاعات وبدرجة أكبر. إن المخاوف تتزايد مع موسم أمطار شحيح هذا العام، مع النقص الكبير في الإمدادات الإنسانية حيث يواجه السودان خطر التراجع إلى مستويات أشد من الجوع بسبب تهديد الحرب، وتخفيضات تمويل المساعدات، وارتفاع تكاليف الزراعة الناجم عن الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، مما يهدد تقويض المكاسب التي تحققت في احتواء المجاعة التي اجتاحت أجزاء من ذلك البلد الذي يمزقه الصراع، بحسب المدير التنفيذي بالإنابة لبرنامج الأغذية العالمي، كارل سكاو.


