تم التحديث: ٢٧ مايو ٢٠٢٦ 21:50:12

مركز ``مواطنون`` يدعو لإشراك المتضررين من الحرب في قيادة العملية السياسية بالسودان
مواطنون
قال مركز مواطنون لصحافة ثقافة السلام إن الأزمة السودانية تجاوزت كونها صراعًا على السلطة بين أطراف مسلحة، لتتحول إلى أزمة تتعلق بطبيعة السياسة نفسها ومن يملك حق تمثيل المجتمع وصناعة المستقبل، داعيًا إلى إعادة بناء العملية السياسية على أساس المشاركة الشعبية الواسعة وتمكين المجتمعات المتضررة من الحرب.
وأوضح المركز، في ورقة تحليلية بعنوان “نحو فعل مدني يفرض السلام ويستعيد المجال العام”، أن البيان الختامي لـ “قوى إعلان المبادئ السوداني – نحو بناء وطن جديد” مثّل تطورًا نسبيًا في خطاب القوى المدنية، من خلال تحميل أطراف الحرب مسؤولية الكارثة الإنسانية، والتحذير من مخاطر التفكك وخطاب الكراهية، والتأكيد على وحدة السودان وضرورة بناء عملية سياسية ذات “ملكية سودانية”.
غير أن الورقة اعتبرت أن الخطاب المدني لا يزال يتحرك داخل حدود المقاربة النخبوية التقليدية، إذ يتحدث عن النازحين واللاجئين وغرف الطوارئ والمبادرات الشعبية بوصفهم ضحايا أو حواضن أخلاقية، دون منحهم دورًا حقيقيًا في صناعة القرار السياسي.
وأكدت الورقة أن ملايين النازحين واللاجئين، إلى جانب شبكات الإغاثة الشعبية ولجان المقاومة والمبادرات النسوية والشبابية، باتوا يمثلون القوة الاجتماعية الأكثر حضورًا وتنظيمًا في السودان، مشددة على ضرورة تحويل هذه القوى إلى شريك رئيسي في قيادة العملية السياسية وفرض السلام.
ودعت الورقة إلى تأسيس “منبر تفاوضي سوداني ـ سوداني” يعيد العملية السياسية إلى الداخل السوداني، ويمنح المجتمعات المتضررة دورًا مباشرًا في صياغة مستقبل البلاد، بدلًا من بقاء العملية السياسية رهينة للوساطات والعواصم الخارجية.
وأضافت أن بناء “الكتلة الثالثة” لا ينبغي أن يقتصر على تحالفات بين القوى السياسية التقليدية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع لإعادة توزيع مركز الفعل السياسي نحو المجتمعات المتضررة من الحرب، عبر إنشاء منصات تشاور شعبية ومجالس قاعدية للنازحين واللاجئين، وإشراك التنظيمات المحلية في صنع القرار.
فيما يلي النص الكامل للورقة:

نحو فعل مدني يفرض السلام ويستعيد المجال العام
قراءة نقدية في بيان “قوى إعلان المبادئ السوداني” ومقترح لبناء ملكية شعبية للعملية السياسية
معاوية محمدين
مقدمة
تعيش القوى المدنية السودانية واحدة من أكثر لحظاتها تعقيداً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، في ظل انهيار مؤسسات الدولة، وتصاعد الكارثة الإنسانية، واتساع فجوة الثقة بين المجتمع والقوى السياسية التقليدية. وفي هذا السياق، برز البيان الختامي للاجتماع الثاني لـ “قوى إعلان المبادئ السوداني – نحو بناء وطن جديد” كمحاولة لإعادة صياغة خطاب مدني يسعى إلى تجاوز الاستقطاب الحاد بين أطراف الحرب، وطرح رؤية سياسية تقوم على إنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.
