تم النشر بتاريخ: ٢٥ مايو ٢٠٢٦ 17:33:08
تم التحديث: ٢٥ مايو ٢٠٢٦ 17:37:38

عيد الأضحى في الخرطوم.. جحيم السوق يمنع فرحة المواطنين

مواطنون
قبل يومين من عيد الأضحى المبارك، وبعد ثلاث سنوات من النزوح والخوف، عادت نادية أبوبكر إلى منزلها في شمال بحري وهي تحمل مفتاح البيت بيد، وكيساً صغيراً من الدقيق باليد الأخرى. حيث كانت تتوقع أن تجد الحي متعباً من الحرب، لكن ما لم تتوقعه أن تكون الأسواق أكثر قسوة من أصوات الرصاص التي هربت منها ذات يوم.

وقفت نادية أمام دكان صغير قرب منزلها تسأل عن سعر البيض، فأجابها البائع بلا اكتراث: "طبق البيض بثلاثين ألف جنيه". ظنت للحظة أنها لم تسمع جيداً، أعادت السؤال مرة أخرى، فجاءها الرد نفسه. أطرقت رأسها وهي تحسب في سرها ما تبقى من المال الذي عاد به زوجها من رحلة نزوح طويلة إلى ولاية أخرى، ثم غادرت دون أن تشتري شيئاً.

تقول نادية، وهي أم لثلاثة أطفال في مراحل دراسية مختلفة، إن العودة إلى الخرطوم بعد الحرب لم تكن نهاية المعاناة كما تخيلت، بل بداية معركة جديدة مع الغلاء وانعدام مصادر الدخل. تضيف بصوت خافت: "كنا نظن أن الرجوع إلى البيت سيعيد الحياة لطبيعتها، لكننا رجعنا لنجد الأسعار ناراً، والناس بلا شغل، والجيب فاضي".

في الصباح الباكر، يستيقظ سكان أحياء الدروشاب والحلفايا والكدرو، التي بدأت تستعيد بعض الحياة على أصوات الباعة المتجولين وهم يعرضون الخبز، والخضار والفاكهة ، يكتفون بالسؤال عن الأسعار ثم يغلقون أبوابهم في صمت. لم يعد السوق مكاناً للشراء، بل صار مساحة يومية لاختبار العجز.

داخل سوق شعبي بأم درمان، يقف عمر المدينة، وهو تاجر تجزئة، خلف أكياس السكر والدقيق التي تناقصت أحجامها مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. يشير بيده إلى رفوف شبه فارغة ويقول إن أسعار المواد التموينية ارتفعت بنحو 30% خلال الأسابيع الأخيرة فقط. يبرر تجار الجملة الزيادات بارتفاع تكلفة الترحيل وتدهور سعر الصرف، لكن المواطن البسيط لا يعنيه كل ذلك بقدر ما يعنيه سؤال واحد: كيف يطعم أسرته؟

يقول عمر: "الناس اصبحت تشتري بالاوقية ونصف الأوقية. فالزبون الذي كان باخذ كيس سكر كامل زنة الخمسة كيلو، الآن اصبح يشتري بكميات أقل. وهنالك من يدخل السوق ويخرج دون يشتري".

وفي أحد أحياء كرري، كانت أم محمد تجلس أمام منزلها الطيني تحاول تقسيم قطعتي خبز صغيرين بين أطفالها الأربعة. لم يعد الخبز كما كان، فقد تقلص حجمه وارتفع سعره في الوقت نفسه. تحكي بحسرة أنها كانت قبل الحرب تشتري احتياجات المنزل الأساسية مرة واحدة في الأسبوع، أما الآن فهي تشتري يومًا بيوم، وأحيانًا لا تشتري شيئًا.

تقول: "الراتب وقف من بداية الحرب، وزوجي كان يعمل سائق ركشة، لكنه فقدها. أصبحنا نعتمد على مساعدات من أقاربنا، لكن كل الناس ظروفها صعبة".

الغلاء الذي يضرب أسواق الخرطوم لم يترك سلعة أساسية إلا وطالها. لتر زيت الطعام بلغ عشرة آلاف جنيه، وكيلو لحم الضأن وصل إلى خمسين ألفًا، بينما ارتفع سعر كيلو السكر إلى خمسة آلاف جنيه، ورطل الشاي إلى أربعة عشر ألفًا، أما ربع البصل فقد بلغ ثمانية آلاف جنيه، وهو رقم كان قبل الحرب يكفي لشراء كمية كبيرة من الخضروات.

