تم النشر بتاريخ: ١٥ يوليو ٢٠٢٦ 16:01:15
تم التحديث: ١٥ يوليو ٢٠٢٦ 16:38:20

تصعيد دولي لمواجهة اقتصاد الحرب في السودان

مواطنون
حذرت الأمم المتحدة من تحول الموارد الطبيعية والسلع الاستراتيجية في السودان إلى مصادر لتمويل الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، مؤكدة أن سيطرة أطراف النزاع على الأراضي وطرق التجارة والموارد أسهمت في نشوء «اقتصاد حرب» بات يلعب دوراً متزايداً في إطالة أمد الصراع.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الأربعاء، إن طرفي الحرب يعتمدان، في مواجهة التكاليف المتزايدة للعمليات العسكرية، على استغلال الأراضي ومسارات التجارة والسلع، في وقت خلف فيه النزاع أعداداً هائلة من القتلى والنازحين ودفع مناطق واسعة من البلاد إلى حافة المجاعة.

ودعت المفوضية أطراف النزاع، إلى جانب الدول والشركات المنخرطة في شراء وتجارة السلع السودانية، إلى ضمان الامتثال للقانون الدولي واحترام حقوق الإنسان، والتحقق من أن أنشطتها التجارية لا تسهم في تمويل الصراع.

وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن «ثروة السودان الهائلة من الموارد الطبيعية ينبغي أن تعود بالنفع على شعبه»، مضيفاً أن الواقع الحالي يعكس صورة مغايرة، إذ تسهم هذه الموارد في تقويض حقوق الإنسان وتأجيج الصراع والتسبب في معاناة واسعة النطاق.

وأضاف تورك أن «اقتصاد الحرب هذا يجب تفكيكه»، داعياً المجتمع الدولي إلى إيلاء اهتمام أكبر للسلع وطرق التجارة التي تساعد على استمراره.

الصمغ العربي في قلب اقتصاد الحرب
وجاء التحذير الأممي في تقرير ركز على تجارة الصمغ العربي، أحد أهم المنتجات السودانية وأكثرها ارتباطاً بسلاسل الإمداد العالمية، إذ يدخل في صناعات تتراوح بين المشروبات الغازية ومستحضرات التجميل والأدوية.

وقبل اندلاع الحرب، كان السودان يوفر ما بين 70 و80 في المئة من صادرات الصمغ العربي الخام عالمياً. وعلى الرغم من أن القيمة المالية لصادراته أقل مقارنة بسلع أخرى، فإنه يمثل مصدراً مهماً للدخل لملايين السودانيين، فضلاً عن كونه سلعة تعتمد عليها صناعات عالمية متعددة.

وخلص التقرير إلى أن عدداً كبيراً من العاملين والمعتمدين على تجارة الصمغ العربي تعرضوا للنهب والابتزاز والاعتقال التعسفي والتهديد، لا سيما على أيدي أطراف النزاع والقوات المتحالفة معها.

وأشار، على سبيل المثال، إلى تقارير أفادت بأن قوات الدعم السريع نهبت، في مايو 2025، بورصة الصمغ العربي ومستودعاتها وجزءاً من السوق المحلية في مدينة النهود بولاية غرب كردفان، في وقت كانت فيه المخزونات ممتلئة وجاهزة للتصدير، ما أدى إلى اضطراب حاد في التجارة المحلية وسبل عيش السكان.

وبحسب المفوضية، أدت الحرب إلى تفتيت مسارات تجارة الصمغ العربي. إذ تنقل الكميات المنتجة في المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة إلى ميناء بورتسودان بغرض التصدير، بينما تُحوّل كميات كبيرة من المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع إلى دول مجاورة عبر طرق التهريب العابرة للحدود.

وحذر التقرير من إمكانية إعادة تداول الصمغ المهرب باعتباره منتجاً محلياً في دول أخرى، الأمر الذي يجعل تتبع مصدره الحقيقي والتحقق من سلسلة إمداده أكثر صعوبة.

وحث تورك الدول والشركات المرتبطة بتجارة السلع السودانية، بما فيها الصمغ العربي، على تعزيز التتبع والمساءلة والرقابة التنظيمية، والتأكد من عدم مساهمة أنشطتها في تأجيج الحرب أو انتهاك حقوق الإنسان.

وقال: «لا يمكن للشركات الاستمرار في ممارسة الأعمال كالمعتاد عند الاستيراد من سلاسل قيمة متأثرة بالصراع».

أوروبا تستهدف ذهب السودان
وتتزامن التحذيرات الأممية مع تحركات أوروبية تستهدف مصادر تمويل الحرب في السودان. فقد فرض الاتحاد الأوروبي، مطلع الأسبوع، قيوداً على تجارة الذهب والمواد المستخدمة في التعدين، في خطوة قال إنها تهدف إلى تقليص الموارد المالية المغذية للنزاع وزيادة الضغط على الجهات المستفيدة من «اقتصاد الحرب».

وبحسب مجلس الاتحاد الأوروبي، تشمل الإجراءات حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب الصادر من السودان، إلى جانب حظر بيع أو توريد أو نقل أو تصدير الزئبق والسيانيد إلى البلاد، وهما مادتان تستخدمان على نطاق واسع في عمليات تعدين الذهب واستخراجه.

كما تشمل القيود حظر تقديم خدمات مرتبطة بهذه الأنشطة، بما في ذلك المساعدة التقنية والوساطة والخدمات المالية.

وقال الاتحاد الأوروبي إن الذهب تحول إلى مصدر رئيسي للإيرادات التي تسهم في استمرار الحرب، وإن تقييد تجارته والحد من وصول مواد التعدين إلى السودان يستهدفان تقليص الموارد المتاحة للجهات المسؤولة عن إدامة العنف.

واستثنى القرار السلع المخصصة للأغراض الإنسانية وحالات الطوارئ الصحية العامة والاستجابة للكوارث من القيود المتعلقة بالزئبق والسيانيد.

ويرى الاتحاد الأوروبي أن الإجراءات الجديدة توسع نطاق نظام عقوباته من استهداف الأفراد والكيانات إلى ملاحقة عناصر أساسية في البنية الاقتصادية التي تساعد على استمرار الحرب.

وكانت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، أكدت بمناسبة مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب أن التكتل سيواصل استخدام أدواته، بما فيها العقوبات، للضغط من أجل وقف النزاع.

وتضع التحذيرات الأممية والعقوبات الأوروبية الموارد السودانية في صلب النقاش الدولي حول استمرار الحرب، في ظل تزايد القناعة بأن الصراع لم يعد يعتمد فقط على التفوق العسكري، وإنما على شبكات تجارة وتهريب وسلاسل إمداد توفر للأطراف المتحاربة الموارد اللازمة لمواصلة القتال.

معرض الصور