وقد حمل البيان بالفعل تطوراً نسبياً في اللغة السياسية، سواء من حيث وضوح توصيفه للحرب، أو تحذيره من خطر التفكك وخطاب الكراهية، أو تأكيده على وحدة السودان وضرورة بناء عملية سياسية ذات “ملكية سودانية”. غير أن أهمية أي خطاب سياسي لا تُقاس فقط بما يقوله، وإنما أيضاً بما يغفله، وبقدرته على تقديم إجابات عملية على الأسئلة التي فرضتها الحرب وتحولاتها العميقة داخل المجتمع السوداني.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد أزمة سلطة بين أطراف متصارعة، بل أصبحت أزمة تتعلق بطبيعة السياسة نفسها، ومن يملك حق تمثيل المجتمع وصناعة المستقبل. ولذلك فإن أي مشروع مدني يسعى فعلاً لإنهاء الحرب وبناء سلام مستدام لا يمكن أن ينجح إذا ظل أسير المقاربات النخبوية التقليدية، أو إذا اكتفى بالحديث باسم المجتمعات المتضررة دون إشراكها كشريك رئيسي في صياغة القرار السياسي.
وتحاول الورقة، في قسمها الأول، قراءة بيان “قوى إعلان المبادئ السوداني” باعتباره محاولة متقدمة نسبياً داخل خطاب القوى المدنية، مع التوقف عند حدود هذا التقدم ونقاط قصوره الأساسية. أما القسم الثاني، فيقدم رؤية بديلة تنطلق من ضرورة إعادة بناء السياسة من أسفل، عبر تحويل المجتمعات المتضررة من الحرب من نازحين ولاجئين وغرف طوارئ ومبادرات شعبية وتنظيمات قاعدية، إلى مركز الفعل السياسي والقوة المدنية القادرة على فرض السلام واستعادة المجال العام السوداني.
أولاً: هل يمثل بيان “قوى إعلان المبادئ السوداني” تحولاً جديداً في خطاب القوى المدنية؟
شكّل البيان الختامي للاجتماع الثاني لـ “قوى إعلان المبادئ السوداني – نحو بناء وطن جديد” محاولة واضحة لإعادة صياغة خطاب القوى المدنية السودانية في ظل التحولات العميقة التي فرضتها الحرب المستمرة منذ أبريل 2023. فالبيان بدا أكثر وضوحاً من كثير من الخطابات المدنية السابقة في توصيف طبيعة الأزمة السودانية، وفي تحميل نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية مسؤولية إشعال الحرب، إلى جانب تحميل طرفي القتال مسؤولية استمرارها وتوسيع آثارها الكارثية على المجتمع والدولة.
كما تميز البيان بلغة سياسية وإنسانية أكثر تماساً مع حجم المأساة السودانية، من خلال التركيز على قضايا النزوح والمجاعة وانهيار الخدمات وتصاعد خطاب الكراهية والعنصرية، مع التأكيد على وحدة السودان ورفض مشاريع التقسيم والتفكيك. كذلك قدّم البيان تصوراً أكثر تنظيماً لمسارات الحل، عبر الربط بين العملية الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والعملية السياسية، في إطار خارطة طريق متكاملة تسعى إلى بناء “سودان الحرية والسلام والعدالة”.
ومن الجوانب اللافتة أيضاً تأكيد البيان على ضرورة “الملكية السودانية للحل”، والدعوة إلى عملية سياسية ذات إرادة وطنية، مع رفض الإفلات من العقاب، والتشديد على تفكيك البنى العسكرية والمليشياوية لصالح جيش وطني موحد. كما حملت الدعوة إلى بناء “الكتلة الثالثة” أو “الجبهة المدنية الواسعة” محاولة لتجاوز الاستقطاب الحاد بين أطراف الحرب وحلفائهما.
غير أن السؤال الأساسي يظل قائماً: هل يمثل هذا البيان بالفعل تحولاً نوعياً في خطاب وممارسة القوى المدنية، أم أنه لا يزال يتحرك داخل حدود المقاربة التقليدية نفسها، وإن بلغة أكثر تقدماً؟
رغم التطور الملحوظ في اللغة السياسية للبيان، إلا أنه ظل في بنيته العميقة أقرب إلى خطاب تحالفات النخب المدنية التقليدية، أكثر من كونه مشروعاً يعيد تعريف السياسة انطلاقاً من التحولات الاجتماعية الهائلة التي صنعتها الحرب. فالبيان تحدث بإسهاب عن النازحين واللاجئين والضحايا وغرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية، وأشاد بصمودهم، لكنه لم ينتقل إلى الخطوة الأهم: الاعتراف بهذه القوى كشركاء أصيلين في صناعة القرار السياسي نفسه.
