تم التحديث: ٢٠ يونيو ٢٠٢٦ 16:03:36

إرث من الألم.. أجيال من السودانيين تعيش دوامة النزوح
المصدر: وكالة أنباء شينخوا
لم يكن الوصول إلى مركز الكرامة للنازحين جنوب الدمازين في ولاية النيل الأزرق بالسودان بالأمر الهين.
بعد ساعات من المطر، تحول الطريق الترابي إلى شريط من الوحل يمتد عبر السهول المفتوحة. تحركت المركبة ببطء عبر الحفر وبرك المياه، بينما كانت علامات هطول أمطار غزيرة أخرى تزداد وضوحًا مع كل كيلومتر.
للوهلة الأولى، بدا المخيم كحقل شاسع من الخيام المنتصبة على أرض مبتلة. كان السكان يتحركون بحذر على طول الممرات الموحلة، بينما كان الأطفال يلعبون بين الملاجئ والنساء يُجهزن وجبات العشاء. ملأت رائحة التربة المبللة بالمطر الأجواء، تذكيرًا صامتًا بأن الحياة هنا لا تتشكل فقط بفعل النزوح، بل أيضًا بفعل الظروف الموسمية القاسية.
يُعد مركز الإيواء هذا من أكبر المراكز في ولاية النيل الأزرق. أُنشئ في أوائل عام 2025 وسط تصاعد حدة الاشتباكات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في جنوب الولاية، واستقبل منذ ذلك الحين آلاف العائلات النازحة جراء القتال.
يؤوي هذا المخيم اليوم نحو 9000 نازح يعيشون في ما يقارب 1500 إلى 1800 خيمة منتشرة في ساحة مفتوحة. لكل خيمة حكاية. بعضها يأوي عائلات، بينما يأوي بعضها الآخر عائلتين تتشاركان نفس المساحة المحدودة.
وسط هذا الحشد الصاخب، جلس رجل مسنّ بهدوء عند مدخل مأوى متواضع. كان اسمه سليمان صالح، 73 عامًا. أجبرته الحرب الأهلية الدائرة على استعادة تجربة ظنّها منذ زمن بعيد من الماضي. متكئًا على عمود خشبي، استذكر فراره إلى إثيوبيا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب بين القوات الحكومية والحركة الشعبية لتحرير السودان.
قال وهو يحمل بطاقة لاجئ باهتة مصفرة من مخيم أسوسا غرب إثيوبيا: "حصلت على هذه البطاقة حوالي عام 1988، عندما كنت لاجئًا في إثيوبيا. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف إن كنت سأعود إلى بلدي أم سأقضي بقية حياتي هناك".
"كنت في منتصف الثلاثينيات من عمري. ظننت أن أصعب ما قد يواجهه الإنسان هو إجباره على ترك أرضه"، هكذا تابع حديثه. "لكنني اكتشفت لاحقًا أن أصعب ما في الأمر هو الخوف من أن يمر أبناؤك وأحفادك بنفس التجربة".

عاد صالح عام 1991 وساعد في إعادة بناء قريته. قال ابنه محمد، البالغ من العمر الآن 35 عامًا، إنه لم يتوقع أبدًا أن يعيد التاريخ نفسه.
"لم أتخيل يومًا أنني سأجلس مع والدي بعد ٤٠ عامًا في مخيم جديد، نتحدث عن النزوح مجددًا"، قال.
عندما اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023، تدهورت الأوضاع تدريجيًا. "في البداية حاولنا مواصلة حياتنا الطبيعية"، قال محمد. "لكن الطرق أصبحت غير آمنة، وارتفعت الأسعار، وانقطعت الخدمات".
بحلول أكتوبر ٢٠٢٥، كانت العائلة قد تركت منزلها ومزرعتها وممتلكاتها وانتقلت إلى المخيم قرب دامازين. "كنا نعتمد على الزراعة وتربية المواشي، لكننا الآن نكافح لتأمين الدخل والغذاء والدواء"، همس.
بالنسبة لحفيد صالح، علي، البالغ من العمر ثماني سنوات تقريبًا، تدور حياته اليومية الآن حول البقاء على قيد الحياة. قال وهو يحمل الماء على طول الطرق الموحلة: "أذهب مع إخوتي إلى مصدر الماء أكثر من مرة في اليوم".
وعندما سُئل عما يفتقده أكثر من غيره، أجاب الصبي: "مدرستي... كنتُ أحب الرياضيات والرسم. كنتُ أحلم بأن أصبح معلمًا أو مهندسًا".
مع حلول المساء، تجمع السكان للحصول على الماء أو جلسوا في مجموعات صغيرة، يتبادلون أخبار الحرب وأخبار أقاربهم المنتشرين في أماكن أخرى.
قالت فاطمة عبد الرحمن، متطوعة في الهلال الأحمر في المخيم: "قصة عائلة سليمان صالح تلخص معاناة آلاف العائلات السودانية".
وأضافت: "لا يقتصر النزوح على جيل واحد، بل يتكرر داخل العائلة نفسها عبر أزمنة مختلفة. وكأن ذكرى النزوح تنتقل من جيل إلى جيل".
وفي غرب المخيم، عاشت عائشة إدريس، البالغة من العمر 58 عامًا، تجربة مماثلة. هربت أولًا إلى إثيوبيا في شبابها، ثم عادت وأعادت بناء حياتها، لتُهجّر مرة أخرى بسبب الحرب الحالية. تشتتت عائلتها الآن في مدن ودول مجاورة.
وقالت: "كنت أعتقد أن أصعب ما في المنفى هو فراق الوطن، لكن الأصعب هو رؤية عائلتك تتفرق أمام عينيك، دون أن تعرف متى ستلتقي بهم مجددًا".
قالت إن أمنيتها الكبرى هي انتهاء الحرب لكي تعود إلى وطنها. "لا أريد شيئًا أكثر من أن أرى عائلتي مجتمعة من جديد تحت سقف واحد."
تعكس قصص سليمان صالح وعائشة إدريس مأساة أوسع نطاقًا شهدها السودان على مدى عقود، حيث تأثرت أجيال متعاقبة بموجات النزوح واللجوء الناجمة عن النزاعات المسلحة.
ووفقًا للمنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد النازحين داخليًا في السودان حوالي 2.8 مليون شخص قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023. ووصل هذا الرقم إلى ذروته عند حوالي 16 مليون نازح ولاجئ في أواخر عام 2024، من بينهم حوالي 12 مليون داخل البلاد و4.3 مليون في الدول المجاورة، مما جعل السودان إحدى أكبر أزمات النزوح في العالم.
ومع حلول الليل، غرق المخيم في الظلام، ولم تضيء سوى أضواء متناثرة بين الخيام التي تؤوي آلاف القصص المتداخلة.
في طريق عودتنا، لم أستطع إلا أن أسأل زملائي: هل ستكون هذه نهاية معاناة هذه العائلات، أم أن جيلاً آخر سيرث يوماً ما ذكرى الرحيل نفسها؟
داخل السيارة، ساد الصمت، لم يقطعه سوى صوت المحرك وعجلات السيارة وهي تشق طريقها في الوحل.
لم يُجب أحد.


