تم النشر بتاريخ: ٣ يوليو ٢٠٢٦ 18:07:08
تم التحديث: ٣ يوليو ٢٠٢٦ 18:10:49

الحكم المحلي في السودان.. عندما تُدفن الدولة في أطرافها

الأصمعي باشري
ليس من الصعب أن ترى آثار الحرب في المدن المدمرة والجسور المنهارة والمنازل الخالية من سكانها، لكن هناك دمارًا آخر أقل ظهورًا وأكثر خطورة، لأنه يصيب روح الدولة لا جدرانها. إنه الدمار الذي أصاب مؤسسات الحكم المحلي، تلك المؤسسات التي كانت، في الأصل، تمثل الجسر بين الدولة والمواطن، فإذا بها تتحول اليوم إلى أحد أبرز تجليات أزمة الدولة السودانية.

الحرب لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية، بل هدمت أيضًا البنية المؤسسية التي يقوم عليها الحكم. وما جرى للحكم المحلي خلال هذه الفترة لا يمكن وصفه بأنه مجرد ضعف في الأداء أو تعثر فرضته الظروف الاستثنائية، لكنه عملية تجريف كاملة للفكرة نفسها. لقد أُفرغ الحكم المحلي من مضمونه، وسُلبت منه وظائفه، وتحول من مؤسسة تخدم المواطنين إلى أداة تخدم السلطة.

كان المقصود بالحكم المحلي أن يكون مساحة للمشاركة الشعبية، ومدرسة للديمقراطية، ومنصة لتوزيع السلطة والثروة بصورة أكثر عدالة. لكن ما نشهده اليوم هو النقيض تمامًا. فالولايات لم تعد أجزاءً من دولة واحدة بقدر ما أصبحت جزرًا سياسية وإدارية، لكل منها مركز قرارها الخاص، ولكل منها أولوياتها وتحالفاتها، بينما تراجعت سلطة المركز إلى مجرد إدارة للأزمات اليومية، أو إلى ممارسة انتقائية للنفوذ بحسب موازين القوة.

الأخطر من ذلك أن المحليات نفسها فقدت هويتها. لم تعد محليات بالمعنى الذي تعرفه الإدارة العامة، وإنما تحولت إلى مناطق نفوذ مغلقة، تُدار بعقلية الطوارئ، وتحكمها لغة التعبئة والاستنفار أكثر مما تحكمها نصوص القانون. وحين تصبح الإدارة المحلية امتدادًا للحالة العسكرية، فلا يعود هناك مجال للحديث عن التنمية أو المشاركة أو التخطيط، لأن منطق الحرب لا يعترف بالمؤسسات، وإنما يعترف فقط بموازين القوة.

إن ما يجري اليوم ليس مجرد خلل إداري، وإنما انقلاب هادئ على فلسفة الدولة. فالقوانين التي نظمت الحكم المحلي لعقود لم تعد هي المرجعية الحاكمة، وإنما حلت محلها شبكة معقدة من العلاقات الشخصية والولاءات السياسية والمصالح المتبادلة. وأصبحت القرارات تُصنع خارج المؤسسات، بينما يُطلب من المؤسسات لاحقًا أن تمنحها غطاءً شكليًا من الشرعية.

في ظل هذا الواقع، ظهرت طبقة جديدة من أصحاب النفوذ، لا علاقة لها بالكفاءة أو الخبرة أو الخدمة العامة. طبقة صنعتها ظروف الحرب، وترعرعت في بيئة غابت عنها الرقابة والمحاسبة. وهي طبقة لا تستثمر في بناء المؤسسات، وإنما في إضعافها، لأنها تدرك أن المؤسسة القوية تضع حدودًا للنفوذ، بينما المؤسسة الضعيفة تفتح أبواب الامتيازات بلا سقف.

وهكذا أصبح الولاء أهم من القانون، وأصبحت القرابة من مركز القرار أكثر قيمة من الكفاءة، وصارت الوظيفة العامة طريقًا للنفوذ لا وسيلة لخدمة المواطنين. إنها معادلة خطيرة لا تُنتج إدارة عامة، وإنما تُنتج شبكات مصالح يصعب تفكيكها لاحقًا، لأنها تربط بقاءها باستمرار الفوضى.