وهنا تظهر فجوة جوهرية بين الخطاب والممارسة. فالبيان أبقى المجتمعات المتضررة من الحرب في موقع “الضحية الملهمة” أو “الحاضنة الأخلاقية”، دون أن يطرح آليات واضحة لتمثيلها داخل البنية القيادية والسياسية للكتلة المدنية التي يدعو إليها. فلم يوضح كيف سيتم إشراك النازحين واللاجئين ولجان المقاومة وغرف الطوارئ والتنظيمات القاعدية في صياغة الرؤية السياسية أو التأثير على العملية التفاوضية، وهو ما يعيد إنتاج النمط التقليدي الذي تتحدث فيه النخب باسم الجماهير دون بناء السياسة معها ومن خلالها.
كما أن البيان لم يقدم إجابة عملية على سؤال القوة: كيف يمكن فرض عملية سياسية على الأطراف المسلحة؟ ومن أين ستأتي أدوات الضغط الفعلية للقوى المدنية؟ فالواقع أن القوى المدنية لا تملك تفوقاً عسكرياً ولا مؤسسات دولة، وبالتالي فإن مصدر قوتها الحقيقي لا يمكن أن يكون في الخطاب وحده أو في الرهان على الوساطات الدولية، وإنما في قدرتها على تنظيم وتمثيل القوة الاجتماعية التي أنتجتها الحرب نفسها.
لقد أفرزت الحرب واقعاً جديداً يتمثل في ملايين النازحين واللاجئين، وشبكات الإغاثة الشعبية، وغرف الطوارئ، والمبادرات النسوية والشبابية، والمجتمعات المحلية التي أدارت حياتها في ظل غياب الدولة. وهذه القوى لم تعد مجرد ضحايا، بل أصبحت عملياً البنية الاجتماعية الأكثر حيوية وتنظيماً في السودان اليوم. ومع ذلك، لم ينجح البيان في نقل هذه القوى من موقع الرمز الأخلاقي إلى موقع الشريك السياسي القيادي.
ومن جهة أخرى، فإن الدعوة إلى “توحيد المنابر التفاوضية” بدت أقرب إلى إعادة إنتاج مطلب تكرر كثيراً خلال السنوات الماضية، دون أن يقترن بخطوة عملية تعكس جدية الانتقال نحو “الملكية السودانية للحل”. فبدلاً من الاكتفاء بالمطالبة بتوحيد المنابر، كان بالإمكان طرح مبادرة عملية نحو منبر تفاوضي سوداني ـ سوداني، يختبر قدرة القوى المدنية على إنتاج مركز سياسي وطني مستقل، ويعيد نقل العملية السياسية إلى المجال العام السوداني بدلاً من بقائها رهينة العواصم والوساطات الخارجية.
فالملكية الوطنية للحل لا تتحقق بمجرد استخدامها كشعار، وإنما عبر أسئلة عملية تتعلق بمن يصمم العملية السياسية، ومن يشارك فيها، وكيف تُدار، ومن يملك التأثير الحقيقي على مخرجاتها.
لذلك يمكن القول إن البيان يمثل تطوراً نسبياً مهماً في خطاب القوى المدنية السودانية، لكنه لم يحقق بعد القطيعة الكاملة مع المنهج النخبوي التقليدي. فقد نجح في توصيف الأزمة ونقد الحرب والتحذير من التفكك، لكنه لم يذهب بعيداً بما يكفي نحو إعادة بناء السياسة من أسفل، انطلاقاً من المجتمعات المتضررة نفسها بوصفها الفاعل الحقيقي القادر على إنتاج ميزان قوة مدني في مواجهة منطق الحرب والسلاح.
ثانياً: نحو سياسة تُبنى مع الناس لا باسمهم
إن الأزمة السودانية الراهنة لم تعد مجرد صراع على السلطة بين أطراف مسلحة، بل تحولت إلى لحظة تاريخية أعادت تشكيل المجتمع نفسه، وكشفت حدود السياسة التقليدية التي ظلت تدير المجال العام لعقود. ولذلك فإن أي مشروع مدني يسعى فعلاً لإنهاء الحرب وبناء سودان جديد لا يمكن أن ينجح إذا ظل أسير المقاربات النخبوية القديمة، حتى وإن استخدم لغة ثورية متقدمة.
