تم النشر بتاريخ: ٥ يونيو ٢٠٢٦ 11:44:31
تم التحديث: ٥ يونيو ٢٠٢٦ 11:49:20

بيان أديس أبابا: أزمة الرؤية في خطاب القوى المدنية

الأصمعي باشري
يكشف البيان الصادر عن القوى المدنية السودانية المجتمعة في أديس أبابا عن واحدة من أعمق أزمات النخبة السياسية السودانية: العجز عن إنتاج رؤية سياسية حقيقية، والاستعاضة عنها بتكديس الشعارات والمفردات الأخلاقية التي تبدو جميلة في ظاهرها لكنها عاجزة عن تقديم حلول واقعية للأزمة الوطنية.

فالبيان يتحدث عن السلام والعدالة والمواطنة والتنمية والمصالحة والعقد الاجتماعي الجديد، وهي كلها عناوين نبيلة لا يختلف عليها اثنان. لكن السؤال الذي يواجه القارئ منذ السطر الأول وحتى السطر الأخير هو: ماذا بعد؟ أين الخطة؟ أين المشروع؟ وأين الإجابات على الأسئلة التي فرضتها الحرب على السودان؟ وماهو دور اللجنة التحضيرية التي تم التوافق بشأنها ؟

لقد أصبح من السهل في الخطاب السياسي السوداني الحديث عن "وقف الحرب" دون توضيح الكيفية، وعن "العملية السياسية" دون تحديد أطرافها، وعن "العدالة" دون بيان أدواتها، وعن "العقد الاجتماعي الجديد" دون تقديم أي تصور لمضمونه. وهذا بالضبط ما فعله البيان؛ إذ قدم قائمة طويلة من الأمنيات العامة دون أن يقدم رؤية سياسية متماسكة أو برنامجاً قابلاً للتنفيذ.

الأكثر لفتاً للانتباه أن البيان يتحدث عن الحرب وكأنها ظاهرة طبيعية هبطت على السودان من السماء، لا نتيجة مباشرة لأزمة السلطة والدولة والنخب السياسية والعسكرية. فلا يوجد أي تشخيص حقيقي لجذور الصراع، ولا أي موقف واضح من القضايا التي فجرت الأزمة أصلاً: علاقة الجيش بالسياسة، ومستقبل التشكيلات المسلحة، وإصلاح القطاع الأمني، وشكل الدولة، وتوزيع السلطة والثروة. وكأن المطلوب هو القفز مباشرة إلى مرحلة ما بعد الحرب دون المرور عبر الأسئلة الصعبة التي صنعت الحرب نفسها.

كما أن البيان يكشف عن ميل متزايد لدى بعض القوى المدنية إلى إنتاج خطاب أخلاقي أكثر منه خطاباً سياسياً. فاللغة المستخدمة مشبعة بالقيم والمبادئ، لكنها فقيرة في الرؤية والاستراتيجية. والسياسة لا تحدد بكمية المفردات الجميلة التي يحتويها البيان، بل بقدرته على الإجابة عن سؤال السلطة: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ وبأي مؤسسات؟ وبأي ضمانات؟

ومن المفارقات أن القوى المدنية التي تدعو إلى "مشروع نهضوي" لم تقدم أي ملامح لهذا المشروع. فلا يوجد تصور اقتصادي لإعادة الإعمار، ولا رؤية لمعالجة الانهيار المؤسسي، ولا برنامج للتعامل مع ملايين النازحين واللاجئين، ولا حتى جدول زمني أو خطوات عملية يمكن من خلالها الانتقال من واقع الحرب إلى واقع السلام. وكأن مجرد إطلاق المصطلحات الكبرى يكفي لصناعة المستقبل.

إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس المزيد من البيانات المليئة بالمفاهيم العامة، بل شجاعة سياسية لمواجهة الحقائق. فالحرب لن تتوقف بالشعارات، والعدالة لن تتحقق بالنوايا الحسنة، والتنمية لن تأتي عبر الصياغات الإنشائية. وما لم تنتقل القوى المدنية من مرحلة إنتاج الخطاب إلى مرحلة إنتاج المشاريع، فإنها ستظل جزءاً من أزمة السياسة السودانية لا جزءاً من حلها.

لقد اعتاد السودانيون خلال العقود الماضية على بيانات تتحدث عن السلام والديمقراطية والعدالة والتنمية، بينما تتجنب الخوض في التفاصيل التي تحدد مصير هذه الشعارات على أرض الواقع. وبيان أديس أبابا، للأسف، لا يبدو استثناءً من هذه القاعدة. فهو يعبر عن توافق لغوي واسع، لكنه لا يعبر عن رؤية سياسية واضحة. وفي لحظة تاريخية يواجه فيها السودان خطر التفكك والانهيار، يصبح غياب الرؤية أكثر من مجرد نقص سياسي؛ إنه أزمة في حد ذاته.

معرض الصور