وإذا كان المواطن قد فقد الأمن بسبب الحرب، فإنه بدأ يفقد ثقته بالدولة بسبب ما آلت إليه مؤسساتها. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على احتكار القوة، وإنما بقدرتها على تقديم الخدمات، وإدارة الموارد، وتحقيق العدالة بين مواطنيها. وعندما يعجز الحكم المحلي عن توفير الماء، أو صيانة الطريق، أو تنظيم الأسواق، أو حماية المال العام، فإن المواطن لا يرى أزمة محلية، بل يرى دولة تتراجع خطوة بعد أخرى.

المفارقة أن الجميع يتحدث اليوم عن إعادة الإعمار، بينما يتجاهل السؤال الأكثر أهمية: من الذي سيقود هذه العملية؟ فإعادة بناء المدن لا تتم عبر مؤسسات مدمرة، ولا تُدار بواسطة إدارات أُفرغت من الكفاءة والاستقلال. إن إعادة الإعمار تبدأ أولًا بإعادة بناء الإدارة، لأن المؤسسات هي التي تبني الحجر، وليس العكس.

ولعل أخطر ما في المشهد الراهن هو محاولة تطبيع هذا الواقع، وكأن ما يجري أمر طبيعي فرضته الحرب. غير أن التاريخ يعلمنا أن أخطر آثار الحروب ما تفرضه من استثناءات تتحول مع الزمن إلى قواعد دائمة. وإذا اعتادت الدولة إدارة الحكم خارج القانون، فإنها ستجد نفسها عاجزة عن العودة إليه حتى بعد توقف الحرب.

لا ينبغي أن نخدع أنفسنا بالقول إن هذه مجرد مرحلة انتقالية. فالمراحل الانتقالية هي أكثر الفترات التي تتشكل فيها قواعد المستقبل. وإذا أُسست الدولة الجديدة على منطق الولاءات بدل المؤسسات، وعلى النفوذ بدل القانون، فإن السودان لن يخرج من الحرب إلى السلام، بل سينتقل من صراع السلاح إلى صراع مراكز القوى.

إن أزمة الحكم المحلي ليست أزمة محليات أو ولايات، وإنما أزمة مفهوم للدولة. فالدولة الحديثة لا تقوم على أشخاص نافذين، بقدر تأسيسها على وحدات مستقلة. ولا تُدار بالتوجيهات، بل بالقانون. ولا تستمد قوتها من الولاءات، بقدر ما تستمد هذه القوة من ثقة المواطنين فيها. وكلما تراجعت هذه المبادئ، اقتربت الدولة من حالة التفكك، حتى وإن بقيت حدودها الجغرافية كما هي.

لهذا فإن إعادة الاعتبار للحكم المحلي قضية سياسية ووطنية من الدرجة الأولى. إنها معركة من أجل استعادة الدولة نفسها. ولا يمكن كسب هذه المعركة إلا بإعادة السلطة إلى المؤسسات، وإخضاع الجميع لحكم القانون، وإنهاء ظاهرة الإدارة بالاستثناء، وإعادة بناء العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس الدستور لا على أساس موازين القوة.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من المسؤولين، بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات. ولا يحتاج إلى توسيع نفوذ السلطة، بل إلى توسيع سلطة القانون. فالدول لا تنهار حين تُهزم جيوشها فقط، وإنما تنهار أيضًا حين تفقد مؤسساتها معناها، ويتحول القانون إلى نص مهمل، ويصبح النفوذ بديلًا عن الشرعية.

ستنتهي الحرب يومًا، لكن السؤال الذي سيبقى مطروحًا هو: أي دولة ستخرج من تحت ركامها؟ فإذا استمر الحكم المحلي رهينةً للولاءات والمصالح الضيقة، فإن السودان لن يكون قد تجاوز الحرب، بل سيكون قد دخل مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها انهيار الدولة من الداخل. أما إذا أُعيد بناء الحكم المحلي على أسس المؤسسية والمساءلة واللامركزية الحقيقية، فسيكون ذلك أول انتصار حقيقي على الحرب، وأول خطوة نحو استعادة الدولة التي يحلم بها السودانيون.

معرض الصور