هذه الأرقام لم تعد مجرد تفاصيل اقتصادية، بل تحولت إلى وجع يومي يحدد شكل الحياة داخل البيوت. كثير من الأسر استبعدت اللحوم تمامًا من موائدها، وأخرى اكتفت بوجبة واحدة في اليوم، بينما لجأت بعض العائلات إلى تقليل مشترواتها بسبب عدم القدرة.

في أحد المخابز الصغيرة ببحري، وقف عشرات المواطنين في صف طويل للحصول على الخبز. كان من بينهم عبد الرحمن، موظف حكومي فقد مصدر دخله بعد توقف مؤسسته عن العمل منذ اندلاع الحرب. يقول إن أصعب ما يواجهه ليس الجوع نفسه، بل شعوره بالعجز أمام أسرته.
"أطفالي بقوا يسألوني: ليه ما بنجيب اللحم زي زمان؟ وأنا ما عندي إجابة. الحرب سرقت منا الشغل والأمان وحتى القدرة على الشراء".

ويضيف أن العودة إلى الخرطوم كانت حلمًا لكل النازحين، لكن كثيرين عادوا ليجدوا بيوتًا مدمرة وأسواقًا لا ترحم. بعض الأسر باعت ما تبقى من ذهب النساء لتغطية تكاليف المعيشة، بينما اضطر آخرون إلى الاستدانة من الجيران أو أصحاب المتاجر.

في الأسواق، تبدو الحركة أقل من المعتاد رغم عودة آلاف المواطنين إلى العاصمة. أصحاب المحال التجارية يشكون هم أيضًا من الركود وضعف القوة الشرائية. يقول أحد التجار إن الناس لم تعد تسأل عن الجودة أو النوع، بل عن الأرخص فقط، حتى لو كانت الكمية قليلة جدًا.

الحرب لم تدمر المباني وحدها، بل مزقت دورة الحياة الاقتصادية كاملة. آلاف العاملين فقدوا وظائفهم، وأصحاب المهن الصغيرة خسروا أدوات عملهم، بينما أغلقت شركات ومؤسسات كثيرة أبوابها. ومع غياب الاستقرار وتراجع الخدمات، أصبح الحصول على دخل ثابت حلمًا بعيدًا.

ورغم قسوة الظروف، يحاول السكان ابتكار وسائل للبقاء. بعض النساء بدأن إعداد الطعام وبيعه داخل الأحياء، وأخريات اتجهن لصناعة الخبز المنزلي أو بيع الشاي في الطرقات. الشباب الذين كانوا يعملون في مهن مختلفة صاروا يقضون ساعات طويلة في البحث عن أي فرصة عمل، ولو بأجر زهيد.

في المساء، تجلس نادية أحمد أمام منزلها المتصدع وهي تراقب أبناءها يراجعون دروسهم على ضوء ضعيف. تقول إن أكثر ما يؤلمها هو خوفها من المستقبل، لكنها تتمسك بالأمل رغم كل شيء.
"الحرب علمتنا نصبر. صحيح الحياة صعبة شديد، لكن الناس بتحاول تعيش. مرات بنقسم الوجبة الواحدة بين الكل، ومرات الجيران يساعدونا. لولا التكافل كان الوضع أسوأ".

ذلك التكافل الشعبي أصبح طوق النجاة الأخير لكثير من الأسر. في بعض الأحياء، يتشارك الجيران الطعام والمياه، ويتعاونون في توفير احتياجات الأسر الأكثر فقرًا. لكن الجميع يدرك أن هذه الحلول المؤقتة لا تكفي أمام موجة الغلاء المتصاعدة.

ومع كل صباح جديد، يخرج المواطن السوداني إلى السوق وهو يحمل قائمة طويلة من الاحتياجات، لكنه يعود غالبًا بما يستطيع فقط، لا بما يريد. وبين رفوف المتاجر وصفوف الخبز، تتشكل يوميًا حكايات صغيرة عن أمهات يخفين قلقهن، وآباء يطاردون فرصة عمل، وأطفال يتعلمون مبكرًا معنى الحرب حتى بعد توقف أصوات البنادق.

فالخرطوم التي تحاول النهوض من تحت ركام الحرب، تواجه اليوم معركة أخرى أكثر صمتاً، لكنها لا تقل قسوة: معركة البقاء في وجه الغلاء والفقر وفقدان مصادر الرزق.

معرض الصور