تم التحديث: ٦ يوليو ٢٠٢٦ 15:49:31

بعد تقرير هيومن رايتس ووتش.. ما الجديد في تقرير أمنستي إنترناشيونال عن الفاشر؟
مواطنون
تناول تقريرا هيومن رايتس ووتش وأمنستي انترناشيونال عن حصار الفاشر وتداعيات سيطرة قوات الدعم السريع عليها، أشبه بتناول روايتي الكاتبين السودانيينن منصور الصويم في روايته "تخوم الرماد" و عبد العزيز بركة ساكن في روايته "مسيح دارفور". إذا كان منصور الصويم في "تخوم الرماد" قد هندس بناء الكارثة وتنبأ بجذورها بوعي اجتماعي صارم، فإن عبد العزيز بركة ساكن في "مسيح دارفور" قد فجّر هذا البناء وكتب بدم وعرق الضحايا صرخة احتجاجية سريالية ضد وحشية الإبادة.
ربما كان لعامل الزمن بين التقريرين الصادرين عن المنظمتين الدوليتين، أثر واضح في بنية ومحتوى كل منهما. إذ سبقت هيومان رايتس في تقريرها الأول، والذي جاء مباشرة بعد دخول قوات الدعم السريع لعاصمة ولاية شمال دارفور، الفاشر، في 29 أكتوبر 2025، إي بعد عدة أيام من سقوط المدينة، وكان تقريراً أولياً اعتمد بدرجة كبيرة على تحليل الفيديوهات والشهادات العاجلة، والحقه بعد ذلك بدعوة إلى عقد جلسة خاصة في مجلس حقوق الإنسان بشأن الفاشر في 12 فبراير من العام الجاري، ومن ثم نشر مقابلة وتحليل حول نتائج التحقيقات في سقوط الفاشر. و يمكن اعتبار تقرير هيومن رايتس ووتش أول توثيق دولي شامل للفظائع التي أعقبت سقوط الفاشر.
امنستي إنترناشيونال نشرت تقريرها في مطلع هذا الشهر، يوليو، بفارق زمني يقارب النصف عام، لكنه جاء بعد تحقيق استمر ثمانية أشهر، واستند إلى 247 مقابلة وصور أقمار صناعية وتحليل 89 مقطع فيديو، مع تكييف قانوني أكثر تفصيلاً للجرائم باعتبارها جرائم ضد الإنسانية، وتحديد أسماء قادة ميدانيين يُشتبه في مسؤوليتهم. ويمثل تقرير أمنستي تحقيقاً استقصائياً موسعاً يهدف إلى دعم ملفات المساءلة الجنائية الدولية، ويغطي النطاق الزمني الممتد من مطلع عام 2024 وحتى ما بعد السيطرة الكاملة على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025 وما تلاها حتى يناير 2026.
ما الجديد؟
يتفق التقريران في سرد الوقائع، مثل ملفات حصار المدينة ومنع دخول المساعدات الإنسانية وقتل المدنيين والهجمات على المخيمات والنساء والاستهداف الإثني، بينما تتمثل الإضافات الأساسية في التوسع في الأدلة، وتحديد المسؤوليات الفردية، والتكييف القانوني الأكثر تفصيلاً.
جاء تقرير أمنستي أكثر تحديداً في كثير من المحاور التي تناولها مقارنة بتقرير هيومن رايتس ووتش، إذ انتقل من مربع جرائم الحرب إلى الجرائم ضد الإنسانية بصورة أكثر تفصيلاً. فبينما ركز الأخير على الحصار والهجمات العشوائية وقتل المدنيين ومنع المساعدات واحتمال ارتكاب جرائم حرب، حدد تقرير امنستي طبيعة الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بصورة واضحة، والتي شملت بحسب التقرير، جرائم ضد الإنسانية، أجملها في الإبادة والاسترقاق والاستعباد الجنسي والاضطهاد الإثني والسجن غير المشروع والتعذيب. مما يجعله تطوراً قانونياً باعتبار أن الجرائم ضد الإنسانية لا تتطلب وجود معارك عسكرية مباشرة بقدرما تتطلب إثبات وجود سياسة ممنهجة تستهدف المدنيين.
