تم النشر بتاريخ: ٢ يونيو ٢٠٢٦ 15:55:13
تم التحديث: ٢ يونيو ٢٠٢٦ 16:06:22

بين كومونة باريس واعتصام القيادة في الخرطوم

قراءة مقارنة في تشكّل الفضاء الثوري والهوية الجماعية
حافظ حسين
تُعدّ الثورات والانتفاضات الشعبية لحظاتٍ استثنائيةً في تاريخ الشعوب؛ إذ تتجاوز كونها أحداثًا سياسيةً عابرةً لتصبح فضاءاتٍ لإعادة تعريف المجتمع لنفسه، وصياغة تصوراتٍ جديدةٍ للسلطة والهوية والعلاقات الإنسانية. ومن هذا المنظور، يمكن إجراء مقارنة بين كومونة باريس عام 1871 واعتصام القيادة العامة بالخرطوم عام 2019، بوصفهما تجربتين تاريخيتين جسّدتا محاولة الجماهير خلق واقعٍ بديل داخل فضاءٍ ثوري مستقل عن سلطة الدولة القائمة. ورغم اختلاف السياقات الزمنية والسياسية بين الحدثين، فإن بينهما أوجه تشابهٍ عميقة تتعلق بفكرة «الدولة المؤقتة» التي تنشئها الجماهير خلال لحظات الثورة، كما توجد بينهما اختلافاتٌ جوهريةٌ تتصل بالأهداف والنتائج والسياقات التاريخية.

نشأت كومونة باريس في أعقاب الهزيمة الفرنسية أمام بروسيا عام 1870، وما صاحبها من انهيارٍ سياسي واجتماعي. وقد شعر سكان باريس بأن الحكومة المركزية تخلّت عنهم، فانتفضوا وأقاموا سلطةً شعبيةً استمرت نحو اثنين وسبعين يومًا. أما اعتصام القيادة العامة في الخرطوم، فقد جاء في سياق ثورة ديسمبر السودانية التي اندلعت احتجاجًا على الأوضاع الاقتصادية والسياسية في ظل حكمٍ استمر ثلاثين عامًا. وبعد سقوط الرئيس عمر البشير، تحولت ساحة القيادة العامة إلى مركزٍ ثوري ضخم جمع مئات الآلاف من السودانيين الذين طالبوا بالانتقال إلى حكمٍ مدني ديمقراطي.

وفي كلتا الحالتين، ظهرت فكرة «المجتمع البديل». فالكومونة لم تكن مجرد احتجاجٍ على السلطة، بل كانت محاولةً لبناء نموذجٍ جديدٍ للحكم قائمٍ على المشاركة الشعبية المباشرة. كذلك لم يكن الاعتصام مجرد وسيلة ضغطٍ سياسية، بل تحول إلى فضاءٍ اجتماعي وثقافي أعاد السودانيون من خلاله اكتشاف أنفسهم وعلاقاتهم ببعضهم بعضًا. فقد نجح المعتصمون في خلق صورةٍ مصغرةٍ للسودان الذي يحلمون به، حيث تلاقت الثقافات والإثنيات والأديان المختلفة في إطارٍ من التعايش والتضامن.

ومن أبرز أوجه التشابه بين التجربتين دور الجماهير في صناعة الفعل التاريخي. ففي كومونة باريس، خرج العمال والحرفيون وصغار الموظفين إلى المسرح السياسي بوصفهم فاعلين أساسيين، لا مجرد تابعين للنخب التقليدية. وفي اعتصام القيادة العامة، برز الشباب والنساء ولجان المقاومة بوصفهم القوة المحركة للثورة. وقد لعبت النساء في الحالتين دورًا بارزًا؛ إذ ساهمت نساء باريس في الدفاع عن الكومونة وتنظيم الخدمات الاجتماعية، بينما أصبحت «الكنداكات» رمزًا للثورة السودانية، ومشاركاتٍ أساسياتٍ في الاعتصام والتنظيم والحشد.

كما تشابهت التجربتان في بناء أشكالٍ جديدةٍ من التضامن الاجتماعي. فقد شهدت كومونة باريس تنظيمًا جماعيًا للخدمات والإعاشة والتعليم، بما عكس روح التعاون بين السكان. وفي الاعتصام ظهرت المطابخ الجماعية، والعيادات الطبية المجانية، والمكتبات، ومنابر النقاش، والأنشطة الثقافية والفنية. وفي كلتا الحالتين، شعر المشاركون بأنهم ينتمون إلى مجتمعٍ جديدٍ تحكمه قيم المساواة والتكافل بدلًا من علاقات الهيمنة التقليدية.

غير أن الفارق الأساسي بين التجربتين يتمثل في طبيعة المشروع السياسي. فقد كانت كومونة باريس مشروعًا ثوريًا واضح المعالم، يسعى إلى إعادة بناء الدولة والمجتمع على أسسٍ اشتراكية وديمقراطية راديكالية. وقد اتخذت الكومونة قراراتٍ سياسيةً وإداريةً مباشرة، وأصبحت سلطةً فعليةً تدير المدينة. أما اعتصام القيادة العامة، فلم يكن مشروعًا للاستيلاء على السلطة أو إدارة الدولة بصورةٍ مباشرة، بل كان مساحة ضغطٍ جماهيري هدفت إلى فرض انتقالٍ ديمقراطي وتحقيق شعارات الثورة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة. ولذلك، فإن «دولة الاعتصام» كانت أقرب إلى نموذجٍ رمزي وأخلاقي للدولة المنشودة منها إلى سلطةٍ سياسية مكتملة الأركان.

