تم النشر بتاريخ: ١٤ يونيو ٢٠٢٦ 13:01:15
تم التحديث: ١٤ يونيو ٢٠٢٦ 13:04:38

هزائم قياسية تهز الكرة النسائية السودانية.. ومطالب بالمحاسبة

الخرطوم ـ الأصمعي باشري
أثارت الهزائم الثقيلة والمتتالية التي تعرضت لها المنتخبات النسائية السودانية خلال شهر يونيو الجاري موجة واسعة من الانتقادات والغضب في الأوساط الرياضية والإعلامية، وسط اتهامات مباشرة للاتحاد السوداني لكرة القدم بسوء التخطيط وغياب الرؤية الفنية والإدارية، ومطالبات متزايدة بمحاسبة المسؤولين عن ما وصفه مراقبون بـ"الانهيار الكروي غير المسبوق" لكرة القدم النسائية في البلاد.

وشهدت الأيام الماضية نتائج صادمة للمنتخبات النسائية السودانية، حيث تلقى المنتخب الأول للسيدات هزيمتين قاسيتين أمام منتخب جزر القمر في المباراتين اللتين أقيمتا بالعاصمة المغربية الرباط، واستقبلت شباكه ثلاثين هدفاً في مجموع اللقاءين، في واحدة من أكبر الخسائر التي تتعرض لها المنتخبات السودانية على المستوى القاري.

ولم تكن الصورة أفضل حالاً بالنسبة لمنتخب السودان للسيدات تحت 17 عاماً، الذي يشارك في بطولة دول شرق ووسط أفريقيا "سيكافا" المقامة حالياً في كينيا، إذ تعرض لهزيمة كبيرة بلغت 16 هدفاً في إحدى مبارياته، قبل أن يضطر حكم اللقاء إلى إنهاء المباراة في الدقيقة الخامسة والستين بعد تعرض عدد من اللاعبات لحالات إجهاد وإعياء وإصابات متكررة داخل الملعب، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول جاهزية الفريق بدنياً وفنياً للمشاركة في البطولة.

وفي خضم هذه النتائج الكارثية، حمّل عدد من الإعلاميين والنقاد الرياضيين مسؤولية الإخفاقات لرئيسة لجنة كرة القدم النسائية بالاتحاد السوداني لكرة القدم، السيدة منال البشري، معتبرين أنها تتحمل جانباً كبيراً من مسؤولية القرارات التي قادت إلى مشاركة المنتخبات في منافسات خارجية دون إعداد كافٍ أو قاعدة تنافسية محلية قوية.

في هذا السياق، انتقدت الصحفية الرياضية ناهد الباقر أداء لجنة كرة القدم النسائية، مشيرة في منشور على صفحتها بموقع فيسبوك إلى أن قرار الدفع بالمنتخب النسائي للمشاركة في منافسات خارجية جاء في ظل غياب قاعدة محلية متماسكة لكرة القدم النسائية. واعتبرت أن منال البشري حققت نجاحات ملحوظة في مجالات أخرى، لا سيما في قطاع التعليم والاستثمار، إلا أن تجربتها في إدارة كرة القدم النسائية لم تحقق النتائج المطلوبة، معتبرة أن الإدارة خلال الفترة الماضية اتسمت بالطابع الإعلامي أكثر من اعتمادها على الأسس الفنية والرياضية.

من جانبه، وجه الكاتب والناقد الرياضي مصطفى عيدروس انتقادات لاذعة إلى وزارة الشباب والرياضة، واصفاً إياها بـ"الوزارة الصامتة" التي لا تتفاعل مع الأزمات الرياضية التي تواجه البلاد. كما اتهم الاتحاد السوداني لكرة القدم بالتركيز على الحصول على الدعم المالي المقدم من الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" دون وضع خطط استراتيجية واضحة لتطوير المنتخبات الوطنية أو الاستثمار في برامج الإعداد والتأهيل طويلة المدى.

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية تتجاوز حدود النتائج السلبية داخل الملعب، لتكشف عن مشكلات هيكلية عميقة تعاني منها كرة القدم النسائية في السودان، تبدأ من ضعف المنافسات المحلية وندرة البطولات المنتظمة، مروراً بغياب برامج اكتشاف المواهب وصقلها، وانتهاءً بنقص الإمكانات الفنية والإدارية اللازمة لبناء منتخبات قادرة على المنافسة إقليمياً وقارياً.

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تحولت الهزائم المتلاحقة إلى محور نقاش واسع بين الرياضيين والجماهير، حيث امتلأت المنصات الإلكترونية بموجة من التعليقات الساخرة والانتقادات الحادة لأداء الاتحاد السوداني لكرة القدم والبنية الكروية بشكل عام. واعتبر كثير من المتابعين أن ما حدث لم يكن مفاجئاً في ظل الظروف التي تعيشها الرياضة السودانية خلال السنوات الأخيرة، والتي شهدت تراجعاً ملحوظاً على مختلف المستويات.

كما أرجع بعض المعلقين الأسباب إلى الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، مؤكدين أن ضعف الإمكانات المالية وعدم توفير الاحتياجات الأساسية للاعبات، بما في ذلك التغذية والرعاية الصحية والإعداد البدني السليم، أسهم بشكل مباشر في ظهور المنتخبات بهذا المستوى المتواضع، خاصة بعد تداول مشاهد للاعبات بدت عليهن علامات الإرهاق الشديد خلال المباريات.

وفي المقابل، دعا آخرون إلى عدم تحميل اللاعبات المسؤولية الكاملة عن هذه النتائج، معتبرين أنهن ضحايا لواقع رياضي وإداري معقد، وأن المسؤولية الأساسية تقع على الجهات المشرفة على كرة القدم النسائية، التي لم توفر البيئة المناسبة للإعداد والتطوير قبل خوض منافسات دولية بهذا الحجم.

وأثار صمت الاتحاد السوداني لكرة القدم عقب هذه النتائج استغراب العديد من المتابعين، الذين انتظروا صدور توضيحات أو بيانات رسمية تشرح أسباب ما حدث أو تكشف عن خطوات المعالجة المستقبلية. إلا أن غياب أي رد فعل رسمي حتى الآن زاد من حدة الانتقادات وأشعل مطالبات بضرورة إجراء مراجعة شاملة لملف كرة القدم النسائية.

ويرى خبراء أن المرحلة المقبلة تتطلب اتخاذ قرارات جريئة تبدأ بتقييم التجربة الحالية بصورة علمية وشفافة، ومراجعة أسس اختيار الأجهزة الفنية والإدارية، والعمل على بناء قاعدة حقيقية لكرة القدم النسائية من خلال دعم المنافسات المحلية وبرامج الفئات السنية، بدلاً من الاكتفاء بالمشاركات الخارجية التي تنتهي بنتائج قاسية تؤثر على صورة الكرة السودانية.

وبينما تتواصل ردود الأفعال الغاضبة، تبقى الهزائم الأخيرة جرس إنذار قوياً يدق أبواب الاتحاد السوداني لكرة القدم ووزارة الشباب والرياضة، ويفرض عليهما مواجهة أسئلة صعبة حول مستقبل كرة القدم النسائية في السودان، وكيفية إنقاذها من واقع التراجع الحالي، قبل أن تتحول هذه النتائج المؤلمة إلى عنوان دائم لمسيرة اللعبة في البلاد.

معرض الصور