تم التحديث: ٢٢ مايو ٢٠٢٦ 16:04:33

الصورة: من منصة الشروق على فيسبوك
القضارف تقرأ: معرض ``العودة للكتاب`` يعيد الحياة إلى المدينة
الأصمعي باشري
لم يكن "معرض العودة للكتاب" الذي نظمه منتدى شروق الثقافي بمدينة القضارف مجرد فعالية لبيع الكتب، بل بدا وكأنه إعلان جماعي عن عودة الروح إلى المدينة عبر الثقافة والفن والحوار. فعلى امتداد الفترة من 15 إلى 22 مايو الجاري، تحولت القضارف إلى مساحة نابضة بالقراءة والموسيقى والمسرح والنقاشات الفكرية، في مشهد استثنائي جمع مئات الزوار من مختلف الفئات العمرية حول أكثر من ألفي عنوان كتاب، وبرامج ثقافية وفنية، ومساحة نشاط للأطفال، صاحبت المعرض طوال أيامه.
المعرض الذي أقامه منتدى شروق بالتعاون مع دار المصورات للطباعة والنشر استقطب جمهورًا واسعًا من داخل ولاية القضارف وخارجها، وسط اهتمام لافت من الشباب والأسر والمهتمين بالشأن الثقافي، في وقت تعيش فيه البلاد ظروفًا صعبة جعلت من مثل هذه الفعاليات مساحة نادرة للتلاقي والأمل.
فمنذ الساعات الأولى لافتتاح المعرض، بدت الحركة نشطة بين أروقة الكتب. عناوين في الأدب والرواية والفكر والتاريخ والسياسة والتنمية البشرية، وكتب الأطفال، توزعت على الطاولات التي ازدحمت بالقراء والباحثين عن إصدارات جديدة، أو كتب طال انتظارها. ولم يكن الحضور مقتصرًا على المثقفين أو الأكاديميين، بل حضرت الأسر بكثافة، ورافق الأطفال ذويهم في جولات بين الكتب والأنشطة الفنية.
الصورة: من منصة الشروق على فيسبوك
يقول عمر عابدين، أحد الزوار، إن الفعالية "أعادت للقضارف شيئًا افتقدته طويلًا"، مضيفًا أن المدينة ظلت بحاجة إلى مشاريع ثقافية تعيد الناس إلى الفضاء العام بعيداً عن أجواء التوتر والانشغال بالأزمات اليومية. بينما رأت إحدى الطالبات الجامعيات أن المعرض منح الشباب فرصة نادرة للاحتكاك المباشر بالكتاب والكتّاب والمهتمين بالشأن الثقافي، خاصة في ظل التراجع الكبير للأنشطة الثقافية في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
لم يقتصر الحدث على عرض الكتب فحسب، بل حرص المنظمون على تقديم برنامج مصاحب متنوع امتد طيلة أيام المعرض، شمل ندوات أدبية واجتماعية، وأمسيات موسيقية، وعروضًا مسرحية، إلى جانب، الندوات الشعرية، وجلسات نقاش مفتوحة تناولت قضايا الثقافة والمجتمع ودور الفن في تعزيز التماسك الاجتماعي.
وشهدت الندوات حضور عدد من الكتّاب والمهتمين بالشأن العام، حيث ناقشت بعض الجلسات واقع القراءة في السودان، والتحديات التي تواجه صناعة النشر، بينما ذهبت جلسات أخرى إلى مناقشة قضايا اجتماعية وثقافية مرتبطة بالشباب ومكافحة المخدرات والتعليم والهوية. وكان لافتًا حجم التفاعل من الجمهور، خصوصًا من فئة الشباب الذين شاركوا بأسئلة ومداخلات عكست تعطشًا واضحًا للحوار والنقاش.
أما المسرح والموسيقى فقد شكلا عنصر جذب أساسي داخل المعرض، إذ تحولت الأمسيات إلى احتفالات ثقافية مفتوحة تداخلت فيها الأغاني مع العروض المسرحية والقراءات الأدبية، في أجواء اتسمت بالحيوية والتنوع. وشارك فنانون وموسيقيون محليون في تقديم عروض حظيت بتفاعل كبير من الجمهور، بينما وفرت العروض المسرحية مساحة للتعبير عن قضايا اجتماعية وإنسانية قريبة من واقع الناس.
ويرى مراقبون أن نجاح “معرض العودة للكتاب” لا يرتبط فقط بعدد الزوار أو حجم المبيعات، وإنما بقدرته على إعادة الاعتبار للثقافة باعتبارها حاجة مجتمعية أساسية وليست ترفًا. ففي ظل الظروف التي تعيشها البلاد، أصبحت الفعاليات الثقافية تمثل متنفسًا نفسيًا واجتماعيًا، وفرصة لترميم العلاقات بين الناس عبر الفن والمعرفة.
وكشف المعرض عن وجود جمهور حقيقي للكتاب في ولاية القضارف، رغم كل التحديات الاقتصادية والمعيشية. فالإقبال الكبير على شراء الكتب والمشاركة في الأنشطة المصاحبة بعث برسالة واضحة مفادها أن القراءة ما تزال قادرة على جذب الناس متى ما توفرت المبادرات الجادة والمساحات المفتوحة.
من جهتهم، عبّر منظمو المعرض عن سعادتهم بحجم التفاعل الذي وجدته الفعالية، مؤكدين أن الهدف الأساسي كان خلق مساحة آمنة ومفتوحة للمعرفة والحوار والفنون. وأشاروا إلى أن التعاون مع دار المصورات للطباعة والنشر أسهم في توفير تنوع كبير في العناوين المعروضة، بما يلبي اهتمامات شرائح مختلفة من القراء والمهتمين بالنشاط الثقافي والفني بالمدينة.


