تم التحديث: ٣٠ مايو ٢٠٢٦ 12:16:46

جمال الفضل.. السوداني الذي هزَّ القاعدة
قراءة في كتاب الشاهد الأول ضد بن لادن للصحفي والروائي محمد عبد العزيز
الأصمعي باشري
في عالمٍ تتداخل فيه السياسة بالاستخبارات، وتتشابك فيه الحكايات السرية مع الوقائع الدامية، يطلّ كتاب الشاهد الأول ضد بن لادن: جمال الفضل سوداني هز القاعدة للكاتب والصحفي السوداني محمد عبد العزيز بوصفه عملاً استثنائيًا يتجاوز حدود التوثيق التقليدي إلى فضاء السرد المشوّق الذي يمسك بالقارئ منذ الصفحة الأولى وحتى السطر الأخير.
الكتاب، الصادر عن الدار المصرية السودانية الإماراتية، وتولت توزيعه منشورات عندليب، يقع في نحو 250 صفحة من القطع المتوسط، موزعة على ثلاثة فصول تتضمن 28 عنوانًا جانبيًا، غير أن القيمة الحقيقية للعمل لا تكمن في حجمه أو تقسيماته، بل في الطريقة التي أعاد بها المؤلف بناء واحدة من أكثر القصص غموضًا وإثارة في تاريخ تنظيم القاعدة، عبر شخصية تكاد تبدو خارجة من روايات التجسس العالمية: السوداني جمال الفضل، الرجل الذي تحول من عضو داخل التنظيم إلى شاهد مفصلي ساهمت شهادته في كشف أسرار القاعدة أمام العالم.
منذ العنوان، ينجح محمد عبد العزيز في خلق حالة من الترقب؛ فعبارة “السوداني الذي هز القاعدة” ليست مجرد توصيف صحفي، بل مدخل درامي إلى قصة مليئة بالخيانة والولاءات المتبدلة والدهاليز الاستخباراتية. ويحسب للكاتب أنه لم يتعامل مع جمال الفضل باعتباره مجرد “مخبر” أو “شاهد”، وإنما بوصفه شخصية إنسانية معقدة، تحمل تناقضاتها الخاصة، وتتحرك داخل واقع سياسي وأمني بالغ الاضطراب.
الكتاب ينتمي ظاهريًا إلى أدب الجاسوسية، لكنه في الحقيقة يتجاوز هذا التصنيف الضيق؛ إذ يمتزج فيه التحقيق الصحفي بالسرد الروائي، وتتجاور الوثيقة مع المشهد القصصي، في بناء هجين يمنح العمل خصوصيته. هذه الهجنة الفنية تمثل أحد أبرز عناصر قوة الكتاب، لأن القارئ لا يشعر بأنه أمام مادة أرشيفية جامدة، بل يعيش الأحداث كما لو أنها فيلم سياسي متوتر الإيقاع.
يعتمد الكاتب على أسلوب سردي سلس، يقوم على التكثيف والتشويق والانتقال الذكي بين الوقائع، دون أن يقع في فخ الاستعراض أو الإثقال المعلوماتي. فمحمد عبد العزيز، المعروف بامتلاكه لغة صحفية رشيقة وحس روائي واضح، يوظف أدواته بعناية لخلق توازن بين المعلومة والمتعة. ولذلك تبدو الصفحات مشحونة بإيقاع سريع يحافظ على انتباه القارئ، حتى في المقاطع ذات الطبيعة التوثيقية.
أحد أهم إنجازات الكتاب أنه يقترب من ملف تنظيم القاعدة من زاوية سودانية قلّما جرى تناولها بهذا العمق. فالكاتب لا يكتفي بسرد سيرة جمال الفضل، بل يعيد رسم المناخ السياسي والاجتماعي الذي شهد وجود أسامة بن لادن وتنظيمه في السودان خلال التسعينيات، وهي فترة ما تزال تثير الكثير من الأسئلة والجدل. ومن خلال هذا التتبع، يفتح العمل نافذة على مرحلة شديدة الحساسية من التاريخ السوداني والعربي، حيث تقاطعت المصالح الأمنية الإقليمية والدولية بصورة معقدة.
