تم النشر بتاريخ: ٢٩ مايو ٢٠٢٦ 18:03:15
تم التحديث: ٢٩ مايو ٢٠٢٦ 18:06:03

العودة إلى الخرطوم بعد ثلاث سنوات

ناهد علي عوض السيد
منظمة بلان إنترناشونال
بعد ثلاث سنوات من الإغلاق القسري بسبب النزاع، أعادت منظمة بلان إنترناشونال فتح مكتبها رسميًا واستأنفت عملياتها في الخرطوم. تُعدّ هذه خطوة هامة في إعادة التواصل مع المجتمعات المتضررة من الأزمة السودانية الممتدة.

بالنسبة للعديد من الموظفين السودانيين، لا تقتصر هذه العودة على الجانب العملي فحسب، بل هي ذات بُعد شخصي عميق. بالنسبة لناهد علي، مديرة الاتصالات في منظمة بلان إنترناشونال في السودان، تُمثّل العودة إلى الخرطوم إنجازًا مهنيًا هامًا وعودةً عاطفيةً إلى الوطن، تشكّلت بفعل الفقدان والصمود والإيمان الراسخ بإعادة البناء.

إن العودة إلى الخرطوم بعد ثلاث سنوات من الحرب ليست تجربة عادية. إنها رحلة مليئة بالمشاعر الجياشة والذكريات المؤلمة والأمل في آن واحد. كنت أعلم أنني لا أعود فقط إلى مدينة أنهكها النزاع، بل أعود أيضًا إلى جزء من روحي ظلّ هناك طوال تلك السنوات العصيبة.

عندما وصلت إلى الخرطوم، شعرت وكأنني أفتح أبوابًا جديدة للأمل في داخلي. أؤمن إيمانًا راسخًا بأن هذه العودة ليست نهاية الألم، بل بداية فصل جديد من العمل الإنساني جنبًا إلى جنب مع زملائي وعمال الإغاثة الذين لم يتوقفوا عن خدمة الناس رغم الظروف القاسية. أؤمن أننا ما زلنا قادرين على إحداث فرق حقيقي في حياة الناس، ومواصلة الوصول إلى المحتاجين وهم يتعافون من الأزمة السودانية الممتدة.

بيتٌ تغيّر إلى الأبد
كانت أصعب لحظة هي فتح باب منزلي. كانت الأرضيات خالية من كل شيء تقريبًا. لكن في ذلك الصمت، عادت الذكريات دفعة واحدة. تذكرت تلك الأرضيات نفسها التي كانت تؤوينا يومًا ما بينما كنا نختبئ من أصوات الرصاص والقصف.

كان وقوفي بجانب النافذة، حيث كنت أشاهد جيراني يذهبون إلى أعمالهم كل صباح، تذكيرًا بحياة قطعتها الحرب. غمرتني ذكريات الليلة التي هربت فيها. كانت الساعة الواحدة صباحًا، وغادرت مع طفليّ: ابنتي ذات الست سنوات، وابني الرضيع الذي لم يتجاوز عمره 21 يومًا.

قبل مغادرتي، تركتُ جميع أبواب المنزل مفتوحة، وعندما سألتني ابنتي الصغيرة عن السبب، أخبرتها بكل ما أملك من أمل أننا سنعود قريبًا. في تلك الليلة، رافقنا الخوف في كل مكان.

وبينما كنا نستقل الحافلة إلى بر الأمان، أدركت ابنتي أنها نسيت دميتها المفضلة. فبدأت بالبكاء. أخبرتها أنه يمكن استبدال الدمية. لكن ما فطر قلبي هو عجزي عن منحها الراحة التي تحتاجها في تلك اللحظة. وبينما كانت ابنتي تبكي وطفلي الرضيع يبكي أيضًا، حاولتُ تهدئة الوضع وسط الفوضى. غنيتُ لهما تهويدة تقليدية حتى غلبهما النعاس بين ذراعي.

لماذا هذه العودة مهمة؟
اليوم، ومع استئناف منظمة بلان إنترناشونال عملها في الخرطوم، لا نحتاج فقط إلى إعادة بناء البنية التحتية، بل إلى إعادة بناء حياة الناس التي دمرتها سنوات الصراع. لقد فقد الكثير منا، كشعب سوداني، جزءًا كبيرًا من قلوبنا بفقدان أحبائنا خلال هذه الحرب. ومع ذلك، ورغم كل شيء، لم نفقد الأمل، ولم نفقد الطموح لبناء سودان جديد للأجيال القادمة.

يحمل كلٌّ منا جراحًا قد لا تندمل تمامًا، مهما حاولنا إعادة بناء حياتنا أو العودة إلى ما كنا عليه، لأن فقدان الأحبة يترك فراغًا لا يُمكن تعويضه.

سننظر إلى السودان بعيون أطفالنا - أطفال لم يشهدوا النعم والاستقرار اللذين كنا ننعم بهما قبل الحرب. ولهذا السبب، سنعمل بلا كلل لضمان حصول أبنائنا وبناتنا على كل حقوقهم التي يستحقونها: السلام، والتعليم، والأمان، والكرامة، وفرصة حياة أفضل.

هذا هو الدافع وراء عودة منظمة بلان إنترناشونال: الوصول إلى الأطفال والأسر في لحظة حرجة من التعافي، ودعمهم وهم يبدأون من جديد.

أقوى من ذي قبل
أقف في بيتي مرة أخرى، لا أتأمل فقط ما فقدناه، بل أتأمل أيضًا ما تبقى. ربما غيّرتنا الحرب، لكنها لم تكسرنا.

مع استئناف عملياتنا في الخرطوم، فإن العاملين في المجال الإنساني ليسوا بمعزل عن الأزمة - فنحن نعيشها، ونتجاوزها، وما زلنا نقف كل يوم لدعم الآخرين. وسننهض أقوى من ذي قبل.

معرض الصور