تم النشر بتاريخ: ١ يونيو ٢٠٢٦ 14:53:41
تم التحديث: ١ يونيو ٢٠٢٦ 14:57:37

احتجاجات المعلمين تتوسع في السودان وسط الغلاء وتدهور الأجور

مواطنون
تشهد عدة ولايات سودانية موجة متصاعدة من الإضرابات والاحتجاجات التي يقودها المعلمون، في واحدة من أوسع التحركات المطلبية التي يشهدها قطاع التعليم منذ اندلاع الحرب، وذلك احتجاجاً على تدني الأجور، وتأخر صرف المرتبات، وتراكم الاستحقاقات المالية، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية وترتفع أسعار السلع والخدمات بوتيرة متسارعة.

وأعلنت لجنة المعلمين السودانيين دخول أعداد واسعة من المعلمين والمعلمات بولاية الخرطوم في إضراب عن العمل، ضمن سلسلة من التوقفات والإضرابات التي تشهدها ولايات مختلفة، فيما قررت لجنة المعلمين بولاية كسلا تنفيذ إضراب شامل بجميع محليات الولاية اعتباراً من 7 يونيو الجاري، بينما ربطت لجنة المعلمين بولاية الجزيرة قرار تأجيل العام الدراسي التعويضي بتصاعد الاحتجاجات وتجاهل السلطات لمطالب العاملين في قطاع التعليم.

مطالب متراكمة
ويقول المعلمون إن احتجاجاتهم تأتي بعد سنوات من تراكم الحقوق المالية وعدم صرف العديد من الاستحقاقات، بما في ذلك متأخرات العام 2023، ومنح الأعياد لأربع سنوات، والبديل النقدي، وبدل اللبس، وفروقات تعديلات الأجور للعامين 2025 و2026.

وتشير لجنة المعلمين إلى أن راتب المعلم في الدرجة الأولى لا يتجاوز 156 ألف جنيه شهرياً، وهو مبلغ لم يعد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة أو حتى تكاليف المواصلات اليومية من وإلى المدرسة في ظل الارتفاع المستمر في أسعار الوقود والنقل.

وقال رئيس لجنة المعلمين بولاية كسلا، سيد تمبة، إن الأوضاع المعيشية للمعلمين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من التدهور، مشيراً إلى أن أعلى راتب للدرجة الأولى لا يتجاوز ما يعادل نحو 40 دولاراً أمريكياً، بينما حُرم المعلمون من عدد من المزايا والاستحقاقات المالية لسنوات متتالية.

وأضاف أن تآكل القيمة الشرائية للأجور وارتفاع أسعار السلع الأساسية والوقود والمواصلات جعل المرتبات عاجزة عن تغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة، مؤكداً أن الحراك الحالي يمثل محاولة لاستعادة الحقوق وتحقيق المساواة مع بقية العاملين في الدولة.

الغلاء يلتهم الأجور
وتأتي احتجاجات المعلمين في وقت أعلن فيه الجهاز المركزي للإحصاء ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 45.84% خلال شهر أبريل 2026، مقارنة بـ40.84% في مارس، بزيادة بلغت خمس نقاط مئوية خلال شهر واحد فقط.

ويعكس هذا الارتفاع استمرار الضغوط الاقتصادية الناتجة عن تراجع قيمة العملة الوطنية أمام العملات الأجنبية، وما ترتب عليه من زيادات متلاحقة في أسعار الغذاء والوقود والنقل والخدمات الأساسية.

وبحسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فإن السودانيين ينفقون أكثر من نصف دخولهم على الغذاء والمشروبات، ما يجعل أي زيادة في الأسعار ذات أثر مباشر على مستويات المعيشة، خاصة بالنسبة للعاملين بأجور ثابتة مثل المعلمين والموظفين الحكوميين.

ويرى مراقبون أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بتدني الرواتب، بل بالفجوة المتزايدة بين الأجور الحقيقية وتكاليف المعيشة، حيث فقدت المرتبات الحكومية جزءاً كبيراً من قيمتها الشرائية خلال السنوات الأخيرة بفعل التضخم المستمر والحرب وتراجع النشاط الاقتصادي.

الجزيرة.. تأجيل الدراسة لا يحل الأزمة
وفي ولاية الجزيرة، قالت لجنة المعلمين إن الأسباب الحقيقية وراء تأجيل انطلاقة العام الدراسي التعويضي إلى 14 يونيو تتجاوز المبررات الرسمية المعلنة، وترتبط مباشرة بحالة الاحتقان المتصاعدة وسط المعلمين.

وأشارت اللجنة إلى أن السلطات الولائية لم تفِ بالتزاماتها تجاه العاملين في التعليم، حيث تراكمت متأخرات مالية لأكثر من أربعة عشر شهراً، إلى جانب عدم صرف العلاوات والبدلات والمنح المستحقة منذ اندلاع الحرب.

كما أوضحت أن آلاف المعلمين استقبلوا عيد الأضحى في ظل أوضاع معيشية صعبة نتيجة عدم صرف مرتب شهر مايو ومنحة العيد، الأمر الذي أسهم في اتساع دائرة الاحتجاجات داخل القطاع.

مطالب لإنقاذ التعليم
ويتمسك المعلمون بعدد من المطالب التي يرون أنها ضرورية لإنقاذ العملية التعليمية، أبرزها رفع الحد الأدنى للأجور من 12 ألف جنيه إلى 216 ألف جنيه، وصرف جميع المتأخرات المالية والعلاوات والمنح والبدلات، وتنفيذ الترقيات المستحقة، وتحسين بيئة العمل، وزيادة الإنفاق الحكومي على التعليم.

كما يطالبون بوقف سياسات الإجازات القسرية وإنهاء الخدمة بصورة غير عادلة، وفتح حوار جاد مع ممثلي المعلمين حول قضايا المهنة والحقوق.

وتؤكد لجان المعلمين أن استقرار العام الدراسي واستمرار العملية التعليمية مرتبطان بصورة مباشرة بتحسين أوضاع المعلمين المعيشية والمهنية، معتبرة أن أي محاولات لمعالجة الأزمة عبر مبادرات مؤقتة، مثل توفير وجبات أو وسائل نقل محدودة، لا تمثل حلاً حقيقياً للمشكلة.

تأتي هذه التطورات في وقت يواجه فيه قطاع التعليم السوداني تحديات غير مسبوقة بسبب الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، والتي أدت إلى نزوح ملايين المواطنين، وتدمير مئات المدارس، وتعطيل الدراسة في مناطق واسعة من البلاد.

ويرى مختصون في الشأن التعليمي أن استمرار أزمة المعلمين يهدد بتعميق خسائر التعليم في السودان، خاصة في ظل ارتفاع معدلات التسرب المدرسي واتساع الفجوة التعليمية بين الأطفال والشباب.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه لجان المعلمين حرصها على مستقبل الطلاب واستقرار العملية التعليمية، فإنها تشدد على أن تحقيق هذا الهدف يظل مرهوناً باستجابة السلطات لمطالب المعلمين وإنصافهم مالياً ومهنياً، معتبرة أن "لا تعليم بلا معلم، ولا استقرار للتعليم في ظل الجوع والفقر وانعدام الحقوق".

معرض الصور