ومن زاويةٍ أخرى، تكشف التجربتان أهمية الفضاء المكاني في تشكيل الوعي الثوري. فقد أصبحت باريس، أثناء الكومونة، مدينةً مختلفةً أعادت الجماهير تعريف شوارعها وساحاتها باعتبارها ملكًا للشعب. وكذلك تحولت ساحة القيادة العامة إلى فضاءٍ رمزي تجاوز حدود المكان الجغرافي ليصبح مركزًا لإنتاج المعاني الوطنية الجديدة. فالاعتصام استدعى تاريخ السودان وجغرافيته وتنوعه الثقافي في صورةٍ مكثفة، حتى بدا وكأنه السودان كما ينبغي أن يكون، لا كما هو قائم بالفعل.

ويتضح هذا البعد بصورةٍ خاصةٍ في قضية الهوية. فالمقال الذي انطلقت منه هذه المقارنة يرى أن سؤال الهوية ظل معضلةً تاريخيةً في السودان بسبب عجز النخب الفكرية والسياسية عن تقديم إجابةٍ جامعة تتجاوز الانقسامات التقليدية. وقد جاءت تجربة الاعتصام لتقدم، ولو بصورةٍ مؤقتة، نموذجًا عمليًا للتعايش بين المكونات المختلفة. ففي ساحة الاعتصام، لم تكن الهوية موضوعًا للنقاش النظري فحسب، بل ممارسةً يوميةً تجسدت في التفاعل المشترك بين أبناء الأقاليم والثقافات المتنوعة. وهنا يبرز اختلافٌ مهم عن كومونة باريس، التي كانت معنيةً أساسًا بالصراع الطبقي وقضية السلطة أكثر من انشغالها بإشكاليات الهوية الثقافية أو الإثنية.

ومن أوجه التشابه المهمة أيضًا أن التجربتين واجهتا عنفًا شديدًا من القوى المناهضة لهما. فقد انتهت كومونة باريس بما عُرف بـ«الأسبوع الدامي»، حيث قتلت القوات الحكومية عشرات الآلاف من الكومونيين. أما اعتصام القيادة العامة، فقد انتهى بفض الاعتصام في الثالث من يونيو 2019، وهو حدثٌ ترك أثرًا عميقًا في الوجدان السوداني وأدى إلى سقوط عددٍ كبيرٍ من الضحايا. وفي الحالتين، كان العنف تعبيرًا عن خوف السلطة من الإمكانات الرمزية والسياسية التي جسدتها تلك التجمعات الثورية.

لكن النتائج التاريخية اختلفت بصورةٍ ملحوظة. فالكومونة، رغم هزيمتها العسكرية، تحولت إلى رمزٍ عالمي للحركات العمالية والثورية، وأصبحت مرجعًا فكريًا وسياسيًا للتيارات الاشتراكية في العالم. أما اعتصام القيادة العامة، فقد أسهم في فرض ترتيبات الانتقال السياسي في السودان، لكنه ظل جزءًا من مسارٍ سياسي مضطرب واجه تحدياتٍ كبيرةً لاحقًا. ومع ذلك، فإن أثره الرمزي والثقافي ربما يكون أهم من نتائجه السياسية المباشرة؛ لأنه أعاد طرح سؤال الهوية الوطنية والتعايش المشترك بصورةٍ غير مسبوقة.

إن القيمة الحقيقية لكلٍ من كومونة باريس واعتصام القيادة العامة لا تكمن فقط في ما حققاه سياسيًا، وإنما في ما كشفاه من طاقاتٍ كامنةٍ داخل المجتمع. فقد أظهرت التجربتان قدرة الناس العاديين على تنظيم حياتهم بصورةٍ جماعية، وإنتاج أشكالٍ جديدةٍ من التضامن، وتجاوز الانقسامات التي تفرضها البنى التقليدية للسلطة. وفي هذا المعنى، تصبح الكومونة والاعتصام مختبرين تاريخيين لفهم إمكانات الفعل الجماعي وقدرته على إعادة تشكيل الواقع.

وفي الختام، يمكن القول إن المقارنة بين كومونة باريس واعتصام القيادة العامة تكشف عن تشابهٍ عميق في كونهما تجربتين لتأسيس فضاءٍ ثوري بديل، جسّد أحلام الجماهير في الحرية والعدالة والمشاركة. غير أن الاختلاف بينهما يكمن في طبيعة المشروع السياسي، والسياق التاريخي، والغاية النهائية لكل تجربة. وإذا كانت كومونة باريس قد طرحت سؤال السلطة والثورة الاجتماعية، فإن «دولة الاعتصام» طرحت، إلى جانب مطلب التغيير السياسي، سؤال الهوية السودانية وإمكانية بناء وطنٍ يتسع لتنوع أبنائه. ولذلك تبقى التجربتان شاهدتين على قدرة الشعوب، ولو للحظاتٍ عابرة، على تخيل عالمٍ مختلف والسعي إلى تحقيقه.

معرض الصور