أبرز تقرير أمنستي قضية الاستعباد الجنسي بصورة موسعة، متجاوزاً الاكتفاء بحوادث العنف الجنسي على توصيف قانوني أكثر تحديداً عندما يذكر أن النساء اختطفن واحتجزن لأسابيع وأجبرن على الطبخ والتنظيف وتعرضن لاعتصاب متكرر.
في تناولها لملف الأطفال ركزت أمنستي على الاستهداف الممنهج على الأطفال. وأشارت بشكل قاطع إلى أن الأطفال، بعد إجراء مقابلات مباشرة معهم، لم يكونوا مجرد "أضرار جانبية" للنزاع، بل جرى استهدافهم عمداً بالقتل، الإصابة، الاغتصاب، التجنيد القسري، والاختطاف، بمن فيهم الأطفال ذوي الإعاقة، وهو ما يجعل التقرير قريباً من معايير آلية الأمم المتحدة الخاصة بالأطفال والنزاعات المسلحة.
وفي حين ركزت "هيومان رايتس ووتش" على الهجمات الشاملة ضد المدنيين والانتهاكات العرقية الواسعة، فإن أمنستي تفرد مساحة تحليلية وقانونية خاصة لبحث الأثر النفسي والجسدي المصمم خصيصاً لتدمير جيل الأطفال وتوثيق ولادات النساء في الملاجئ وتحت القصف.
وفيما يعتبر إضافة جديدة، وثق تقرير أمنستي إنترناشيونال صعوبة فرار ذوي الإعاقة واستهدافهم أثناء الهجمات وسرقة وسائل الحركة وتأثير الحرب عليهم بصورة خاصة. وهو ما لم تتوسع فيه التقارير التي تناولت تداعيات سقوط مدينة الفاشر.
ولإثبات جريمة الاضطهاد والبعد العنصري للانتهاكات، يذكر التقرير استخدام كلمة "فلنقاي" بوصفها لفظاً عنصرياً يستحضر تاريخ الرق. واعتبرها ليست مجرد شتائم وإنما دليل قانوني على وجود نية التمييز الإثني والاضطهاد والاستهداف على أساس الهوية.
يعتبر توثيق جرائم أخذ الرهائن مقابل الفدية من الملفات الجديدة التي لم تكن محوراً رئيسياً في تقارير هيومان رايتس ووتش، إذ وثقت أمنستي 45 حالة احتجاز و36 رهينة مقابل فدية ووجود اطفال بين الرهائن وتحديد مبالغ الفدية مما يعتبر دليلاً على وجود نيَّة لتحقيق مكاسب مالية.
وفي ملف مأساة السواتر الترابية ومراكز الاحتجاز، وثق تقرير أمنستي تعرض المدنيين الفارين للحصار والقتل عند شبكة سواتر ترابية تحيط بالفاشر يبلغ طولها 57 كيلومتراً، وتحولها إلى مقابر جماعية وإعدامات ميدانية. ويقدم التقرير شهادات حية ومقاطع لأشخاص احتجزوا في ظروف قاسية داخل حاويات شحن مغلقة في مراكز محددة، مثل مركز احتجاز "ميناء البري" في الضواحي الشرقية للفاشر.
ومن أهم ميزات تقرير أمنستي إنترناشيونال هو تركيزه على المسؤولية الفردية في الانتهاكات والجرائم، بتحديدها أسماء قادة ميدانيين وهم، اللواء جدو حمدان أحمد محمد، المقدم عباس خاطر بخيت والفاتح عبد الله إدريس (أبو لولو)، واتهام كل واحد منهم بأفعال محددة، في وقت تشير فيه هيومان رايتس ووتش إلى المسؤولية القيادية بصفة عامة.
في تقاريرها المنشورة، تطالب هيومان رايتس ووتش المجتمع الدولي بالضغط السياسي وتشديد العقوبات والمساءلة، بينما أوصت أمنستي انترناشيونال في تقريرها الأخير بنشر قوة دولية مستقلة لحماية المدنيين.

