تم التحديث: ٦ يونيو ٢٠٢٦ 15:49:24

8 منهم تعرضوا لمضايقات.. تصاعد الانتهاكات ضد الصحفيين السودانيين في ليبيا
مواطنون
كشفت نقابة الصحفيين السودانيين عن تعرض 8 صحفيين وصحفيات سودانيين مقيمين في ليبيا لانتهاكات خلال أسبوع واحد فقط، شملت الإهانة والتهديد والتحريض وخطاب الكراهية، في تطور يعكس تصاعد التوترات المرتبطة بملف الهجرة واللجوء في البلاد، ويثير مخاوف متزايدة بشأن سلامة الصحفيين السودانيين الذين فروا من الحرب الدائرة في وطنهم بحثاً عن ملاذ آمن.
وقالت سكرتيرة الحريات بنقابة الصحفيين السودانيين، إيمان فضل السيد، إن النقابة تلقت خلال الأسبوع الأول من يونيو الجاري بلاغات موثقة من 8 صحفيين وصحفيات تعرضوا لمضايقات وانتهاكات في عدد من المدن الليبية، موضحة أن الحالات شملت التهديد بالعنف ومحاولات الاعتداء والتمييز في الحصول على الخدمات الأساسية، بما في ذلك شراء الاحتياجات اليومية من المتاجر.
وأضافت أن النقابة رصدت تصاعداً مقلقاً في خطاب الكراهية والتحريض ضد اللاجئين السودانيين، وسط أجواء متوترة تشهدها ليبيا على خلفية الجدل المتعلق بملف المهاجرين واللاجئين، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على أوضاع الصحفيين السودانيين المقيمين هناك.
وبحسب بيانات النقابة، يبلغ عدد الصحفيين والصحفيات السودانيين الذين تم التواصل معهم داخل ليبيا 39 شخصاً، بينهم 16 صحفية، بينما يبلغ عدد المسجلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين 28 صحفياً وصحفية. كما أشارت النقابة إلى أن 17 من هؤلاء الصحفيين يقيمون في مناطق مصنفة بأنها خطرة أو شديدة الخطورة، ما يزيد من حجم التحديات الأمنية والإنسانية التي يواجهونها.
هذه التطورات تأتي في أعقاب احتجاجات شهدتها العاصمة الليبية طرابلس الأسبوع الماضي، حيث تجمع محتجون أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في منطقة جنزور غرب المدينة، مطالبين بإغلاقه على خلفية معلومات متداولة حول ما وصفوه بتوزيع "بطاقات توطين" على اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين.
وتحولت الاحتجاجات إلى اقتحام للمقر من قبل عدد من المتظاهرين قبل أن تتدخل قوات الأمن الليبية وتتمكن من السيطرة على الوضع وفض التجمع. وأثارت تلك الأحداث حالة من القلق بين الجاليات الأجنبية المقيمة في ليبيا، خاصة اللاجئين السودانيين الذين يشكلون إحدى أكبر المجموعات الوافدة إلى البلاد خلال السنوات الأخيرة.
وفي محاولة لاحتواء الجدل المتصاعد، أعربت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها من انتشار المعلومات المضللة وخطاب الكراهية المرتبط بعمل المنظمات الدولية، مؤكدة أن تلك الادعاءات ساهمت في زيادة التوترات والتحريض ضد موظفي الأمم المتحدة وشركائها.
وشددت البعثة في بيان رسمي على أن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين لا تنفذ أي برامج لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، ووصفت المزاعم المتداولة بهذا الشأن بأنها "عارية تماماً عن الصحة". وأوضحت أن المفوضية تعمل بالتنسيق مع السلطات الليبية والمجتمع الدولي على توفير حلول إنسانية للنازحين الفارين من الحروب والاضطهاد، تشمل الإجلاء إلى دول ثالثة أو العودة الطوعية إلى بلدانهم عندما تتوفر الظروف الآمنة.