ومن هذا المنطلق، فإن جوهر أي تحول حقيقي في العمل المدني يجب أن يبدأ من إعادة تعريف السؤال الأساسي: من هو صاحب المصلحة الحقيقي في إنهاء الحرب؟ ومن يمتلك القوة الاجتماعية القادرة على فرض السلام؟
إن ملايين النازحين واللاجئين، وغرف الطوارئ، وشبكات الإغاثة الشعبية، ولجان المقاومة، والمبادرات النسوية والشبابية، والمجتمعات المحلية التي حافظت على حياة الناس في ظل انهيار الدولة، ليست مجرد ضحايا للحرب أو موضوعات للتضامن الأخلاقي، بل هي اليوم القوى الاجتماعية الأكثر حضوراً وشرعية وتأثيراً داخل السودان. وهذه القوى يجب ألا تبقى في هامش العملية السياسية أو في موقع “المستمع” و”المؤيد”، بل ينبغي أن تصبح الشريك الرئيسي في صياغة الرؤية السياسية وقيادة معركة السلام والتحول المدني.
فالقوة الحقيقية للقوى المدنية لن تأتي من البيانات ولا من القرب من الوسطاء الدوليين، وإنما من قدرتها على تحويل المعاناة الشعبية إلى قوة سياسية منظمة. إن الأطراف المسلحة، مهما امتلكت من سلاح، تظل بحاجة إلى شرعية اجتماعية وحاضنة شعبية وموارد بشرية واقتصادية. وعندما تتشكل كتلة اجتماعية واسعة ومنظمة من المتضررين من الحرب أنفسهم، يصبح بالإمكان فرض كلفة سياسية وأخلاقية على استمرار القتال، وعزل خطاب الحرب، وتحويل مطلب السلام إلى قوة شعبية يصعب تجاوزها.
ولهذا فإن بناء “الكتلة الثالثة” لا يجب أن يكون مجرد تحالف جديد بين قوى سياسية ومدنية تقليدية، بل مشروعاً لإعادة توزيع مركز الفعل السياسي نحو المجتمعات المتضررة نفسها. وهذا يتطلب آليات عملية وواضحة، من بينها:
بناء منصات تشاور شعبية واسعة،
تشكيل مجالس قاعدية للنازحين واللاجئين،
إشراك غرف الطوارئ والتنظيمات المحلية في صناعة القرار،
تطوير أدوات للمساءلة والتمثيل المباشر،
وخلق مساحات سياسية حقيقية للمجتمعات التي تحملت العبء الأكبر للحرب.
وفي السياق نفسه، فإن الحديث عن “الملكية السودانية للحل” يجب ألا يظل شعاراً عاماً. فالملكية الوطنية لا تتحقق عبر النصوص وحدها، وإنما عبر بناء عملية سياسية تنبع من الداخل السوداني نفسه، وتُدار بإرادة سودانية، وتخضع لتأثير المجتمع السوداني لا لإيقاع العواصم الخارجية وحدها.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط الدعوة إلى “توحيد المنابر”، بل المبادرة عملياً نحو تأسيس منبر تفاوضي سوداني ـ سوداني، يفتح المجال لحوار وطني واسع تقوده القوى المدنية والمجتمعات المتضررة من الحرب، ويعيد السياسة إلى المجال العام السوداني. وحتى إن واجهت هذه الخطوة صعوبات بحكم تعقيدات الحرب والتدخلات الإقليمية والدولية، فإن مجرد السعي لبنائها يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة القوى المدنية على إنتاج مركز سياسي مستقل، ويمنح شعار “الملكية السودانية للحل” مضموناً فعلياً لا رمزياً.
إن السودان المدني الديمقراطي لن يُبنى عبر التسويات الفوقية وحدها، ولا عبر إعادة تدوير النخب السياسية القديمة، وإنما عبر إعادة تأسيس السياسة نفسها على قاعدة المشاركة الشعبية الواسعة، والعدالة، والتمثيل الحقيقي للمجتمعات التي دفعت ثمن الحرب. فالمجتمع المنكوب لم يعد مجرد موضوع للسياسة، بل أصبح الفاعل الوحيد القادر على إنتاج ميزان قوة مدني يواجه منطق السلاح، ويفتح الطريق نحو سلام مستدام ودولة ديمقراطية عادلة.


