تم التحديث: ١ يوليو ٢٠٢٦ 19:10:29

عندما توفي البروفيسور سمير هاشم وحيدًا في متحف بالسودان
عفاف عباس أحمد
المصدر: ukrant.nl
في الأسابيع الأولى من الحرب في السودان، وجد زميلنا الدكتور سمير هاشم، وهو محاضر جامعي وعالم حيوان وباحث في متحف التاريخ الطبيعي بالخرطوم، نفسه محاصرًا داخل المؤسسة التي كرّس لها حياته المهنية بأكملها.
مع اشتداد القتال في وسط الخرطوم، تحولت الشوارع المحيطة بالجامعة إلى ساحة معركة. حاول الأصدقاء والزملاء مرارًا وتكرارًا الوصول إليه أو ترتيب إجلائه، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل.
لأسابيع، بقي الدكتور سمير وحيدًا بين الحيوانات التي أمضى سنوات في دراستها ورعايتها. ومع تدهور الأوضاع، اضطر إلى مشاهدة العديد من الحيوانات التي كانت تحت رعايته تموت جوعًا وإهمالًا دون أن يحرك ساكنًا.
عندما تمكن الأصدقاء أخيرًا من الوصول إلى المتحف بعد عدة أسابيع، عثروا على مذكراته التي وصف فيها الخيارات الصعبة التي واجهها خلال عزلته. كما اكتشفوا رفات رجل داخل برميل من الفورمالديهايد: رجل شهد ليس فقط تدمير مؤسسة علمية، بل تدمير عالم بأكمله مُكرّس للمعرفة والبحث والتعليم.
سواءً أكان يُذكر كعالم، أو مُعلّم، أو ضحية حرب، فإن قصة الدكتور سمير تُجسّد مأساة أكبر بكثير. ففي جميع أنحاء السودان، سقطت الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات والمكتبات والطلاب والأكاديميون ضحايا صراعٍ عطّل بعمق أحد أهم ركائز التعافي المستقبلي للبلاد: التعليم العالي.
منذ اندلاع النزاع المسلح في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، شهد السودان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث. قُتل عشرات الآلاف، ونزح الملايين.
وكان التعليم العالي من بين القطاعات الأكثر تضررًا. كغيرها من مدن الخرطوم، عانت جامعة الخرطوم من أضرار جسيمة خلال النزاع. فقد تضررت مبانٍ عديدة، وأصبحت المختبرات والمكتبات غير متاحة، وتوقفت الدراسة والبحث العلمي بشكل شبه كامل لفترة طويلة. ونزح آلاف الطلاب والموظفين داخل السودان أو تشتتوا في البلدان المجاورة وخارجها.
تأسست جامعة الخرطوم عام 1902، وهي أقدم وأعرق مؤسسة للتعليم العالي في السودان. ولأجيال، لعبت دورًا محوريًا في التنمية الفكرية والسياسية والمهنية للبلاد.
ومع ذلك، أصبحت جامعة الخرطوم رمزًا للصمود. فحيثما أمكن، واصل المحاضرون التدريس عن بُعد. ووضعت الكليات خطط طوارئ لضمان استمرار البرامج الأكاديمية. وشكّل الطلاب مجموعات دراسية عبر الإنترنت، وحافظوا على تواصلهم رغم انقطاع الإنترنت المتكرر، وانقطاع التيار الكهربائي، والضغوط النفسية الناجمة عن النزوح القسري.
تُظهر هذه الجهود أنه بينما يمكن تدمير المباني، غالبًا ما تجد المجتمعات الأكاديمية سُبلًا للصمود. بالنسبة للطلاب السودانيين، حوّلت الحرب السعي وراء التعليم العالي إلى صراع من أجل البقاء.
بين عشية وضحاها، فقد الكثيرون إمكانية الوصول إلى قاعات المحاضرات والمكتبات والمختبرات. نزح بعضهم عدة مرات، بينما لجأ آخرون إلى مصر وأوغندا وجنوب السودان وإثيوبيا والمملكة العربية السعودية وغيرها.
في الوقت نفسه، واصل عدد لا يحصى من المحاضرين والباحثين التدريس في ظل ظروف بالغة الصعوبة. ألقى بعضهم محاضرات عبر الإنترنت من مخيمات اللاجئين أو الملاجئ المؤقتة، بينما أشرف آخرون على الطلاب وهم يواجهون النزوح وانعدام الأمن المالي ومسؤولية إعالة أسرهم.
مع أن هذا الوضع لا يمكن أن يحل محل الحياة الجامعية الطبيعية، إلا أنه مكّن من استمرارية التعليم العالي إلى حد ما رغم الظروف الصعبة للغاية.
حتى بعد توقف القتال نهائيًا، سيتطلب إعادة بناء قطاع التعليم العالي في السودان سنوات عديدة من الجهود المتواصلة.
ستحتاج الجامعات إلى إصلاح البنية التحتية المتضررة، وإعادة بناء القدرات البحثية، ودعم الطلاب والموظفين المتضررين نفسيًا، ومعالجة النقص الحاد في التمويل، وتشجيع الأكاديميين النازحين على إعادة التواصل مع مؤسساتهم.
لا يقل أهمية عن ذلك استعادة الثقة، وإعادة بناء الشبكات الأكاديمية، وإحياء روح الانتماء التي تُمثل جوهر الحياة الجامعية.
غالبًا ما تُطغى أهوال الحرب المباشرة على تدمير الجامعات. ومع ذلك، يلعب التعليم العالي دورًا محوريًا في التعافي وبناء السلام والتنمية المستدامة.
تُخرّج الجامعات معلمين وأطباء ومهندسين وعلماء نفس وعلماء وموظفين حكوميين يُعتمد عليهم في المستقبل. فهي تُنتج معارف جديدة، وتُنمّي التفكير النقدي، وتُبثّ الأمل في أوقات الشدة والغموض.
لذا، فإن قصة جامعات السودان ليست قصة سودانية فحسب، بل تُذكّرنا بأن النزاعات المسلحة لا تُدمّر الأرواح والبنية التحتية فحسب، بل تُدمّر أيضًا المؤسسات التي تُشكّل مستقبل الأمة.
إن وفاة الدكتور سمير هاشم ليست سوى مثال مأساوي واحد من بين آلاف المحاضرين والطلاب وموظفي الجامعات الذين فقدوا أرواحهم نتيجة هذه الحرب المدمرة. وراء قصته آلاف الطلاب الذين انقطع تعليمهم، والباحثين الذين أُجبروا على المنفى، والمؤسسات التي تُكافح من أجل البقاء.
سيتوقف مستقبل السودان، إلى حد كبير، على ما إذا كانت جامعاته - والعاملون فيها - ستُمنح الفرصة للتعافي وإعادة البناء ومواصلة رسالتها الأساسية: النهوض بالمعرفة في أعقاب الدمار.