كما ينجح الكتاب في تقديم صورة مختلفة عن العلاقة بين الفرد والتنظيمات الأيديولوجية المغلقة. فجمال الفضل يظهر كشخص دخل عالم القاعدة بدوافع متعددة، ثم انتهى إلى التمرد عليها وكشف أسرارها. هذه الرحلة النفسية والفكرية تشكل العمود الفقري للعمل، وتجعل القارئ يتأمل هشاشة الولاءات داخل التنظيمات السرية، وكيف يمكن أن يتحول “الرجل الموثوق” إلى أخطر الشهود.
ولا يخفي الكاتب انحيازه الواضح إلى الجانب الإنساني في الحكاية؛ إذ يتعامل مع بطله بوصفه نتاجًا لظروف معقدة، لا مجرد خائن أو بطل. وهذه المقاربة تمنح النص عمقًا إضافيًا، لأنها تبتعد عن الأحكام الجاهزة وتفسح المجال لفهم أكثر تركيبًا للشخصية والأحداث.
في الجانب الفني، يبرز الحس الروائي لمحمد عبد العزيز بصورة واضحة. فبعض المقاطع مكتوبة بلغة تصويرية مكثفة، تجعل القارئ يرى الأمكنة ويتخيل الشخصيات ويتابع الحوار الداخلي للأبطال. كما أن الكاتب يجيد بناء “اللقطة الدرامية”، ويعرف متى يبطئ السرد ومتى يسرّعه، وهي مهارة لا تتوفر لكثير من الصحفيين الذين يخوضون تجربة الكتابة الطويلة.
ورغم الطابع التشويقي، فإن الكتاب لا يسقط في الإثارة المجانية، بل يحافظ على خط توثيقي واضح. ويمكن للقارئ أن يلمس الجهد الكبير المبذول في جمع المعلومات وتتبع الوقائع وربط الخيوط المتناثرة. وهذا ما يمنح العمل مصداقية مهمة، خاصة وأنه يتناول موضوعًا كثير الالتباس والتضارب.
ومن اللافت أيضًا أن المؤلف ينجح في تبسيط الأحداث المعقدة دون الإخلال بجديتها. فالقارئ غير المتخصص يستطيع متابعة تفاصيل القصة وفهم أبعادها السياسية والتنظيمية، بينما يجد القارئ المهتم بالشؤون الأمنية مادة ثرية بالتفاصيل والإشارات.
الكتاب، في جانب منه، هو أيضًا تأمل في فكرة “الشهادة” نفسها: ماذا يعني أن يتحول شخص من داخل أكثر التنظيمات سرية إلى شاهد ضدها؟ وما الثمن الذي يدفعه مقابل ذلك؟ وكيف تنظر إليه الأطراف المختلفة؟ هذه الأسئلة تحضر بقوة بين سطور العمل، وتمنحه بعدًا فلسفيًا يتجاوز مجرد الحكاية الأمنية.
ولا يمكن الحديث عن الكتاب دون التوقف عند أسلوب محمد عبد العزيز، الذي يؤكد مرة أخرى أنه من الأصوات السودانية القادرة على المزج بين الحس الصحفي والخيال الأدبي. فالرجل لا يكتب بعقل الصحفي فقط، وإنما بعين الروائي أيضًا، ولذلك تأتي مشاهده نابضة بالحياة، وشخصياته أقرب إلى كائنات حقيقية تتحرك أمام القارئ.
في النهاية، فإن الشاهد الأول ضد بن لادن: جمال الفضل سوداني هز القاعدة ليس مجرد كتاب عن تنظيم القاعدة أو عن شخصية مثيرة للجدل، بل هو عمل يحاول إعادة قراءة مرحلة كاملة من التاريخ السياسي والأمني العربي عبر قصة إنسان واحد وجد نفسه في قلب العاصفة. إنه كتاب يجمع بين المتعة والمعرفة، ويمنح القارئ فرصة نادرة للاقتراب من عالم ظل طويلًا محاطًا بالغموض والأساطير.
وقد نجح محمد عبد العزيز في تحويل مادة شديدة الحساسية إلى نص جذاب ومتماسك، يؤكد أن الصحافة حين تمتلك أدوات السرد يمكن أن تتحول إلى أدب رفيع، وأن الحكايات الحقيقية أحيانًا تكون أكثر إدهاشًا من الخيال نفسه.

