تم التحديث: ١٤ يونيو ٢٠٢٦ 15:19:59

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية مُعرّضة للتلف
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
بالقرب من القيادة العامة للجيش السوداني في الخرطوم، تُحفظ ملايين الوثائق التي تُؤرّخ لأكثر من خمسة قرون من تاريخ السودان داخل دار المحفوظات الوطنية، مُعرّضة لظروف الحرب القاسية.
يُحيط بالدار الأنقاض والغبار، وهي الآن مُعرّضة لخطر المزيد من التلف بعد أن لحق بها دمار واسع النطاق.
سقطت دار المحفوظات الوطنية تحت سيطرة قوات الدعم السريع في الساعات الأولى من الحرب في أبريل 2023. خلّفت المعارك الضارية حول الموقع آثارًا واضحة على المبنى المكون من أربعة طوابق، بما في ذلك أضرار ناجمة عن الحرائق والدمار والتلف الإنشائي، والتي لا تزال تُشير إلى ضراوة المعارك في المنطقة.
تضم الدار أكثر من ثلاثين مليون وثيقة تاريخية جُمعت منذ عام 1505، تُشكّل سجلًا شاملًا لتاريخ السودان السياسي والإداري والاجتماعي.
على الرغم من أن معظم الوثائق نجت من الحرائق التي اجتاحت أجزاءً كبيرة من المبنى، إلا أن استمرار تخزينها في بيئة مُتضررة وغير مُلائمة يُهدد بقاءها على المدى الطويل.

صرحت الدكتورة نجوى محمود، مديرة مكتب السجلات الوطنية، لصحيفة الشرق الأوسط، بأن معظم محتويات المكتب نجت من حرائق الحرب. لكنها حذرت من أن حفظها في مبنى متضرر قد يؤدي إلى تلف الوثائق والمخطوطات القديمة، لا سيما تلك التي أضعفها الزمن والهشاشة.
وأوضحت أن الأرشيف الإلكتروني للمكتب قد فُقد، مضيفةً أن الإدارة أعدت خطة للتحول الرقمي ستبدأ بتنفيذها فور تنظيم الوثائق.
وقالت: "تواصلنا مع وزارة الاتصالات والجهات الحكومية المعنية لتوفير الدعم اللازم لتنفيذ الخطة، بما يضمن حماية هذا التراث الوطني من المخاطر المستقبلية".
وبعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على ولاية الخرطوم في مارس 2025، أصدرت الحكومة قرارًا بنقل عدد من مؤسسات الدولة من مركز العاصمة، وشمل القرار مكتب السجلات الوطنية.
وأشارت محمود إلى أن المكتب طلب من مجلس الوزراء استثناءه من قرار النقل، مؤكدةً أن المبنى الحالي شُيّد وفقًا لمعايير خاصة لحفظ الوثائق التاريخية والأرشيف الوطني.
قالت إن نقل أكثر من 30 مليون وثيقة سيشكل تحديًا لوجستيًا كبيرًا، وسيتطلب موقعًا بديلًا بنفس المواصفات الفنية لحمايتها من التلف والعوامل البيئية.
وأعرب محمد يوسف، مدير إدارة التوثيق العامة بالمكتب، عن قلقه إزاء المخاطر التي تهدد الوثائق مع اقتراب موسم الأمطار. وأوضح أن القذائف التي أصابت المبنى خلّفت فتحات كبيرة في الأسقف، مما قد يسمح بتسرب مياه الأمطار إلى القاعات وغرف التخزين.
وأشار إلى أن المكتب لديه مذكرات تفاهم مع مؤسسات أرشيفية في عدد من الدول العربية والأفريقية. ولفت إلى أن وثائق سودانية هامة محفوظة في الأرشيف الوطني المصري، إلى جانب أرشيفات أخرى في جامعة الدول العربية، لا سيما في أقسام التوثيق والأرشفة.
وثائق مبعثرة على الأرض
داخل المبنى، تظهر آثار الحرب في كل زاوية. مخطوطات قديمة متناثرة على الأرض، توثق مراحل مختلفة من تاريخ السودان. وبالقرب منها صور لقادة حكموا البلاد منذ الاستقلال، إلى جانب وثائق من الدولة المهدية والفترة الأنجلو-مصرية.
يضم المبنى أيضًا أرشيفًا ضخمًا للصحافة السودانية يمتد لعقود.
وبحسب مسؤولين في المكتب، فقد نُهب الطابق الأرضي، الذي كان يضم مختبرات متخصصة وعشرات أجهزة الحاسوب، بالكامل. ومع ذلك، لا يزال آخر كتاب رُقم قبل أيام من اندلاع الحرب موجودًا، ما يُجسد التناقض بين ما نجا وما فُقد من ذاكرة البلاد.
ورغم حجم التحديات التي تواجه المؤسسة، لا يزال المسؤولون متمسكين بأمل الحصول على موافقة الحكومة للبقاء في المقر الحالي، وترميم المبنى، واستعادة دوره في حفظ الذاكرة الوطنية للسودان.
تعود جذور مكتب المحفوظات الوطني إلى عام 1916، حين كانت تُدار الوثائق الرسمية من خلال مكتب حاكم السودان العام، بمشاركة الأمناء الماليين والقضائيين والإداريين، الذين كانوا يحفظون الوثائق الصادرة عن مؤسسات الدولة آنذاك.
وفي عام 1965، منح قانون مكتب المحفوظات الوطني المؤسسة صفة وطنية وشخصية اعتبارية مستقلة. وقد منح ذلك المكتب مسؤولية حفظ وإدارة الوثائق الرسمية التي تنتجها مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى الوثائق المدنية والخاصة ذات القيمة التاريخية، مما جعله الحارس الرسمي للذاكرة الوطنية للسودان.


