تم النشر بتاريخ: ١٠ يونيو ٢٠٢٦ 20:17:40
تم التحديث: ١٠ يونيو ٢٠٢٦ 20:20:22

مونديال 2026 بين شغف كرة القدم وهواجس التسييس

مواطنون
مع اقتراب انطلاق نهائيات كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك بشكل مشترك لأول مرة في تاريخ البطولة، تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى الحدث الرياضي الأكبر عالميًا، والذي يُنتظر أن يكون نسخة استثنائية من حيث عدد المنتخبات المشاركة وحجم الجماهير المتوقع تدفقها إلى دول الاستضافة. غير أن أجواء الحماس والترقب تتزامن مع تصاعد مخاوف حقوقية وسياسية بشأن الإجراءات التي تتخذها السلطات الأمريكية تجاه بعض الوفود الرياضية والمشجعين القادمين من دول معينة، ما يثير تساؤلات حول مدى حياد واستقلالية الحدث الرياضي الأبرز في العالم.

في السياق خضعت بعثة منتخب أوزبكستان في مطار نيويورك إلى تفتيش دقيق بواسطة الكلاب البوليسية، مما آثار حفيظة الطاقم الإداري للبعثة .

وتشير تقارير وشهادات متداولة إلى تعرض عدد من الأطقم الإدارية والفنية والحكام والمشجعين لصعوبات في الحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي انعكس سلبًا على استعدادات بعض المنتخبات والهيئات الرياضية المرتبطة بالبطولة. وقد برزت في هذا السياق حالات تتعلق بمنتخب العراق ومنتخب جنوب أفريقيا، إلى جانب شكاوى من مشجعين ينتمون إلى منتخبات أفريقية وعربية، من بينها السنغال والجزائر، فضلاً عن الحديث عن تأخير إجراءات دخول بعض الحكام المنحدرين من دول أفريقية، من بينهم حكم صومالي.

ويرى مدافعون عن حقوق الإنسان أن هذه الإجراءات تمثل مؤشرًا مقلقًا على إمكانية تسييس حدث رياضي يفترض أن يكون فضاءً عالميًا للتقارب بين الشعوب والثقافات. ويؤكد هؤلاء أن استضافة بطولة بحجم كأس العالم تفرض على الدول المضيفة التزامات أخلاقية وقانونية تضمن المساواة وعدم التمييز بين المشاركين والجماهير، بغض النظر عن جنسياتهم أو خلفياتهم السياسية أو الثقافية.

ويحذر مراقبون من أن استمرار العراقيل المرتبطة بالتأشيرات قد يهدد أحد أهم المبادئ التي قامت عليها الرياضة الدولية، وهو مبدأ تكافؤ الفرص. فالتأخير في منح التأشيرات للكوادر الفنية أو الإدارية قد يؤثر بشكل مباشر على التحضيرات اللوجستية للمنتخبات، كما أن حرمان الجماهير من حضور المباريات أو تعقيد إجراءات سفرها يحد من الطابع العالمي للبطولة ويحرم آلاف المشجعين من ممارسة حقهم المشروع في متابعة منتخباتهم من المدرجات.

وتزداد حدة الانتقادات في ظل اعتبار الولايات المتحدة الشريك الأكبر في استضافة البطولة، حيث ستقام على أراضيها غالبية المباريات، بما في ذلك المباراة النهائية. ويرى ناشطون أن السلطات الأمريكية مطالبة بتقديم ضمانات واضحة وشفافة لجميع المشاركين، تضمن عدم استخدام ملفات الهجرة أو التأشيرات كأدوات ضغط سياسية أو أمنية تتجاوز المتطلبات التنظيمية المعتادة.

في المقابل، تؤكد الجهات الرسمية الأمريكية في مناسبات مختلفة أن إجراءات منح التأشيرات تخضع لمعايير أمنية وإدارية معروفة، وأنها لا تستهدف دولًا أو أفرادًا بعينهم، بل تهدف إلى حماية الأمن الوطني وضمان سلامة الفعاليات الكبرى. إلا أن هذه التبريرات لم تنجح في تبديد المخاوف بالكامل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحالات تأخير متكررة تطال أشخاصًا مرتبطين مباشرة بالأنشطة الرياضية الدولية.

وتتجه الأنظار كذلك إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي يواجه انتقادات متزايدة بسبب ما يعتبره البعض موقفًا صامتًا تجاه هذه الإشكالات. فالفيفا، باعتباره الجهة المنظمة للبطولة والمسؤولة عن ضمان مشاركة جميع الأطراف في ظروف عادلة، مطالب – بحسب منتقديه – بممارسة دور أكثر فاعلية في متابعة ملفات التأشيرات والتأكد من عدم تعرض أي منتخب أو مشجع أو حكم للتمييز أو المعاملة غير المتكافئة.

يستند المنتقدون إلى سوابق تاريخية شهدت تدخل الفيفا لدى حكومات مختلفة لتسهيل حركة اللاعبين والمسؤولين الرياضيين خلال البطولات الكبرى. ولذلك يتساءلون عن أسباب غياب مواقف أكثر وضوحًا من الاتحاد الدولي في مواجهة الشكاوى الحالية، خاصة أن نجاح البطولة لا يقاس فقط بجودة الملاعب والتنظيم، وإنما أيضًا بمدى احترامها لقيم الانفتاح والشمولية التي طالما رفعتها المؤسسة الكروية العالمية.

ويخشى خبراء في الشأن الرياضي من أن يؤدي تداخل السياسة مع الرياضة إلى الإضرار بصورة كأس العالم نفسها، في وقت تسعى فيه الفيفا إلى توسيع قاعدة المشاركة الجماهيرية من خلال زيادة عدد المنتخبات إلى 48 منتخبًا. فنجاح هذا التوسع يتطلب تسهيل حركة الأشخاص عبر الحدود وضمان وصول جميع المشاركين إلى مواقع المنافسات دون عقبات غير مبررة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو نسخة 2026 أمام اختبار حقيقي يتجاوز المستطيل الأخضر. فبينما ينتظر الملايين حول العالم متابعة منافسات كروية استثنائية، يطالب المدافعون عن حقوق الإنسان والهيئات الرياضية الدولية بضمانات عملية تكفل حيادية البطولة وتحميها من أي محاولات للتسييس أو التمييز. ويؤكد هؤلاء أن كأس العالم يجب أن يبقى مناسبة عالمية تجمع الشعوب ولا تفرقها، وتجسد قيم العدالة والمساواة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن الحسابات السياسية والصراعات الدولية.

ويبقى السؤال مطروحًا مع اقتراب صافرة البداية: هل ستنجح الدول المستضيفة والفيفا في تقديم بطولة تليق بروح كرة القدم العالمية، أم أن الجدل المتصاعد حول التأشيرات وحرية التنقل سيظل يلقي بظلاله على أكبر عرس كروي في العالم؟

معرض الصور