تم النشر بتاريخ: ٢٦ مايو ٢٠٢٦ 09:43:45
تم التحديث: ٢٦ مايو ٢٠٢٦ 09:45:33

تقرير دولي يكشف شبكات تضليل رقمي مرتبطة بحرب السودان

مواطنون
صدر مؤخراً تقرير بحثي مثير للجدل يكشف عن واحدة من أكبر شبكات التلاعب الرقمي المرتبطة بالحرب السودانية، موثقاً كيف تحولت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، إلى ساحات موازية للصراع تُدار فيها حملات تضليل ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الرأي العام والتأثير على إدراك المستخدمين للأحداث الجارية في السودان والمنطقة.

التقرير، الذي حمل عنوان “تمكين الفظائع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والسودان: الحسابات الوهمية وبرامج التلاعب الآلي (البوتات) والضرر المعلوماتي الرقمي في زمن الحرب”، أُنجز تحت رعاية كرسي اليونسكو للبيانات والإعلام والمجتمع بجامعة ساوث كارولاينا، وأعده الباحث المتخصص في التضليل الرقمي مارك أوين جونز، الأستاذ المشارك في تحليلات الإعلام بجامعة نورث ويسترن في قطر.

واعتمد التقرير على تحليل تقني واسع شمل أكثر من 250 ألف منشور عبر ثلاث شبكات رقمية متمايزة تضم ما يزيد على 27 ألف حساب وُصفت بالمزيفة أو المنخرطة في أنشطة تأثير منسقة. وبحسب الدراسة، فإن هذه الحسابات نشطت بلغات متعددة، بينها العربية والإنجليزية والفرنسية والفارسية والتركية، خلال فترة تجاوزت عامين، بهدف توجيه السرديات المرتبطة بالحرب السودانية وعدد من قضايا المنطقة.

وخلص التقرير إلى وجود نشاط رقمي كثيف يروج لروايات موالية لقوات الدعم السريع ومنسجمة مع التوجهات الإماراتية، حيث جرى تصوير قوات الدعم السريع باعتبارها طرفاً يسعى إلى السلام ويتمتع بشرعية سياسية وإنسانية، بينما أُلقيت مسؤولية المجاعة والانتهاكات وعرقلة المساعدات الإنسانية بصورة شبه كاملة على القوات المسلحة السودانية والتيارات الإسلامية المرتبطة بها.

كما كشف عن حملات رقمية منسقة أعقبت أحداث مدينة الفاشر، عملت على إعادة صياغة مشاهد العنف والانتهاكات في إطار خطاب يدعو إلى “التعافي” و”الاستقرار”، في ما اعتبره الباحث نمطاً متكرراً من محاولات تلميع الصورة وإعادة تأطير الفظائع المرتكبة ضمن خطاب سياسي وإعلامي يخفف من وقعها على الرأي العام.

وأشار إلى أن التغيرات الأخيرة في سياسات إدارة المنصات الرقمية، لا سيما أنظمة التحقق المدفوعة والخوارزميات التي تمنح المحتوى انتشاراً أكبر بناءً على التفاعل والاشتراكات، ساهمت في خفض تكلفة حملات التأثير السياسي والإعلامي، وسمحت لجهات منظمة بشراء المصداقية والوصول الواسع بصورة مصطنعة. واعتبر الباحث أن هذا التحول جعل من السهل على الشبكات الدعائية التأثير في النقاشات العامة وتوجيه الأجندة الرقمية دون الحاجة إلى قواعد جماهيرية حقيقية.

ومن بين أخطر ما أورده التقرير، رصده لشبكات تستخدم شخصيات مولدة بالذكاء الاصطناعي أو مدعومة به، حيث تبين أن عدداً من الحسابات اعتمد صوراً وهويات رقمية غير حقيقية وأنماط كتابة اصطناعية تهدف إلى محاكاة المستخدمين الحقيقيين والتفاعل معهم بصورة تبدو طبيعية. ووفقاً للتقرير، فإن هذه الحسابات لعبت دوراً محورياً في تضخيم الرسائل السياسية والتأثير على إدراك المتابعين للأحداث.

كما انتقد التقرير ما وصفه بضعف تطبيق سياسات الحظر والأمان من قبل المنصات الرقمية في البيئات العربية ومناطق النزاع، موضحاً أن المحتوى المضلل والشبكات المنسقة غالباً ما تبقى نشطة لفترات طويلة دون تدخل فعّال، مقارنة بسرعة الاستجابة للمخالفات في البيئات الناطقة بالإنجليزية.

وحذر الباحث من أن خطورة هذه الحملات لا تتوقف عند حدود التضليل الآني للمستخدمين، بل تمتد إلى التأثير على مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي وأدوات البحث المعتمدة على نماذج اللغة الكبيرة، والتي بات يعتمد عليها ملايين المستخدمين للحصول على المعلومات. وأشار إلى أن ضخ كميات هائلة من المحتوى المضلل والمنسق قد يؤدي مستقبلاً إلى تشويه الحقائق التاريخية وترسيخ روايات مصطنعة داخل الأنظمة الذكية نفسها.

ورغم أن التقرير أقر باستخدام الحرب الرقمية والتضليل من قبل طرفي النزاع السوداني، القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، فإنه أوضح أن تركيز الدراسة على الدعم السريع يعود إلى حجم الشبكات المرتبطة به، وتوفر الأدلة الرقمية، وطبيعة المخاطر المرتبطة بالفظائع والانتهاكات، وليس انطلاقاً من افتراض أن التضليل يمارَس من طرف واحد فقط.

ويُعد مارك أوين جونز من أبرز الباحثين المتخصصين في قضايا الاستبداد الرقمي والتضليل الإعلامي في الشرق الأوسط، إذ سبق له أن نشر تحقيقات ودراسات دولية حول شبكات التأثير الإلكتروني في المنطقة. كما أصدر كتابين بارزين هما “القمع السياسي في البحرين” و”الاستبداد الرقمي في الشرق الأوسط”، الذي اختير ضمن أفضل كتب عام 2023 وفق تصنيف مجلة “فورين أفيرز”. ويحمل جونز خبرة ميدانية وأكاديمية واسعة، إذ نشأ في البحرين والسعودية، وعمل ودرس في السودان وسوريا وألمانيا والمملكة المتحدة، ما أتاح له فهماً معمقاً للسياقات السياسية والإعلامية في المنطقة.

معرض الصور