تاريخ دويل لنزوح السودانيين
وترتبط حركة النزوح السوداني إلى ليبيا بتاريخ طويل يعود إلى عقود مضت، إذ شكلت ليبيا منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وجهة رئيسية للعمالة السودانية بسبب الروابط الجغرافية والقرب النسبي بين البلدين، إضافة إلى الفرص الاقتصادية التي وفرتها الطفرة النفطية الليبية آنذاك.
وخلال العقود اللاحقة استمرت موجات الهجرة السودانية نحو ليبيا لأغراض العمل والتجارة، إلا أن طبيعة هذه الحركة بدأت تتغير تدريجياً مع اندلاع النزاعات المسلحة في السودان، خاصة في إقليم دارفور منذ عام 2003، حيث لجأ آلاف السودانيين إلى الدول المجاورة، بما فيها ليبيا، هرباً من العنف وعدم الاستقرار.
ومع سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 ودخول ليبيا في مرحلة من الانقسام السياسي والأمني، أصبحت البلاد في الوقت نفسه محطة عبور رئيسية للمهاجرين الأفارقة الساعين للوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ومن بينهم أعداد متزايدة من السودانيين.
لكن أكبر موجة نزوح سودانية نحو ليبيا جاءت عقب اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، وهي الحرب التي تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم وفق تقديرات الأمم المتحدة. فقد أجبرت المعارك ملايين السودانيين على النزوح داخل البلاد أو اللجوء إلى دول الجوار مثل مصر وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وليبيا.
وبحكم الحدود الطويلة التي تربط السودان بليبيا عبر الصحراء الكبرى، تحولت المناطق الحدودية إلى أحد المسارات الرئيسية لعبور الفارين من الحرب، رغم المخاطر الكبيرة المرتبطة بالرحلات الصحراوية الطويلة وانتشار شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
وتشير تقارير منظمات دولية إلى أن آلاف السودانيين دخلوا الأراضي الليبية منذ اندلاع الحرب، بعضهم بهدف الإقامة المؤقتة والبحث عن فرص عمل، بينما يسعى آخرون إلى استخدام ليبيا كنقطة انطلاق نحو أوروبا. غير أن الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة داخل ليبيا جعلت كثيراً من هؤلاء اللاجئين يواجهون تحديات متزايدة تتعلق بالحماية القانونية والحصول على الخدمات الأساسية وفرص العمل.
الصحفيون السودانيون بين الحرب والمنفى
ويعد الصحفيون السودانيون من أكثر الفئات تأثراً بالحرب المستمرة في السودان، إذ اضطر عدد كبير منهم إلى مغادرة البلاد بعد تعرض مؤسسات إعلامية للإغلاق أو التدمير، فضلاً عن المخاطر الأمنية المرتبطة بالعمل الصحفي في مناطق النزاع.
وبالنسبة للصحفيين المقيمين في ليبيا، فإن العودة إلى السودان لا تزال خياراً بالغ الصعوبة بالنسبة لكثير منهم بسبب استمرار الحرب، بينما يواجهون في الوقت نفسه تحديات متزايدة في بلد اللجوء، تشمل المخاطر الأمنية والتضييق الاجتماعي وتصاعد خطاب الكراهية ضد المهاجرين.
وتحذر نقابة الصحفيين السودانيين من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والنفسية للصحفيين اللاجئين، داعية السلطات الليبية والمنظمات الدولية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان سلامتهم وحمايتهم من أي أعمال تحريض أو تمييز.
وفي ظل استمرار الحرب في السودان وتعقيدات المشهد الليبي، يبقى مستقبل مئات الصحفيين السودانيين اللاجئين رهناً بقدرة المجتمع الدولي والسلطات المعنية على توفير بيئة آمنة تحترم حقوقهم الأساسية وتكفل لهم الحماية إلى حين تهيؤ الظروف المناسبة لعودة آمنة ومستدامة إلى وطنهم.

